في اليوم العالمي للديمقراطية... كيف حال المغرب؟

في اليوم العالمي للديمقراطية... كيف حال المغرب؟

ما هي طبيعةُ نظام الحكم في المغرب؟ هل هو ديمقراطي أم استبدادي؟ سؤالٌ حَيَّرَ جُلَّ المتتبعين والباحثين والمثقفين المغاربة طوال العشرين سنةً الأخيرة. ففي وقتٍ يتفق الجميع على أن مغربَ اليوم لا يشبه مغربَ الحسن الثاني الذي تميّزَ بالاستفراد بالسلطة، يصعبُ على المتتبع المغربي والعربي تصنيفُ مغربَ محمد السادس في خانةٍ معينة.

مياهٌ كثيرةٌ جرت تحت الجسر المغربي خلال العقدين الماضيين، وفُتِحتْ صفحةٌ جديدة من تاريخ البلاد أسماها القائمون على الدعاية الرسمية بـ"العهد الجديد"، وصلت إلى درجةِ التَّبشِير بإقامة نظامٍ ديمقراطي بما تحمله الكلمة من معنىً قويّ.

بوادر "النية" الديمقراطيةِ للملك محمد السادس ظهرت خلالَ السنوات الأولى من حكمه، عندما سمحَ بعودة المعارضين السياسيين إلى أرض الوطن، وأبْعَدَ رجالاتِ نظامِ والده من مربع السلطة، وأبدى تسامحاً كبيراً في التعامل مع الصحافة المستقلة التي كانت تتحدث عنه وعن حُكمِهِ بالكثير من الجرأة، لكن سرعان ما سَيَتَبَدَّدُ الحُلم الديمقراطي المغربي، أو بالأحرى سيُرَحَّل إلى أجلٍ غير مسمى..

وبمناسبة حلول اليوم العالمي للديمقراطية، الذي يُصادف 15 سبتمبر من كل سنة، وفي ظل التطورات المُتسارعة التي شهدها النظامُ السياسيُّ المغربي منذ ربيع عام 2011 إلى اليوم، ومع ارتفاع وتيرة الاحتقان الاجتماعي وما رافقه من تراجعٍ غيرِ مسبوقٍ على المستوى الحقوقي، حاولنا في رصيف22 قراءةَ الوضعِ الديمقراطي في المغرب، بِناءً على معطياتٍ مستوحاةٍ من الواقع السياسي للمملكة الشريفة.

المغرب.. نظام "هجين"

خلال العام الماضي، أصدرت وحدةُ "ذي إيكونوميست أنتليجانس للأبحاث والتحليل"، التابعةُ لمجموعة "ذي إيكونوميست" البريطانية، تقريراً عن مؤشر الديمقراطية في العالم (2017)، جاء فيه أن المملكةَ المغربية تحتل المرتبةَ 101 عالمياً من إجمالي 167 بلداً شملهم التصنيف، والمرتبة الثانية عربياً بعد تونس، مهدِ الربيع العربي، بمجموع 4.87 على 10 نقاط.

لكن المثيرَ للانتباه في التقرير المذكور، تقسيمُ كلّ الدول المعنية بالتصنيف إلى أربعة أقسام، إذ جاء المغرب ضمنَ قائمة الدول "الهجينة": الديمقراطيات الكاملة (19 بلداً)، الديمقراطيات المعيبة (57 بلداً من بينها تونس)، الأنظمة الهجينة (39 بلداً من بينها المغرب)، الأنظمة السلطوية (52 بلداً).

أما فيما يتعلق بحرية الصحافة، احتلت المملكة المركز 109 عالمياً بخمس نقاط من أصل عشر، بعدما صُنِفت البلاد ضمنَ قائمة 50 دولةً "غير حرة إلى حدّ كبير" في مجال الصحافة والإعلام، بحيث أشار التقرير إلى أن الصحافيين والإعلاميين المغاربة يتعرضون لعددٍ من المضايقات،خصوصاً خلال التغطيات المُتعلِّقة بالمسؤولين السياسيين والحكوميين.

"وهم" الانتقال الديمقراطي

يُمكنُ القول إن المغربَ يعيشُ اليومَ على وقع "انتظارية قاتلة" في ظل أفقٍ سياسي مسدود، انتظاريةٌ سبق للأمير مولاي هشام، ابن عم العاهل المغربي، المعروف بانتقاده لطبيعة النظام السياسي لمملكة ابن عمه، أن حذَّرَ من عواقبها عندما كتب مقالاً أثار الكثير من الجدل في جريدة "لوموند" الفرنسية، قبل سنوات.

أبرزُ ما جاء فيه أن المغرب "يجتاز مرحلةً انتقاليةً، وهي مرحلةٌ صعبةٌ بالنسبة لجميع البلدان، والجميع يعلم، أن نظام الحكم القديم قد ولَّى ولا يمكن الحفاظ عليه أو إعادته ثانية... منذ سنوات وشعبنا -خاصة الشباب منه- ينتظر الإصلاحاتِ التي يحتاجها مستقبل بلادنا، لكن في الحقيقة، نجد أن هذا الانتقال تعَطَّل في وقتٍ ما زال النظام القديم  يُمارس تأثيره ويُخالط المؤسساتِ المُضعفة والعقول المُحْبطَة في مزيجٍ خطيرٍ لا سابق له."

حاول الملك محمد السادس، منذ وصوله إلى السلطة، طَيَّ صفحة حكم والده إلى الأبد، والإعلانَ عن بداية مرحلةٍ جديدةٍ من تاريخ البلاد أكثرَ انفتاحاً، عُنوانُها "دولة الحق والقانون" و"المفهوم الجديد للسلطة" و"المَلكية المُواطنة" وغيرها من المصطلحات التي أنتجتها الآلة الدعائية للقصر، بل إن الملك لم يجد أدنى تحفظٍ في الحديث عن الديمقراطية بشكلٍ صريحٍ في أول حوارٍ صحفي أجراه مع مجلة "تايم" الأمريكية، صيف عام 2000، عندما قال إن "المغاربة ليسوا هم الإسبان ولن يكونوا كذلك أبداً... إن الديمقراطية على الطريقة الإسبانية صالحةٌ لإسبانيا، والمغرب ينبغي أن يأخذَ بنمطٍ ديمقراطي ذي خصوصيةٍ مغربية".

لكن الانتقال الديمقراطي المنشود الذي انتظره المغاربةُ لم يُكتب له أن يرى النور، وسرعان ما بدأت الأمور تعود إلى سابق عهدها، وبدأ شيئاً فشيئاً يترسَّخ  نموذج حكمٍ جعل الملكَ قُطبَ الرَّحى في العملية السياسية، في ظل عدم تواجد أية معارضةٍ قويةٍ تطالب بفصل السلطة ووضعِ خطوط تماسٍ بين مجالات تدخل كلّ من الملك والطبقة السياسية ممثلةً في الحكومة والبرلمان والمؤسسات، الشيء الذي جعل المؤسسة الملكية ككل، هي الفاعل والمؤثر الأول والأخير في كل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تَهُمُّ المغاربة.

20 فبراير.. ناقوس الخطر

عندما تحوَّلتْ الاحتجاجات في تونس إلى ثورة، وبدأت المظاهرات تُطالبُ برحيل الرئيس زين العابدين بن علي، كانت الدعوات إلى الخروج إلى الشارع في المغرب تتناسل على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن سقوط نظام بن علي بتلك السرعة وانتقال شرارة الثورة إلى مصر ثم ليبيا، أدى إلى حدوث حالة ترقبٍ غير مسبوقةٍ داخل الأوساط المؤثرة في البلاد، بالنظر إلى الغموض الذي كان يَلُفُّ نوعية المطالب التي سيرفعها المواطنون عندما سينزلون إلى الشارع في إطار الربيع العربي.

وفي انتظار اليوم الموعود، حبستِ المملكة أنفاسَها ودخلت في حالة طوارئ غيرِ معلنة تحَسُّباً لما يمكن أن يحدث، لكن المفاجأة كانت مُبهِرةٌ: خَرَجَ المغاربة يوم الأحد 20 فبراير 2011 في أكثر من 53 تظاهرةً على امتداد التراب الوطني، دون أن يطالبوا بإسقاط النظام على غرار ما حصل في تونس ومصر، بل رفعوا سقف مساعيهم المُوجّهةٍ خصِّيصاً إلى الملك مطالبين بالديمقراطية والقطع مع الممارسات السلطوية، درجة أن هناك من حمل لافتاتٍ كُتِبَ عليها: "أيُّها الملك: نحن نحبك وهذه مطالبنا". من هنا بدأ ما سُمِّيَ لاحِقاً بـ"الاستثناء المغربي".

فرصة تاريخية ضائعة

قبل هبوب رياح الربيع العربي، كان مهندسو الخارطة السياسية في المغرب يتَّجِهون نحو تَبَنِّي نموذج الرئيس التونسي بن علي، ما دفع الصحافةَ المستقلة آنذاك إلى ابتكار عبارة "تَوْنَسَةْ المغرب" لشرح الوضع الذي وصلتْ إليه المملكة.

بدأ الأمر عندما أسَّسَ صديق الملك، فؤاد عالي الهمة، الذي يُعتبرُ الرجلَ القويَّ في النظام، حزباً  سياسياً سنة 2008 أُطلِقَ عليه اسم "الأصالة والمعاصرة"، بِهَدفِ تحجيم إسلاميي حزب العدالة والتنمية المعارض آنذاك، الذي كان له تأثيرٌ قويٌّ على الناخبين المغاربة، وهي المُهمَّة التي نجح فيها عالي الهمة العام الموالي عندما اكتَسحَ حِزبُهُ نتائج الانتخابات الجماعية ووضع حداً لزحف إخوان عبد الإله بنكيران، الذي وبشكلٍ مفاجئ، أصبح رئيساً للحكومة المغربية في خريف عام 2011.

وصول بنكيران إلى الحكومة بِفِعلِ حراك 20 فبراير أحدث حركيةً غير مسبوقة في المشهد السياسي المغربي، بالنظر إلى كونه أصبح "رئيساً" للحكومة وليس "وزيراً أولا" كما كان عليه الحال قبل الربيع العربي، وفي جيبه صلاحياتٌ دستوريةٌ كانت إلى وقت قريب حكراً على الملك وحده.

كما أن حزبه حصل على أغلبيةٍ كبيرةٍ في البرلمان بفارقٍ كبيرٍ عن باقي الأحزاب (107 مقعداً من أصل 395) في سابقةٍ هي الأولى من نوعها، الشيء الذي أعطى الانطباع أن المغرب بصددِ القيام بانتقالٍ ديمقراطي حقيقي عنوانُه فصلُ السلطة واحترامُ الإرادة الشعبية للمواطنين.

لكن، وبعد مُضِيِّ سنةٍ واحدةٍ وعودة الاستقرار إلى الشارع المغربي، بدأ يتَّضِحُ أن المؤسسة الملكية عقدت العزم على استرجاع التنازلات التي قَدَّمتْها في عِزِّ الربيع العربي، وهي المسألة التي تَحقَّقتْ بفضل "مُرونة" حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي وضع أمام نصب أعينه هدفاً واحداً تمثَّلَ في كَسْبِ ثِقة الملك، وإن كان ذلك على حِساب المكتسبات التي حَقَّقَها الحراك، درجة أن بنكيران تنازل عن بعض الصلاحيات التي خولها له الدستور الجديد بشكلٍ طواعيٍ لفائدة الملك!

الحُكم في يد الملك وحده

في الوقت الراهن، وبموجب دستور 2011 الذي يُصنّفُ أولَ دستورٍ في عهد محمد السادس، فإن الملك هو الحاكم الفعلي للبلاد، والوحيد الذي يملك كل السلطاتِ المهمة.

هذا الوضع، دفع رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، إلى أن يُصرِّحَ مراتٍ، قبل إقالته في مارس 2017، أن الحاكم الفعلي في المغرب هو الملك وحده.

ففي مقابلةٍ تلفزيونية مُباشِرة أجراها بنكيران مع قناة "الحرة"، أياماً قليلة قبل موعد انتخابات 7 أكتوبر 2016 التشريعية، قال إن "الفاعل الرئيسي والحاكم الوحيد في المغرب هو الملك محمد السادس"، مضيفاً أن الملك "يتمتع برئاسة الحكومة برئيسها، وهو أمير للمؤمنين والقائد الأعلى للقوات المسلحة، لذا فهو الحاكم"، مع تأكيده أنه مجردُ "مساعدٍ للملك".

تصريح بنكيران، شكَّلَ سابقةً في المشهد السياسي المغربي، فهو صادرٌ عن رئيس حكومة ما بعد الربيع العربي والدستور الجديد الذي تُقدِّمُهُ وسائل الدعاية الرسمية كدستور "جدّ متقدم" يضع المغرب في مصاف الدول الديمقراطية، ما يعني أن كلام بنكيران يفيد أن لا شيء تغير في طبيعة نظام الحكم رغم الإصلاحات التي أُطلِقت سنة 2011.

الخريف المغربي

من عام 2016 إلى اليوم، يُجمِعُ كافةُ المتتبعين المغاربة على أن البلاد دخلت مسلسلاً من التراجعات السياسية والحقوقية، جعل البعضَ يتحدث عن "انتكاسةٍ" أعادتِ الزمنَ السياسيَّ المغربي إلى نقطة البداية.

بدأ الأمر غداةَ الانتخاباتِ البرلمانية لأكتوبر 2016، التي اكتسحها حزبُ العدالة والتنمية للمرة الثانية بـ 125 مقعداً، فرغم ضعفِ حصيلته في الحكومة والقراراتِ اللا شعبية التي باشرها بنكيران، صوَّتَ المغاربةُ على الإسلاميين لانعدام بديلٍ آخر يُنافِسُهم، وأعاد الملك تعيينَ بنكيران على رأس الحكومة وكَلَّفهُ بتشكيلِ أغلبيةٍ جديدة.

مهمةٌ كان مآلها الفشل بفعل العراقيل التي وُضِعتْ أمام بنكيران وحالت دون تَمكُّنِهِ من تشكيل حكومته، عراقيل سببها الرئيس عدم رضا القصر عن بنكيران لأنه تمكَّنَ من كسب شعبيةٍ كبيرةٍ داخل المجتمع، إضافة إلى تصريحاته التي كانت تنتقد مُربَّع الحكم، وحديثه عن ازدواجية السلطة في المغرب، أسابيع قليلة قبل الانتخابات، بالقول إن هناك "دولتين في المغرب، واحدة رسمية يحكمها الملك محمد السادس، وأخرى لا يُعرفُ من أين تأتي قراراتُها وتعييناتُها".

مسلسل عرقلة بنكيران، الذي تواصل قرابة ستة أشهرٍ، انتهى بإِقالتِهِ من منصبه منتصفَ مارس 2017، وتعيينِ زميله في الحزب، سعد الدين العثماني مكانه، وتشكيل حكومةٍ جديدةٍ في ظرفٍ قياسي، كانت بمثابة صفعةٍ قويةٍ لإرادة الناخبين والمثقفين المغاربة، الذين عبروا عن إحباطهم وعدمِ ثقتهم في الحكومة الجديدة منذ أولِ يوم لها.

تشكيل حكومةٍ ضعيفةٍ لا تحظى بثقة المجتمع، كانت له نتائج سلبية، أوَّلها توتر الوضع في منطقة الريف وارتفاع وتيرة الاحتجاج، الذي تحوَّلَ إلى حراكٍ شعبي غيرِ مسبوق أقوى مما عاشته المملكة سنة 2011، ما أدى إلى عودة القمع، وارتفاع وتيرة الاعتقالات، التي شملت المئات من المحتجين والنشطاء، وإصدار أحكامٍ ثقيلةٍ في حقهم وصلت إلى 20 سنةً سجناً، كما هو الحال بالنسبة لناصر الزفزافي، زعيم الحركة الاحتجاجية في الريف.

أما على مستوى الحريات، فإن التراجع الذي سُجِّلَ السنتين الأخيرتين لم يسبق له مثيلٌ، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الصحافة، فمن صيف عام 2017 إلى اليوم، اعتُقِلَ أبرز الصحافيين المغاربة المعروفين بموافقهم المعارضة، إذ حُكِمَ على الصحافي حميد المهداوي، مدير نشر موقع "بديل" بالسجن ثلاثَ سنواتٍ بتهمة عدم التبليغ عن جناية المسّ بسلامة الدولة الداخلية.

فيما اعتُقِلَ الصحافي توفيق بوعشرين، ناشرُ جريدة "أخبار اليوم" المعروفُ بكتاباته التي تنتقد مراكزَ النفوذ، في شهر فبراير الماضي، على خلفية تُهَمٍ تتعلق بالاستغلال الجنسي والاغتصاب والإتجار بالبشر، ويُنتَظرُ إصدارُ الحكم في قضيته خلال الأيام القادمة بعدما وصل الملف إلى مراحله الأخيرة، خصوصا بعد صُدور نتائج الخبرة التقنية التي أُجرِيتْ على الفيديوهات الجنسية التي يُقال إنها تُوثِّقُ الاعتداءات التي مارسها بوعشرين في حق مجموعةٍ من النساء داخل مكتبه بمقر الجريدة.

أقوال جاهزة

شارك غردما هي طبيعةُ نظام الحكم في المغرب؟ هل هو ديمقراطي أم استبدادي؟ ففي وقتٍ يتفق الجميع على أن مغربَ اليوم لا يشبه مغربَ الحسن الثاني الذي تميّزَ بالاستفراد بالسلطة، يصعبُ على المتتبع المغربي والعربي تصنيفُ مغربَ محمد السادس في خانةٍ معينة.

شارك غردبوادر "النية" الديمقراطيةِ للملك محمد السادس ظهرت خلالَ السنوات الأولى من حكمه، عندما سمحَ على سبيل المثال بعودة المعارضين السياسيين إلى أرض الوطن، ولكن ما هو الحال اليوم؟

"تراجع سياسي وحقوقي خطير"

في حواره مع رصيف22، يقدم الأستاذ والمؤرخ المغربي، المعطي منجب، المعروفُ بمواقفه وآرائه الجريئة والمثيرة للجدل، قراءته للوضع الديمقراطي في المغرب انطلاقاً من آخرِ مستجدات الحقل السياسي والحقوقي.

1- منذ سنة اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، كَثُرَ الحديث عن "الانتقال الديمقراطي"... الآن بعد مرورِ قرابة عقدين من الزمن، كيف تنظر باعتبارك مؤرخاً إلى هذا الانتقال الديمقراطي، ما هو تقييمك؟

ما وقع في المغرب خلال الفترة التي ذكرت هو انتقالٌ سلالي -من ملكٍ حاكم هو الراحل الحسن الثاني إلى ملكٍ حاكمٍ آخر هو محمد السادس- وليس انتقالاً ديمقراطياً، لأن أول ما تقتضيه الديمقراطية هو أن يَحكُمَ ويُشرِّع من هو منتخب، فليس هناك في العالم أو في التاريخ ملكية حاكمة واحدة ديمقراطية.

ماوقع خلال العقد الممتد (1991-2002) هو في الحقيقة لبرلة لابأس بها للنظام، لكن لم تتم دمقرطته حسب القواعد الدستورية والسياسية المتعارف عليها كونياً.

