"تسقيط" متظاهرات البصرة... هل هو أسلوب لإبعاد النساء عن الحركة الاحتجاجية؟

"تسقيط" متظاهرات البصرة... هل هو أسلوب لإبعاد النساء عن الحركة الاحتجاجية؟

"التسقيط لم ولن يُحبطني لأنني أعرف أين موقعي وأين يجب أن أكون"، تقول رئيسة جمعية الفردوس العراقية في محافظة البصرة فاطمة البهادلي.

في الآونة الأخيرة، وعلى خلفية احتجاجات البصرة التي هدأت مؤخراً دون أن تنتهي، تعرّضت البهادلي وناشطات أخريات إلى "التسقيط"، بعد أن خرجن في تظاهرات في المحافظة الواقعة جنوب العراق، للمطالبة بـ"الحقوق" وتوفير الخدمات.

وكانت التظاهرات التي شهدتها البصرة في الأسبوع الأول من أغسطس قد شهدت أعمال عُنف ضد المتظاهرن من قبل القوات الأمنية العراقية، بالإضافة إلى اعتداءات من قبل "مجهولين" على مؤسسات الدولة العراقية وكذلك على القنصلية الإيرانية في المحافظة.

"دور الناشطات في العنف"

أعقب أحداث البصرة المذكورة انتشار حديث واسع، خاصةً على مجموعات الـ"واتس أب" الخاصة التي تضم سياسيين وإعلاميين وباحثين، عن "دور" ناشطات البصرة في أحداث العُنف التي شهدتها المحافظة، وكثيرون من المشاركين في هذا الحديث اتهموهنّ بالوقوف وراء أعمال العُنف.

ونُشرت للفتيات والنساء اللواتي ينشطن في منظمات مجتمع مدني أو في حملات تطوعية، صورٌ يظهرن فيها بجانب القنصل الأمريكي في البصرة تيمي دافيس، واعتبر البعض أن هذه الصور دليل على "دعم" أمريكي "لإثارة الفوضى" في المحافظة.

وبسبب ما تعرّضن له من حملات "تسقيط وتشويه" لم يخرجن في التظاهرات التي تلت يوم حرق القنصلية الإيرانية في البصرة. وبحسب بعض مَن تحدّثن لرصيف22، فإن بعض الناشطات توقفن عن استقبال أي إتصال من أحد، نتيجة للخوف.

ويُستخدم مصطلح "التسقيط" في العراق للإشارة إلى حملات تهدف إلى الحط من قدر المهاجَم مستخدمةً عادةً أسلوب نشر الشائعات.

وتقول الناشطة في "تحالف المادة 38 الدستورية" ذكرى سرسم لرصيف22 إن "استهداف الناشطات طريقة تُستخدم لتسقيطهنّ، عبر محاولات للتشهير بهنّ  بأساليب ملتوية وبعيدة عن الصحة تتضمّن نشر صور ولقاءات ممكن أن تشكّل تهديداً على حياتهنّ".

من جانبها، تقول فاطمة البهادلي لرصيف22: "شاركت في التظاهرات رغم أنني قادرة على توفير كل احتياجات عائلتي، لكنني خرجت كامرأة بصرية أحمل هموم شعبي وأطالب بحقوقهم المشروعة التي سُلبت منهم منذ 15 عاماً"، في إشارة إلى فترة ما بعد سقوط نظام صدام حسين.

وتُضيف: "اختنقت في التظاهرات بسبب الغاز المسيل للدموع، ورغم ذلك تعرّضنا لحملة تسقيط وتشويه من قبل بعض الناشطين أو أشخاص يتبعون أحزاباً سياسية، وهذه مسألة طبيعية: عندما يُريدون إيقاف أي شخص عن نشاطه يقومون بحملات تسقيطية ضده، لكنني شخصياً لن تحُبطني هذه الاتهامات وسأشارك في التظاهرات السلمية المقبلة".

فاطمة البهادلي في التظاهرات

وكانت البهادلي واحدة من الناشطات اللواتي تعرّضن للتشهير ببسبب صورة جمعت أعضاء جمعيتها بالقنصل الأمريكي في البصرة عندما استضافوه في مقر جمعيتهم.

مشاركة نسائية لافتة

كانت مشاركة النساء في تظاهرات البصرة لافتة، وأوسع حتى من مشاركة النساء في العاصمة بغداد منذ عام 2015، كما أن فتيات البصرة ظهرن وهنّ يرتدين الزي الأسود بالكامل، وساعدن في أغلب الأحيان المجموعات الشبابية على التعامل مع حالات الاختناق والإغماء وعلى تضميد الجروح التي أصيبوا بها بسبب نيران القوات الأمنية العراقية.

ظهرت النساء في تظاهرات البصرة بفعالية، وتحدث بعضهن لوسائل الإعلام رغم أنهن في محافظة تُسيطر عليها النزاعات العشائرية بشكل كبير وتقع فيها المرأة تحت ثقل العادات والتقاليد الذكورية.

تعتبر ذكرى سرسم، وهي أيضاً تعرّضت للتسقيط، أن عمليات التشهير بحق الناشطات تؤكد أن هناك مَن يُريد إسكاتهنّ وتوقيفهنّ عن المطالبة بحقوقهن وحقوق الناس، وبرأيها، من الممكن أن يؤدي ذلك إلى "ترددهن في المشاركة لاحقاً في حركة الاحتجاج".

تفاصيل التسقيط

اتخذ تسقيط متظاهرات البصرة أشكالاً مختلفة. على سبيل المثال، يُحذّر هذا الحساب المجهول الهوية من "فتنة" أمريكية لاستهداف محافظة البصرة تقودها مجموعة ناشطات، ويذهب إلى اتهام الناشطة ريهام اليعقوب بأنها "صاحبة جيم مشبوه" في البصرة ويقول إن الناشطات هنّ مَن يُحرّكن التظاهرات، متسائلاً: "معقولة هذني ما عدهن أهل يسألوهن شيسوّون بالسفارة الأمريكية وياخذن سيلفيات".

أقوال جاهزة

شارك غردنُشرت لمتظاهرات البصرة الناشطات في منظمات مجتمع مدني أو في حملات تطوعية، صورٌ يظهرن فيها بجانب القنصل الأمريكي في البصرة تيمي دافيس، واعتبر البعض أن هذه الصور دليل على "دعم" أمريكي "لإثارة الفوضى" في المحافظة

شارك غردناشطة عراقية: "شاركت في تظاهرات البصرة رغم أنني قادرة على توفير كل احتياجات عائلتي، لكنني خرجت كامرأة بصرية أحمل هموم شعبي وأطالب بحقوقهم المشروعة التي سُلبت منهم منذ 15 عاماً"

ويكتب هذا الحساب منتقداً الناشطات: "ناشطات البصرة اللواتي أسموهن لبؤات البصرة لهن ارتباط مع القنصل الأمريكي في البصرة. الموت لأمريكا".

كانت لوديا ريمون إحدى ناشطات محافظة البصرة اللواتي تعرّضن لحملات "تشهير وتسقيط"، وتعتقد أن الخوف من صوت المرأة هو ما دفع "النفوس الضعيفة" للتحريض ضد المتظاهرات.

تقول ريمون لرصيف22 إن "الصور التي انتشرت ليست جديدة ولم تكن مخفية، فنحن نشرناها منذ وقت طويل على صفحاتنا على فيسبوك عندما كُرّمنا في يوم المرأة"، وتُضيف: "التحريض الذي صار ضدنا ممنهج ومدفوع الثمن لإشغال الشارع عن التظاهرات".

تتحدث ريمون عن "زملاء وإعلاميين" قاموا بعمليات تشهير ضدها وضد زميلاتها، لكنها مع ذلك تؤكد إصرارها على المشاركة في أية تظاهرات جديدة رغم ما تعرّضت له.

ولم يقف الأمر عند صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بل راحت بعض المواقع الإخبارية تتحدث عن "خيانة" الناشطات، فكتبت شخصية تُدعى ميسون كُبة: "العراقي اليوم يجب أن يحسب خطواته ويعرف ماذا تعني، لا سيما حين تتزامن مثل تلك الزيارات مع فوضى واضطرابات كان للناشطات دور فيها، وكأنهن استلمن الإشارة في التظاهر والاحتجاج الذي أدى إلى التخريب والحرق".

أبعد من ذلك، كتبت وكالة مهر الإيرانية عن "دور القنصلية الأمريكية في أحداث البصرة الأخيرة"، ونشرت مع خبرها صور ناشطات وناشطين مدنيين، في إشارة منها إلى تعاون هؤلاء مع القنصلية في الاحتجاجات الأخيرة.

وتحدثت مهر بشكل مُباشر عن الناشطين وقالت: "لعب نشطاء عراقيون على شبكات التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تحريك شارع البصرة ونقل المتظاهرين إلى مرحلة الشغب، فكانت لرهام يعقوب وعلي نجيم وغيرهم علاقات وثيقة بالدبلوماسيين الأمريكيين ضمن دورات تعليمية ممنهجة".

لم تكن في تقرير وكالة مهر أية معلومة غير تلك التي تداولها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي العراقية، كما لم يتضمّن أي متحدث يُساعدها على تعزيز ما تقوله، فضلاً عن عدم نشرها أي دليل على ما ذكرته.

"الناشطات في خطر"

تعتقد الناشطة الحقوقية ورئيسة جمعية الأمل في العراق هناء أدور أن هُناك مَن يُحرّض ضد الناشطين الذين برزوا في التظاهرات أو دعوا الناس للتظاهر والمطالبة بحقوقهم، وهم بحسب قولها، "لا يُريدون للناس أن تتوعى وتعرف أين حقوقها".

وتقول أدور لرصيف22 إن "حياة الناشطات في خطر بسبب التحريض الذي تعرّضن له، وعلى الحكومة توفير الحماية لهن وملاحقة مَن حرّض ضدهن، خاصة وأنهن لم يقمن بما يُحرّض الناس على العُنف".

هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها ناشطات في التظاهرات لمثل هكذا هجمة وبشكل علني، فأبرز الناشطات في تظاهرات بغداد لم يتعرّضن للتشويه والتسقيط بهذه الطريقة الواسعة التي شارك فيها عدد كبير من المواطنين.

تقول الناشطة النسوية في محافظة البصرة هند العبيدي التي نُشرت إحدى صورها مع الناشطات، إن "الملفت في عمليات التشهير التي استهدفت الناشطات، أن أساتذة جامعات وما يُسمى بشيوخ عشائر شاركوا فيها، وهذا أمر غريب، فالأشخاص الذين يُفترض أن يكونوا نُخبة حرّضوا ضد الناشطات".

وتُضيف لرصيف22 أن "التشهير يُراد منه إشغال الناس عمّا تحقق من دور إيجابي للمرأة في محافظة البصرة وإصرارها على المشاركة في التظاهرات وعدم السكوت عن الحقوق التي تُسلب".


مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي