إيران أو أمريكا أو "الجن الأزرق"؟... مَن يحرّك المتظاهرين في مدينة البصرة العراقية؟

إيران أو أمريكا أو "الجن الأزرق"؟... مَن يحرّك المتظاهرين في مدينة البصرة العراقية؟

منذ اندلاع احتجاجات البصرة، جنوب العراق، في 11 يوليو الماضي، لم يتوقّف كثيرون عن طرح سؤال: مَن يحرّك المتظاهرين؟ هل هم ثوار ضد النفوذ الإيراني في العراق أم هم وقود محاولة إيرانية لخلق فوضى في بلاد الرافدين، بعد تحقيق حلفاء طهران نتائج سيئة في الانتخابات النيابية الأخيرة؟

وزاد طرح هذا التساؤل في الأيام الماضية، مع تواصل الاحتجاجات في مدينة البصرة لليوم الرابع على التوالي، وفي ظل المواجهات الحادة بين المتظاهرين وبين قوات الأمن، ما أسفر عن سقوط قتلى وعشرات الجرحى، خاصةً أن فصل التصعيد الجديد يأتي متزامناً مع "معركة كسر العظام" الشيعية-الشيعية على تشكيل "الكتلة الأكبر" في البرلمان.

صارت المطالبة بأبسط الحقوق مستهجَنة ومثيرة للغرابة. وصار الاعتراض على تردي الأحوال غير مقنع. لماذا يطالب مواطن بحقه؟ عليه، بحسب منطق كثيرين، أن يكون سلبياً قانعاً بما كتبه له الله وقرّره الناطقون باسمه والمتحكمون بخلقه. أما لو عبّر عن حالة رفض، تكون دوافعه غير طبيعية وغير عادية. لا يقتنع البعض بأن صبر الإنسان قد ينفذ وبأن له طاقة على الاحتمال، فيبدأ بالبحث عن "خيوط المؤامرة".

شريحة كبيرة من المواطنين العرب فقدوا ثقتهم بالمواطن، بعد الخيبات الكثيرة التي عاشوها خلال عقود من حكم الأنظمة التسلطية، وبعد سنوات من وأد حراك الربيع العربي. لم تختبر هذه الشريحة مشهد المواطن الذي يعترض وينتفض فتتحقق بعض مطالبه، ولذلك تستغرب مشهد التظاهرات وتنظر إليها بعين بروباغندا أجهزة التسلط التي دائماً ما تربط بين التظاهر وبين "التخريب".

صار المواطنون العرب ينظرون إلى كل الأحداث على أنها مخطط حاكته قوى نافذة، عادةً ما تكون غير محدّدة (الغموض شرط لشيوع الفكر الـ"لاعقلاني")، في قناعة يجسّد تفشيها شعور الناس بالعجز.

كل شيء خاضع للضبط والسيطرة التامة والمواطن لا دور له فهو فقط كائن سلبي تتحكّم به السلطة وتحدد له ما يحق له وما هو ممنوع عليه. هذه القناعة الشاذة صارت "الطبيعي" بنظر كثيرين.

لماذا ينتفض أبناء البصرة؟

لنرى إذا كان غضب أبناء البصرة مفهوماً أم يتطلّب ظهوره تدخّل أجهزة استخبارات أو قيادات من "الجن الأزرق". منذ أن نزل المتظاهرون إلى شوارع البصرة قبل نحو شهرين، كانوا يطالبون بتحسين الخدمات المتهالكة، وبتوفير مياه الشرب، وبتوفير فرص عمل وتحسين أحوالهم المعيشية.

هذا غريب؟ بالتأكيد لن يكون غريباً إذا عرفنا أن شدّة الحرّ خنقتهم بسبب انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة جداً في مكان يسجّل بعض أعلى درجات الحرارة في العالم.

ومنذ البداية، حاولت السلطة أن تستخدم وسيلتها المفضّلة: القمع. سقط قتيل برصاص الشرطة، أثناء تفريق عشرات المحتجين قرب حقل "غرب القرنة 2" النفطي. ومنذ بداية سبتمبر، سقط نحو عشرة وأصيب العشرات بسبب ما وصفته "مفوضية حقوق الإنسان في العراق" بـ"استخدام العنف المفرط من قبل الأجهزة الامنية بحق المتظاهرين السلميين".

فهم المتظاهرون الرسالة منذ البداية: عليكم أن تعانوا وتصمتوا. لم يرضوا بهذه المعادلة، أو على الأقل، كثيرون منهم لم يرضوا بها. أيحتاج هذا إلى دعاية تبثها أجهزة استخبارات؟

لعلّ أفضل من عبّر عن واقع حال البصريين بلغة بسيطة ومباشرة هو شاب يُدعى حسام عبد الأمير (25 عاماً)، وهو خريج جامعي عاطل عن العمل. قال لوكالة "رويترز": "نريد الحصول على وظائف، نريد أن نشرب ماء نظيفاً، نريد الكهرباء، نريد أن يعاملونا كبشر وليس مثل الحيوانات". هل المفروض أن يرضى الناس بمعاملتهم "مثل الحيوانات" كي يرضى أصحاب نظرية المؤامرة ويهدأ بالهم؟

نحن لا نتحدث عن أبناء منطقة تعاونت العوامل الجغرافية والطبيعية على فرض حالة حرمان على قاطنيها. نحن نتحدث عن البصرة، المحافظة العراقية الأغنى، الثرية بالنفط، والتي تؤمّن صادرات حقولها النفطية أكثر من 65% من عائدات العراق. ولكن رغم ذلك، لا يوفّر قطاع النفط سوى 1% من الوظائف للعراقيين، لأن شركات النفط تعتمد كثيراً على العمالة الأجنبية. أليس طبيعياً أن يثير هذا الواقع سخط أبناء محافظة يعيش نصف أبنائها الملايين الثلاثة تحت خط الفقر ويعاني كثيرون من شبابها من البطالة؟

تفاقم المشاكل

هذه كانت العوامل التي تسببت ببدء الاحتجاجات في البصرة. لم توفّر السلطة حلاً لأي من المشاكل التي أثارت غضب أبناء المحافظة، لا بل أطلت مشاكل أخرى، أفظع، برأسها.

فمنذ 12 أغسطس، ظهرت أزمة صحية في البصرة، بسبب تلوث المياه الذي أدى إلى مرض عشرات الآلاف من أبنائها.

وبحسب شعبة الرقابة الصحية في دائرة صحة البصرة، ترتفع نسبتا التلوث الكيميائي والجرثومي في مياه الإسالة في المحافظة بشكل كبير، ومن أصل 100 محطة لتحلية المياه تعمل في المحافظة، تنطبق الشروط الصحية على 27 منها فقط.

وفي 24 أغسطس، أعلنت دائرة صحة محافظة البصرة، عن تسمم نحو 4000 شخص نتيجة المياه الملوثة التي تنقلها المركبات الحوضية (صهاريج نقل المياه) التي وفّرتها الحكومة لحل مشكلة المياه بالمحافظة.

وفي 28 أغسطس، أعلنت المفوضية العراقية العليا المستقلة لحقوق الإنسان، تسجيل 400 حالة تسمم يومياً منذ بداية أزمة تلوث المياه في محافظة البصرة، ثم صار الرقم 1200 بعد أيام، ويتحدث البعض حالياً عن 1500.

وفي 30 أغسطس، كشفت مفوضية حقوق الإنسان في العراق توثيقها 18 ألف حالة مرضية في محافظة البصرة، توزعت بين أمراض الجهاز الهضمي والمغص المعوي الحاد وحالات القيء، من كافة الفئات العمرية، وطالت عائلات بأكملها، جراء تلوث المياه.

مؤامرة إيرانية؟

يعتبر البعض أن احتجاجات البصرة تقف وراءها إيران. تتمحور فكرة هذا البعض حول أن طهران، بعد نتائج انتخابات 12 مايو البرلمانية، وتصدّر قائمة "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر للفائزين، تسعى إلى إحداث فوضى في العراق كي تدخل عبرها إلى المشهد السياسي، من خلال استغلالها لإيصال تحالف من الموالين لها، على أساس أن خصومها يضمّون كتلة "النصر" بزعامة رئيس الحكومة حيدر العبادي، ما يعني أنه يمكن استهدافهم من خلال التصويب على ضعف أداء الحكومة.

أقوال جاهزة

شارك غردصارت المطالبة بأبسط الحقوق مستهجَنة ومثيرة للغرابة. لماذا يطالب مواطن بحقه؟ عليه، بحسب منطق كثيرين، أن يكون سلبياً قانعاً بما كتبه له الله وقرّره الناطقون باسمه والمتحكمون بخلقه

شارك غردلعلّ أبلغ تعبير تلقائي عن حالة الغضب ضد الجميع في أوساط متظاهري البصرة في العراق هو ما قاله المتظاهر الذي رفع صورة ممثلة الأفلام الإباحية ميا خليفة في التظاهرات الأخيرة

ولكن المتظاهرين رددوا شعارات مناهضة لإيران وللأحزاب الموالية لها، خاصةً أن بدء الاحتجاجات جاء عقب توقف الجارة الفارسية عن تزويد الجنوب العراقي بالكهرباء، ما تسبب بعجز أدى إلى زيادة ساعات قطع التيار الكهربائي عن محافظات الجنوب، ومنها البصرة.

قد يتبادر إلى ذهن البعض أن هذا دليل على "مؤامرة" إيرانية ما. ولكن الحقيقة هي أن إيران الرازحة تحت وطأة العقوبات التي أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضها عليها في مايو الماضي تعاني هي الأخرى.

تعاني إيران من نقص في إنتاج الطاقة تسبب أحياناً بخروج احتجاجات شعبية، إذ طال تقنين تزويد المستهلكين بالتيار الكهربائي أماكن مختلفة من البلاد منها العاصمة طهران نفسها.

وحتى أزمة المياه في البصرة، وجزء أساسي منها له علاقة بارتفاع ملوحة مياه شط العرب بشكل كبير جعلها غير صالحة للاستخدام، سببه إيران التي حوّلت مجرى نهر الكارون عن مصبّه في شط العرب، والتي، بحسب وزارة الموارد المائية العراقية، تضخّ مياه مالحة إلى الجانب العراقي من الشط.

وبطبيعة الحال، يمكن لأي مراقب، إذا رغب، أن يقرأ في يوميات احتجاجات أبناء البصرة إشارات كثيرة تدلّ عدم ارتباط المحتجين بإيران، لا بل على نقمتهم على أحزاب وميليشيات موالية لها، وهو ما عبّر عنه إحراقهم في ليلة السابع من سبتمبر لمقارّ تابعة لها.

ولكن هذا لا يعني أيضاً أن هناك مؤامرة ضد إيران وضد الأحزاب الموالية لها، فقد أحرق المحتجون مباني حكومية وعربات تابعة للتلفزيون الرسمي، وهي مفترض أن ترمز للحكومة التي تمثّل أقوى مقاومة ممكنة للنفوذ الإيراني في بلد مثل العراق، كما أحرقوا مقار لتيار الحكمة الذي يُفترض أنه مناوئ لإيران، بحسب الحسابات السياسية الحالية.

كل ما في الأمر أن هناك حالة غضب عام من كل شيء، فالوضع الناتج عن الفساد تجاوز القدرة على الاحتمال، ولعلّ أبلغ تعبير تلقائي عن حالة الغضب ضد الجميع هو ما قاله المتظاهر الذي رفع صورة ممثلة الأفلام الإباحية ميا خليفة في تظاهرات البصرة الأخيرة، والذي لم يجد صعوبة في انتقاد كل من العبادي وخصمه رئيس الحكومة السابق نوري المالكي.

بعيداً عن المؤامرة

لم ينجح العراقيون في تجربة ما بعد سقوط نظام صدام حسين في بناء دولة توفّر للمواطنين عيشاً كريماً، رغم غنى العراق بالثروات. أزمات كثيرة أثّرت سلباً عليهم منها على سبيل المثال لا الحصر ما قام به تنظيم القاعدة في فترة نفوذه هناك وصولاً إلى تمدّد داعش ومعركة استعادة الأراضي التي سيطر عليها، مروراً بصدام الشيعة مع الاحتلال الأمريكي...

ولكن بجانب كل هذا، هناك الفساد، آفة العراق الكبرى، وفشل المؤسسات، وكل التجارب التمثيلية التي شهدها العراق مسؤولة عن ذلك، ولو اختلفت النسب.

مليارات الدولارات أُنفقت على مشاريع توليد الكهرباء ولكن هناك مشكلة كهرباء. ملايين الدولارات أُنفقت على مشاريع تحلية المياه ولكن لا مياه.

هذا الواقع المتردّي هو الذي يحرّك أبناء البصرة. مَن سيستثمر لاحقاً غضبهم ويستفيد منه؟ الاحتمالات كثيرة ولكن هذا لا علاقة لها بدوافع المحتجّين. هذا له علاقة بفشل التحركات الاحتجاجية في العالم العربي في تشكيل أطر سياسية تحمل لواء مطالبها وتواجه القوى المتشكلة وذات النفوذ. وأبناء البصرة سيصطدمون بنفس المطب.


حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

كلمات مفتاحية
الفساد تظاهرات

التعليقات

المقال التالي