2- سنة 2011 وبِفِعلِ الربيع العربي والحراك الشعبي الذي شَهِدهُ المغرب، اضطرت المؤسسة الملكية إلى التجَّاوب مع بعض مطالب الشارع، وتم إقرار دستور جديد، إلا أن ذلك لم يكن له أي انعكاس إيجابي على المسار الديمقراطي للمملكة... لماذا في نظرك لم يُساهم الدستور الجديد في إدخال المغرب إلى نادي الدول الديمقراطية؟

المرجعية الاستراتيجية في المغرب هي الدستور الضمني وليس الدستور المكتوب، والدستور الضمني هو مزيج من التقاليد وميزان القوى السياسي-الأيديولوجي الذي هو لصالح الملكية، فالملك سواء كان هناك دستور أو لم يكن، يحكم بإرادته وحسب ميزان القوى الآني اللحظي المتحول وليس حسب ميزان القوى الدستوري، فالدستور المكتوب لا يعبر إلا عن سياق تاريخي مؤقت حاول المجتمع "تجميده" على حالته في سنة الربيع العربي وفشل نظراً لقوة التقليد في المغرب، ولميزان القوى الاستراتيجي الذي لازال على العموم في صالح القصر والنخبة المتحكمة في الشأن العام والشأن الديني والاقتصاد والادخار الوطني.

3- مباشرة بعد انتخابات أكتوبر 2016 البرلمانية، اتَّضح أن "المَخْزَنْ" يُريد أن يعُود بقوَّة للتحكم في المشهد السياسي، وهو ما تبين جلياً بالرجوع إلى الطريقة التي استُعمِلتْ لعرقلة تشكيل حكومة بنكيران التي انتهت بإقالته، تم تشكيل حكومة جديدة خَيَّبت آمال المواطنين والمثقفين المغاربة، بالإضافة إلى عودة التضييق على الأصوات المُنتقدة لسياسات الدولة وتراجع حرية الصحافة، الشيء الذي دفع البعض إلى الحديث عن "انتكاسة" ديمقراطية وتراجعات غير مفهومة تعود بالمغرب إلى الوراء... ما هي القراءة التي يمكنك أن تُقدِّمها لشرح مسلسل التراجعات الذي تعيشه المملكة منذ سنتين، وما هي دوافعه في نظرك؟

للملكية المغربية تجربةٌ طويلة وحنكةٌ لا نظير لها في إدماج النخب وعلى رأسها الأحزاب. مامؤدى هذه المقاربة الذكية: إدماج الأشخاص أي الأعضاء وليس المؤسسات أي الأحزاب كبرنامج وتوجه أيديولوجي وحساسية وكتلة بشرية متضامنة... هذا ماوقع لحزب العدالة والتنمية، كما وقع منذ حوالي عقدين لحزب الاتحاد الاشتراكي والحركة الوطنية منذ ما يزيد عن نصف قرن.

في الأخير، وجد بنكيران نفسه وحيداً -فقد افرنقعوا من حوله- في مواجهة القصر بعد انتخابات اكتوبر 2016، وهكذا، ونظرا لعدم وقوف قيادة الحزب إلى جانب بنكيران لمساندته، تم إعفاء هذا الأخير بطريقة لادستورية للتخلص منه دون المرور بانتخابات سابقة لأوانها كما يقتضي الدستور لأن ذلك كان سيزيد من قوة بنكيران ليصبح خطراً سياسياً حقيقياً على النخبة المتحكمة في  الأمور.

النتيجة العامة هي ما نراه الآن: التراجع السياسي والحقوقي الخطير الذي تعرفه البلاد من تحكمٍ في سياساتِ الحكومة وفي الزعامات الحزبية وفي الإعلام، وقمع المجتمع المدني المستقل والتشهير الخطير بنشطائه المعروفين واعتقال أو محاكمة المثقفين والصحافيين الجريئين كتوفيق بوعشرين وحميد المهداوي وعلي أنوزلا.

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

التعليقات

المقال التالي