اختُلقت لأسباب مذهبية أو سياسية... "المقابلات المكذوبة" في التاريخ الإسلامي

اختُلقت لأسباب مذهبية أو سياسية... "المقابلات المكذوبة" في التاريخ الإسلامي

تكتظ كتب التاريخ الإسلامي بالكثير من الروايات التي تحمل مغالطات تتعارض مع الثوابت التاريخية المتّفَق عليها بين الباحثين والأكاديميين، منها الحديث عن مقابلات جرت بين مجموعة من العلماء والقادة المسلمين.

وعلى الرغم من اشتهار وذيوع أخبار وتفاصيل تلك المقابلات بين العامة والخاصة، إلا أن الشك يحيط بها من عدة جوانب، كما توجد أدلة كثيرة تؤكد استحالة وقوعها تاريخياً.

إذن هي مقابلات مستحيلة، ولكن ساعدت أسباب متعددة على انتشار قصصها قديماً وحديثاً، وانحصرت بين إضفاء صفة الشرعية على بعض الوجوه، وبين إثبات التفوّق العلمي لشخصيات معيّنة أو ربط نظام عسكري بعقيدة دينية منتشرة.

ابن تومرت والغزالي... لقاء مؤسس لشرعية الدولة الموحدية

من المشكلات التي واجهت المؤرخين قديماً وحديثاً مسألة التحقق من لقاء مؤسس الحركة الموحدية في القرن السادس الهجري محمد بن تومرت بحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، فقد كانت هذه المسألة مثار جدل ونقاش دائمين ومتكررين، لما أحاط بها من غموض ولبس.

الرواية التقليدية التي تذكر هذا اللقاء يقصها الزركشي في كتابه "تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية"، وتحكي أن ابن تومرت سافر من موطنه في المغرب الأقصى، وزار عدداً من البلدان المشرقية، ووصل إلى العراق حيث حضر دروس الإمام الغزالي.

وبحسب هذه الرواية، ذكر أحد الحاضرين للدروس، في إحدى المرات، أن المرابطين الذين يفرضون سلطانهم على بلاد المغرب قاموا بإحراق كتاب الغزالي الشهير "إحياء علوم الدين"، فغضب الأخير ودعا على المرابطين بزوال ملكهم، فطلب منه ابن تومرت أن يحدث ذلك على يديه، فأمن الغزالي على طلبه ودعا الله أن يتم زوال ملك المرابطين على يد تلميذه القادم من أقصى المغرب الإسلامي.

وتُستكمل الرواية في كتاب "نظم الجمان" لابن القطان، بأن الغزالي أطلع ابن تومرت على كتاب يسمى بـ"الجفر"، ورد فيه أن هناك رجلاً من ذرية الرسول سيظهر في أرض المغرب وسيقيم دولة عظيمة، وبشره بأنه هو المعني بتلك البشارة.

وأكد قصة لقاء ابن تومرت بالغزالي مؤرخون قدامى آخرون منهم ابن أبى زرع الفاسي، فيما نفى حدوثه بشكل صريح ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ. أما عبد الرحمن بن خلدون، في تاريخه، فلم يجزم بصحة اللقاء، وقال: "لقي في ما زعموا أبا حامد الغزالي".

وبحسب ما يذكره الدكتور حسين مؤنس في كتابه "معالم تاريخ المغرب العربي والأندلس"، ينفي معظم الباحثين المحدثين حدوث اللقاء بين الرجلين، ويؤكدون أن ابن تومرت لم يصل في رحلته المشرقية إلى العراق، وأن مؤرخي الدولة الموحدية وضعوا واختلقوا تلك الأسطورة، بعد وفاة ابن تومرت نفسه، لأن الغزالي كان يشغل مكانة كبيرة ومتميزة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ما يعني أن الربط بينه وبين ابن تومرت يشكّل مقدمة شرعية للدعوة الموحدية في المغرب.

فمباركة الغزالي لابن تومرت ولدعوته تسحب بساط الشرعية الدينية من تحت أقدام المرابطين، وتؤيد القول إن المهدي وأتباعه هم المجاهدون المسلمون الذين يقاتلون في سبيل نصرة الدين القويم والعقيدة الحقة.

هل التقى أرطغل بابن عربي؟

محاولات تقديم التاريخ الموازي البعيد عن الحقيقة لم تقتصر على المصادر التاريخية وحدها، بل تمارَس بشكل أيديولوجي منهجي حتى اللحظة الراهنة، كما فعل على سبيل المثال المسلسل التركي الأشهر "قيامة أرطغل" الذي يقدّم رؤية ملحمية لبزوغ نجم الدولة العثمانية.

واحدة من أهم وأكبر المغالطات التاريخية التي ظهرت في هذا المسلسل كانت قصة لقاء القائد التركي أرطغل بشيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي.

ادعى المسلسل وقوع اللقاء بين الرجلين في بلاد الشام، أثناء ترحال أرطغل للبحث عن موطن جديد لقبيلته، ولم يكتفِ بذلك، بل ظهر ابن عربي وكأنه المرشد الروحي لأرطغل، بحيث يرجع إليه الأخير قبل كل تصرف مهم، ويستشيره كذلك في العديد من المواقف والصراعات، كما ظهر أنه يقف دائماً في صف الأتراك ضد أعدائهم.

ولكن المصادر التاريخية الكثيرة التي تناولت حياة ابن عربي تؤكد أنه ترك الأندلس في نهاية القرن السادس الهجري، راحلاً إلى المشرق، ابتغاء للحج وزيارة البقاع المقدسة، وأنه استمر في رحلته تلك لمدة تزيد عن العشرين عاماً، زار فيها بلاد الشام والحجاز ومصر وبلاد المغرب وأجزاء من الأناضول.

وفي عام 606هـ/ 1210م تحديداً، تحدثنا المصادر التاريخية عن أن ابن عربي توغّل في منطقة الأناضول، وذهب إلى مدينة قونية، حيث التقى بالصوفي الشهير جلال الدين الرومي، وعاش هناك في ضيافة السلاجقة الذين رحّبوا به وأكرموا وفادته، ثم ما لبث أن قفل راجعاً إلى بلاد الشام مرة أخرى، بعد أن مرّ بأرمينيا وبغداد وبلاد الحجاز، فزار حلب لبعض الوقت، قبل أن يستقر في مدينة دمشق حيث قضى فيها نحو 17 عاماً، وتوفي هناك عام 637هـ/ 1240م.

والسؤال: ما هو المكان الذي يمكن أن يتصادف فيه وقوع اللقاء بين الرجلين، خصوصاً أن المصادر التاريخية التي تناولت سيرة كل منهما، لم تذكر قصة ذلك اللقاء على الإطلاق؟

بحسب المسلسل، وقع اللقاء في حلب، في بداية رحلة أرطغل للبحث عن مأوى، وهو الأمر الذي تذكر المصادر التركية حدوثه في الأعوام الأولى من ثلاثينيات القرن الثالث عشر الميلادي.

وإذا رجعنا إلى سيرة ابن عربي، نرى أنه في تلك الفترة تحديداً، كان الشيخ الأكبر مستقراً في دمشق وليس في حلب، وأنه لم يخرج منها بعد أن دخلها للمرة الأخيرة. وإذا ما أضفنا إلى ذلك أن أرطغل لم يصل إلى دمشق نفسها، يتأكد لنا استحالة حدوث اللقاء المزعوم.

وقد يتساءل البعض عن السبب الذي حدا بصانعي المسلسل إلى اختلاق قصة ذلك اللقاء، وحشرها حشراً داخل السياق الدرامي للمسلسل، طالما أنه لا يوجد تأكيد على وقوعها؟

تستلزم الإجابة مراجعة الأنماط الدينية المنتشرة في تركيا، فالباحث في تاريخ الأتراك سيجد أنهم تأثروا كثيراً بالأفكار الصوفية التي وصلتهم من الشرق والغرب الإسلاميين، ومن ثم، كانت محاولة صانعي المسلسل ربط خُطى أرطغل الأولى بتوجيهات ابن عربي في حقيقة الأمر محاولة لإضفاء الشرعية الدينية والروحية على تاريخ أرطغل، وتاريخ خلفائه من السلاطين العثمانيين، ما يصبّ في النهاية في تمجيد الخلافة العثمانية ورفع مقامها.

أورخان وحاج بكتاش ولي... بعد روحي للجيش الإنكشاري

حاولت الكثير من المصادر التاريخية التركية أن تبيّن تأثيرات بعض المتصوفين الأتراك على اتخاذ بعض القرارات السياسية المهمة في تاريخ الدولة العثمانية.

ومن ذلك الأخبار التي زعمت أن لقاءاً وقع بين حاجي بكتاش ولي، مؤسس الطريقة البكتاشية، والسلطان العثماني أورخان خان بن عثمان، وأن الأول حض الثاني على تأسيس قوة عسكرية تمكنه من توحيد البلاد التركية تحت زعامته، وهو الأمر الذي استجاب له الثاني بتأسيسه الجيش الإنكشاري.

أقوال جاهزة

شارك غردهي مقابلات مستحيلة، ولكن ساعدت أسباب متعددة على انتشار قصصها قديماً وحديثاً، وانحصرت بين إضفاء صفة الشرعية على بعض الوجوه، وبين إثبات التفوّق العلمي لشخصيات معيّنة

شارك غردعلى الرغم من اشتهار وذيوع أخبار وتفاصيل مقابلات بين بعض الشخصيات في التاريخ الإسلامي، إلا أن الشك يحيط بها من عدة جوانب، كما توجد أدلة كثيرة تؤكد استحالة وقوعها تاريخياً

ويوضح الباحث خالد محمد عبده في بحثه المعنون بـ"التصوف في تركيا: من التاريخ إلى السياسة البكتاشية"، أن تلك الروايات حاولت أن تنسب إلى حاجي بكتاش مهمة تأسيس الجيش الإنكشاري، وهو أمر مستحيل تاريخياً لأن مؤسس الطريقة البكتاشية توفي عام 1270م، بينما كانت فترة حكم السلطان أورخان، والتي شهدت لحظة تدشين الجيش الإنكشاري ممتدة في الفترة بين عامي 1326 و1362م، ما يعني أن الولي الصوفي توفي قبل حكم السلطان أورخان بنحو نصف قرن من الزمان.

من الممكن أن نفسّر الربط بين حاجي بكتاش وتأسيس الإنكشارية بأنه محاولة للربط بين الشرعية الدينية التي يمثلها مؤسس أهم الطرق الصوفية التي انتشرت في تركيا عبر تاريخهم، وبين الفيلق العسكري الأقوى والأكثر قدرة وفتكاً في تاريخ الدولة العثمانية.

فقد كان صبغ الإنكشارية بالطابع الصوفي سبباً مهماً في إكساب حروبهم المشروعية اللازمة، لتصبح وكأنها نوعاً من أنواع الجهاد الإسلامي ضد الأوروبيين المسيحيين.

ابن تيمية والحلي... لقاء رواه السنة واستخدمه الشيعة

في القرن الثامن الهجري، ظهر فقيهان عظيمان في البلاد الإسلامية، أولهما شيعي عاش في العراق وإيران هو العلامة ابن المطهر الحلي، وثانيهما سني عاش بين مصر وبلاد الشام، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني.

عُرف الرجلان بكونهما أعلم أهل زمانهما في الطائفتين الشيعية والسنية، ومما زاد في شهرتيهما أن الحلي لما كتب كتاب "منهاج الكرامة في معرفة الإمامة"، للدفاع عن نظرية الشيعة الإثناعشرية في الإمامة، ردّ ابن تيمية عليه بكتابه الشهير "منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، وعمل فيه على نقض كلام الحلي بشكل تفصيلي.

وسط تلك المنافسة العلمية-المذهبية الحادة بين الرجلين، ظهرت رواية تزعم أنهما تقابلا، وذكرها شمس الدين السخاوي في حاشيته على كتاب أستاذه ابن حجر العسقلاني المتوفي عام 852هـ، "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة".

جاء في تلك الرواية "أن ابن المطهر الحلي لما حج اجتمع هو وابن تيمية وتذاكرا، وأعجب ابن تيمية كلامه، فقال له: من تكون يا هذا؟ فقال: الذي تسميه ابن المنجس، فحصل بينهما أنس ومباسطة".

المشكلة في الرواية أنها تغالط مجموعة من الثوابت التاريخية التي نُقلت إلينا من واقع ترجمة كل من الحلي وابن تيمية.

المغالطة الأولى هي أنه من المعروف أن ابن تيمية لم يحج إلا مرة واحدة فقط، في شبابه عام 692هـ، وذكرها كل من ابن كثير في البداية والنهاية، وابن عبد الهادي في سيرة شيخ الإسلام. وفي الوقت ذاته، فإن الحلي لم يحج هو الآخر إلا مرة واحدة، وكانت عام 726هـ، بحسب ما يذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه، أي أن الفارق الزمني بين حج كل منهما كان حوالي 35 عاماً.

أما المغالطة الثانية فتتمثل في أن كتاب منهاج السنة لم يتم تأليفه إلا عام 710هـ، بحسب ما يذكر مؤلفه نفسه في مقدمته، أي أنه صنّفه بعد 18 سنة من رجوعه من الحج، فكيف اتفق أن يتناظر الرجلان في ما ورد في الكتاب قبل تأليفه أصلاً؟

الحقيقة أن السبب الرئيسي في انتشار وذيوع قصة لقاء ابن تيمية بالحلي، يتمثل في كونها تتضمن اعتذاراً ضمنياً من الأول للثاني، وهو الأمر الذي وجد فيه الشيعة دليلاً على تفوّق مذهبهم، وأعلمية فقهائهم على معاصريهم من فقهاء السنة، خصوصاً أن الرواية وردت في كتاب لاثنين من كبار العلماء السنة، هما ابن حجر العسقلاني وتلميذه شمس الدين السخاوي، وقد عُرفا بالخبرة والتثبت في علم الحديث.

ولذلك نجد أن الكثيرين من علماء الشيعة الإمامية المعاصرين الذين وقفوا كثيراً عند تلك الرواية، ذكروها في دروسهم ومحاضراتهم، ومنهم جعفر الإبراهيمي وفوزي آل سيف وغيرهما.


محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي