البورقيبية في تونس... من مشروع تأسيس إلى مجرّد فلكلور للتوظيف السياسي

البورقيبية في تونس... من مشروع تأسيس إلى مجرّد فلكلور للتوظيف السياسي

لم يكن الحبيب بورقيبة ليحظى بلقب "صانع الأمة" التونسية أو "المجاهد الأكبر" لولا شخصيته الكاريزمية التي ظهرت في سياق تاريخي ثوري حدّده بشكل أساسي النضال من أجل التحرر من الاستعمار وبناء الدولة الوطنية، وهذا ما حوّله إلى شخصية جدلية دارت حولها العديد من الإشكاليات في ما خص سياساته وتوجهاته.

أدى تحويل بورقيبة إلى رمز في تونس إلى نشوء ما يُسمى بالتيار البورقيبي أو المدرسة البورقيبية التي لا يفوّت رئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي أية فرصة حتى يذكّر بأنه سليل لها.

اللحظة البورقيبية

عاشت تونس منذ فجر 20 مارس 1956، وهو تاريخ استقلالها، مراحل مدّ وجزر بدأت بالأحلام الكبرى لجيل الاستقلال الذي قادته نخب شابة راهنت على التحديث كخيار مركزي وأشرعت سفنها باتجاه الغرب، وتحديداً باتجاه المستعمر السابق فرنسا.

تاق الفاعل السياسي وقتها إلى محاكاة النموذج الفرنسي وتماهى معه أحياناً، وبشّرت الدولة الوطنية الفتية بحياة جديدة للإنسان التونسي الذي كان برأيها غارقاً في الجهل والتخلف والإرث الاستعماري الثقيل الذي ألقى بظلاله على مختلف مظاهر الحياة.

في ظل تلك الظروف، حصلت تونس على أول قرض في تاريخها من البنك الدولي واستخدمته في قطاع التعليم وفي بناء المدارس والمعاهد، لكافحة الأمية التي كان يعاني منها عموم التونسيين.

وكان القائمون على المشروع الوطني يرون أنه لا خيار للدولة إلا أن تعلن حربها "المقدسة" ضد كل مظاهر "التخلّف"، من خلال إقرار مجانية التعليم وتعميمه.

كما تأسست نواة الجامعة التونسية التي خرّجت لاحقاً نخباً كثيرة في مجالات علمية متعددة شكلت مدرسة فكرية تونسية تقوم على العقلنة والتنوير.

وأعلن بورقيبة مشروع "الجهاد الأكبر"، وهو الاسم الذي أطلقه على مشروع مقاومة التخلف وإعلاء مكانة العمل والعلم كقيم محورية للمجتمع الحداثي الذي يرنو إليه.

وكان تحرير المرأة في قلب المشروع التحديثي التونسي الذي راهنت عليه النخبة التونسية، مستلهمة مفرداته من فكر الطاهر الحداد، وتجلى ذلك في مجلة الأحوال الشخصية التي منعت تعدد الزوجات وإكراه الفتيات على الزواج محددة السنّ الأدنى لزواج الفتاة بـ17 سنة.

كما أولت الدولة الوطنية قطاع الصحة مكانة مركزية، خاصةً في ظل واقع صحي كان يشهد تفشي الأمراض والأوبئة والفقر والجوع، وسعى المسؤولون إلى بناء المستوصفات والمستشفيات وانتشرت القوافل الصحية في كل أرجاء البلاد من أجل توعية الناس.

وسعت الدولة الوطنية أيضاً إلى إقرار سياسة تحديد النسل، فضلاً عن إرسائها النظام الجمهوري الذي قطع مع نظام البايات وأنشأ الجمهورية الأولى.

استدعاء الماضي

أغلب الشباب الذين شاركوا في ثورة 2011 لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الباجي قائد السبسي الذي عاد إلى المشهد السياسي التونسي في يناير 2011 كرئيس للحكومة،

حينذاك، كان قد مضى على انسحابه من الحياة السياسية 20 سنة بالتحديد، أي ما يعادل عمر كثيرين من الشباب المحتجين.

لاحقاً، اعتلى الرجل كرسي رئاسة الجمهورية سنة 2014. وكانت عودة رجل النظام القديم "البورقيبي" إلى المشهد السياسي قد أسالت حبر أقلام المتابعين للشأن العام.

يقول الناشط السياسي المعاصر لعهد الرئيس بورقيبة فتحي الرحماني لرصيف22: "لم تكن عودة الباجي في مناسبتين مختلفتين بعد الثورة في تونس إلا أحد التعبيرات عن إفلاس المشهد السياسي في نظر البعض، وعن تعرّض الثورة التونسية للغدر وتعرّض المسار الثوري إلى انتكاسة في نظر آخرين".

يعلّق الرحماني على التباين في الصور الأولى التي ظهر فيها الرئيس ويقول: "في الأولى، قدّم نفسه أو هكذا أرادوا تقديمه في صورة المنقذ بعد اعتصام القصبة (2) في مارس 2011، إذ خرج على الناس كسياسي محنّك سيترأّس حكومة تُلبّي مطالب المعتصمين في انتخاب مجلس تأسيسي، وقد نجح وحكومته في الإشراف على أول انتخابات تعددية في تونس، ولعلّ ذلك أكسبه شيئاً من المصداقية ونوعاً من الشرعية عند شرائح واسعة من التونسيين، وهو الرصيد الذي سيحتاجه في ما بعد".

أما الصورة الثانية لظهوره، بحسب الرحماني، "فكانت نتيجة لما أسفرت عنه انتخابات 2011 التي جاءت بأغلبية إسلامية من حزب النهضة إلى المجلس التأسيسي، الأمر الذي دفع برموز من النظام السابق وبعض القوى ‘الحداثية’ إلى الالتفاف حول الباجي والدفع به مجدداً إلى الواجهة السياسية ولكن بشرعية جديدة، وعلى رأس حزب نداء تونس الذي أعلن منذ ولادته أنّه يهدف إلى ‘تجميع العائلة الدستورية (نسبة إلى الحزب الحر الدستوري الجديد الذي أسسه بورقيبة)، وإلى إحداث توازن في المشهد السياسي المنخرم’، وبذلك عاد السبسي إلى اللحظة البورقيبية ليكون طرفاً في صراع هَوَويّ، وعلى قاعدته تمّ تجنيد الناخبين في انتخابات 2014".

ويعتبر الرحماني أن محاولة استدعاء البورقيبية كانت مفرّغة من "المضامين الحقيقية السياسية والاجتماعية"، ويضيف: "لم يكن الباجي سوى شبح لبورقيبة، بل مجرد ظل حتى لنفسه، وما اعتُقد أنّه ‘مشروع بورقيبة من أجل تونس’ لم يكن في حقيقته سوى ‘قبر من أجل الانتخابات’، وما اعتبره البعض ‘استئنافا للمشروع البورقيبي’ مع الباجي لم يكن إلا تلك الأفكار ‘الميّتة والمُمِيتة’ بحسب تعبير مالك بن نبي".

أقوال جاهزة

شارك غرد"البورقيبية حاضرة بقوة في المخيال السياسي التونسي وفي الممارسة السياسية، ولكن استعادتها بدون القدرة على تجديدها وباستعادة مساوئها حوّلها إلى فلكلور، وهذه هي المعضلة الكبرى"

شارك غرد"انقلبت البورقيبية من مشروع سياسي قابل للاستئناف بعد الثورة إلى مجرد فلكلور إعلامي اهتم بالصورة وبعض التواريخ السياسية والمصطلحات المستهلكة، ما عمق أزمة الحكم وزاد من حيرة التونسيين وإحباطهم"

استعارة مفردات دولة بورقيبة

لا يتوانى الباجي قائد السبسي في كل مناسبة يظهر فيها عن استدعاء صورة بورقيبة ووصل الأمر به إلى أن يرتدي نظارات مطابقة لنظارات الرئيس الأسبق.

يقول الباحث في الجامعة الأوروبية الدكتور حمزة المؤدب لرصيف22: "البورقيبية ليست إيديولوجيا متماسكة كالماركسية أو الإسلام السياسي بل هي طريقة حكم لها مساوئها التي لم يتجاوزها الباجي اليوم سواء من خلال التعامل مع الشعب على أنه قاصر أو من خلال فتح المجال للتداخل بين الأسرة والسياسة".

ويضيف: "حافظ قائد السبسي (نجل الباجي) هو تعبير على هذا التداخل الذي مثّلته سابقاً، أيام البورقيبية، وسيلة، زوجة بورقيبة، وسعيدة ساسي، ابنة اخته، اللتين كانتا تمتعان بنفوذ قوي في أروقة الحكم".

ويذهب المؤدب إلى أن الرئيس يستعير الشعارات البورقيبية دون عمق المشروع، ويقول: "هيبة الدولة هي استعارة لمفردات دولة بورقيبة ولكن بدون القدرة على تفعيل دور الدولة الاجتماعي والتوزيعي".

ويضيف أن "المعضلة هي أن البورقيبية حاضرة بقوة في المخيال السياسي التونسي وفي الممارسة السياسية، ولكن استعادتها بدون القدرة على تجديدها وباستعادة مساوئها حوّلها إلى فلكلور، وهذه هي المعضلة الكبرى"، ويخلص إلى أن "الزمن لا يعيد نفسه لا محالة".

فشل عناوين العودة

لم تكن عودة رجل النظام البورقيبي بلا مسوّغات إذ حملت عناوين "الضرورة" ومقتضيات "المصلحة العليا للبلاد".

يقول الباحث المهتم بتاريخ تونس المعاصر حسام الرحماني في هذا السياق لرصيف22: "عندما اختل الوضع السياسي والأمني إبان حكم الترويكا، ظهر نداء تونس ومؤسسه كعودة للبورقيبية، في محاولة لاستعادة هيبة الدولة المفقودة، وذلك بالاستئناس بتجربة بورقيبة في بناء دولة الاستقلال. ولكن هذه الادعاءات تهاوت بعد وصول الباجي إلى الحكم".

يُرجع الرحماني تهاوي هذه الادعاءات إلى" طبيعة تجربة بورقيبة التي كانت على شكل نظام أبوي تسلطي بعناوين حداثية واتخذت من التعليم والصحة ودولة التشغيل المفرط أسلوباً في الحكم وطريقة لضمان الاستقرار الاجتماعي، وهذا الأسلوب لم يعد صالحاً لإدارة تناقضات الحكم والمجتمع بعد الثورة".

ويضيف أن السبب الثاني يكمن في "انعدام شجاعة الباجي في تحديد أولويات المرحلة كما فعل بورقيبة سابقاً، قبل الانطلاق في إنجاز المشروع الجديد بعد الثورة".

هكذا، برأيه، "انقلبت البورقيبية من مشروع سياسي قابل للاستئناف بعد الثورة إلى مجرد فلكلور إعلامي اهتم بالصورة وبعض التواريخ السياسية والمصطلحات المستهلكة، ما عمق أزمة الحكم وزاد من حيرة التونسيين وإحباطهم".

ويضيف الكاتب أن المجتمع التونسي "تجاوز اللحظة البورقيبية ولم تعد التجربة تثير فيه ما أثارته فيه التجربة القديمة رغم حالة الحنين الظرفية التي يعرفها المجتمع، وهذا ما جعل الباجي يسقط سريعاً في محاولة استجداء التعاطف، من خلال تقليد بورقيبة في لباسه وحركاته فتحوّلنا من مشروع أصلي إلى نسخة رديئة لا تملك مقوّمات المشروع القادر على وضع البلاد على مسار جديد".


باحث في جامعة اللوران الفرنسية ومهتم بشؤون الجاليات العربية والمسلمة في الغرب وبمسألة الانتقال السياسي في تونس وليبيا.

التعليقات

المقال التالي