36 عاماً على المجزرة، وما زلنا ببشاعة صبرا وشاتيلا

في 16 سبتمبر 1982، دخلت بعض الميليشيات المسلّحة اللبنانية كحزب الكتائب وجيش لبنان الجنوبي إلى مخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين، في بيروت العاصمة، تحت تغطية من الجيش الإسرائيلي المشارك في المذبحة، والذي كان يحاصر المنطقة، مرتكبين واحدةً من أسوأ المجازر في التاريخ العربي الحديث. تمّ قتل مئات المدنيين من الفلسطينيين وبعض اللبنانيين والعرب. 

العالم يذكر صبرا وشاتيلا جيّداً، ففي نوفمبر 1982، أي بعد مرور شهرين على المجزرة، شكّل ما يعرف بلجنة كاهان الإسرائيلية للتحقيق في ما حدث. وحمّلت اللجنة آرييل شارون, وزير الدفاع آنذاك، المسؤولية الكاملة عن المجزرة، لأنّه على الرغم من قدرته على الحؤول دون وقوعها، فلم يفعل. وعليه، فإنّ المجزرة كانت موثقّة ومعترف بها. وتعاونت مجموعة واضحة من المتهمين مع الإسرائيليين لارتكاب المجزرة، وكان ذلك بحجّة وجود 1500 مسلّح فلسطيني داخل المخيمات، إلّا أنّ من قُتل لم يكن من المسلحين، بل من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ.

لكنّ صبرا وشاتيلا ليست المجزرة الوحيدة التي ارتكبها بعض العرب في حقّ بعض، وقد مرّ الكثير من الوقت، منذ أصبحت يوميّات الإنسان العربي مجموعة من ذكريات المجازر. 

قبل بضعة أشهر من مجزرة صبرا وشاتيلا، في فبراير من العام نفسه، كان النظام السوري يخوض معركته الأكبر مع تنظيم الإخوان المسلمين. هذه المعركة كانت قد بدأت قبل ثلاثة أعوام في 1979، لكنّها انتهت في 2 فبراير 1982. حين قام رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد مع قوة عسكرية كبيرة، بمحاصرة مدينة حماة، المعقل الأكبر للإخوان، وقصف العديد من أحيائها بشكل عشوائي فدمٰرها. وسقط ضحية المجزرة آلاف المدنيين الذين لا علاقة لهم بالقتال المسلّح، ولم تتمكن الإحصاءات من تحديد الرقم الدقيق للمجزرة، بالإضافة إلى ما يقارب 1500 مفقود. 

مرّ الكثير من الوقت. 36 عاماً على صبرا وشاتيلا، و36 عاماً أيضاً على مجزرة حماة، وبغضّ النظر عن طبيعة كل من المجزرتين، والأبعاد السياسية التي تختلف من قضيّةٍ إلى أخرى، إلّا أنّها مجازر يرتكبها العرب في حقّ مدنيين من العرب، بحجّة القضاء على المقاومة المسلحة، أو الإرهاب، أو الثورة.

دخلنا في الألفية الثانية، ولم تتوقف المجازر في العالم العربي، وقد تكون الأسباب المؤدية إليها أقل استحقاقاً من المتوقّع. 

أقوال جاهزة

شارك غردلا نريد أن يكون كل يوم صبرا وشاتيلا

شارك غرد تحوّلت يوميّات الإنسان العربي مجموعة من ذكريات المجازر

في 1 فبراير عام 2012، حدثت مجزرة بور سعيد الشهيرة في مصر، على أثر مباراة لكرة القدم بين فريقي الأهلي والمصري. يومذاك رفع مشجعو نادي الأهلي شعاراتٍ اعتبرها مشجعو نادي المصري البورسعيدي إهانةً لمدينتهم، وبدأ العراك بالأسلحة البيضاء، وانتهى بـ72 قتيلاً ومئات الجرحى. كان بارزاً حينذاك أن الأمن المصري لم يفتّش جمهور المباراة، لذلك تمكنوا من إدخال الأسلحة البيضاء، وتم إغلاق جميع مداخل الملعب ما عدا مدخلاً غير رئيسي، فكان أحد أسباب وقوع المجزرة. وبدأ الأمر بشعار "بلد البالة مجبتش رجالة".

وفي الألفية الثالثة أيضاً، بدأت الأحداث في سوريا، تحديداً عام 2011. وقعت منذ ذلك الحين عمليات قتل كثيرة، وتهجّر عدد كبير من السوريين من بلادهم، وحدثت مجازر عدة أبرزها مجزرة الغوطة الشرقية. ففي 21 أغسطس 2013، أطلقت صواريخ محمّلة بغاز السارين إلى مدن الغوطة الشرقية في دمشق العاصمة، موقعة بحسب منظمة أطباء بلا حدود، 355 قتيلاً، من بين 3600 حالة إصابة تمّ إسعافها في ذلك اليوم. لكنّ الأطراف المتصارعة لم تتفق على هذا العدد، فالرواية الاستخباراتية الأمريكية تقول إن نحو 1000 شخص قتلوا، ورواية المعارضة السورية تقول إن الرقم هو 1466.

اتهامات تبادلها النظام والمعارضة، حول من أطلق الصواريخ، فقد أكد المعارضون أنّ الصواريخ أطلقت من جبل قاسيون، حيث التمركز العسكري للنظام، بينما ردّت روسيا بأنّ الصواريخ أطلقت من مدينة دوما في الغوطة الشرقية، وهي تحت سيطرة المعارضة المسلّحة، لإفشال بعثة المفتشين الدوليين، التي كانت قد وصلت إلى سوريا قبل ثلاثة أيّام. 

وبعد أن ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، برزت مجازر مرّوعة في حقّ المدنيين في الكثير من البلدان العربية، وليس في سوريا والعراق فقط. وكانت أكبر مجازرهم في حقّ الإيزيديين في قضاء سنجار في محافظة الموصل في أغسطس 2014. فبعد أن سيطر التنظيم على الموصل، واختطف النساء الإيزيديات كسبايا حرب، قتل آلاف الشباب الإيزيدين. ثم وقعت مجزرة داعش في تدمر، بعد أن استولى على المدينة، التي كانت بيد النظام السوري، وراح ضحيتها 450 مدنيّاً، بالإضافة إلى التفجيرات التي ينفذها التنظيم في ليبيا والسعودية وسوريا والعراق. 

هذه المجازر كلها ليست الوحيدة في العالم العربي، وإحصاؤها عصيّ على التطبيق. في ذكرى صبرا وشاتيلا، لا نريد أن يكون كل يوم صبرا وشاتيلا.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي