مُبتزّ جديد للسعودية؟... كم من المال يريد خان كي لا تتحالف باكستان مع إيران؟

مُبتزّ جديد للسعودية؟... كم من المال يريد خان كي لا تتحالف باكستان مع إيران؟

دخل المسرح السياسي العالمي زعيم جديد، مثير للجدل، مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تاريخه حافل بالعلاقات النسائية، ويتبنى خطاباً شعبوياً لإثارة الجماهير. إنه رئيس الوزراء باكستاني الجديد عمران خان، الذي وصفته صحيفة "نيويورك تايمز" بأنه رجل متناقض يتخذ قرارات متهورة.

عمران خان الذي كان منغمساً في المجتمع الغربي، صديق الأميرة ديانا، والمتزوج من ثرية بريطانية، لم يعد ذلك الشخص في السنوات الأخيرة. خضع لتحوّل معقّد، وبات ينأى بنفسه عن صورته السابقة كنجم أو "كزير نساء". الآن، يعرب عن تعاطفه مع طالبان ويطالب بحماية الإسلام من الإساءات الغربية.

في منطقة الشرق الأوسط، وفي الخليج خاصة، الكل يترقب كيف ستكون سياسة عمران خان. حتى وسائل الإعلام الإسرائيلية تطرح أسئلة عمّا إذا كان رئيس الوزراء الباكستاني الجديد سيغيّر علاقة إسلام آباد مع تل أبيب، هو الذي كان متزوجاً بفتاة ذات جذور يهودية، وتعرّض لاتهامات خلال الحملة الانتخابية بأنه على صلة بإسرائيل بسبب هذا الزواج.

في أعقاب فوز خان، كتب الأمير السعودي خالد بن عبد الله آل سعود على تويتر: "الله يستر منه، يُقال إنه ذنب من أذناب طهران". فتحت هذه التغريدة وأخرى مشابهة الباب أمام سيل من التساؤلات حول كيف ستكون علاقة باكستان مع حليفتها السعودية وجارتها إيران.

وفي السنوات الماضية، تزايدت الشكوك حول متانة التحالف الباكستاني-السعودي بسبب توسع العلاقات الاقتصادية لباكستان مع خصوم المملكة الرئيسيين: قطر وإيران، ورفض إسلام آباد إرسال قوات لدعم عملية التدخل العسكري الذي تقوده الرياض في اليمن.

ما موقف خان من إيران؟

بدأ خان وحزبه حركة الإنصاف منذ عام 2016 بإطلاق تصريحات إيجابية نحو إيران. وقال مؤخراً إن باكستان لا ينبغي أن تصبح جزءاً من أي تحالف ولا أن تنخرط في أية حرب بالوكالة ضد طهران، مضيفاً أن أحد أطراف الصراع، في إشارة إلى الرياض، كان صديقاً مقرباً من باكستان، والطرف الآخر، هو جار، في إشارة إلى طهران.

هذه المغازلة الصريحة لإيران في خطاباته ومطالبته بعدم الانخراط في حرب اليمن، جعلت بعض التقارير تتساءل: هل رئيس الوزراء الجديد عمران خان سيكون رجل طهران في إسلام آباد؟

وانتقد خان بشدة حظر السفر الذي فرضه ترامب على إيران. وفي مقابلة أجراها عام 2017، دعا إلى علاقات أفضل مع إيران وكرر دعوته في خطاب الفوز بالانتخابات الأخيرة.

كما تعهّد خلال لقائه مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في أغسطس، بأن باكستان ستبذل، خلال فترة ولايته، كل الجهود لتعزيز العلاقات في مختلف المجالات بين البلدين.

من جانبه، أكد سفير باكستان السابق لدى الولايات المتحدة حسين حقاني أن خان يريد التوسط بين الرياض وطهران بدلاً من الوقوف بجانب السعودية التي ساعدت باكستان تاريخياً، سواء في المجال الاقتصادي أو الأمني.

وأضاف الدبلوماسي المخضرم لرصيف22 أن موقف خان المناهض للولايات المتحدة دفع وزير الخارجية محمود قرشي إلى التصريح بدعم باكستان لإيران ضد واشنطن في القضية النووية، على الرغم من أن السعودية والإمارات وأصدقاء باكستان الآخرين ينظرون إلى طموحات إيران النووية كتهديد مباشر لأمنهم.

وتزايد التوتر في الآونة الأخيرة بين باكستان والولايات المتحدة، بعد أن قررت واشنطن في الأول من سبتمبر إلغاء مساعدات عسكرية لإسلام آباد بقيمة 300 مليون دولار، ما قد يدفع الأخيرة نحو التقارب مع إيران والصين.

هل يستطيع خان التخلي عن السعودية؟

في أغسطس الماضي، أشاد خان بالمملكة العربية السعودية كونها واحدة من أكثر الشركاء ثقة ودعماً لباكستان في الشؤون الدولية، وتعهد بجعل الحفاظ على أمنها أولوية رئيسية في السياسة الخارجية الباكستانية.

وردّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بإيجابية على كلام خان التصالحي تجاه الرياض، مشيداً بإمكانيات باكستان الاقتصادية ومتعهداً بزيادة استثمارات بلاده فيها.

تؤكد بعض التقارير أن خان سيكون تحت ضغط كبير إذا قرّر التخلي عن السعودية التي تمتلك العديد من الأسلحة للتأثير على إسلام آباد، منها تحسن علاقة الرياض مع الهند بشكل كبير منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وهو ما ترجمه قيام رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بزيارتين رسميتين للمملكة منذ توليه منصبه عام 2014.

وأدت زيارات مودي إلى توسيع صادرات السعودية من النفط إلى الهند، حتى أصبحت واردت النفط من الرياض إلى نيودلهي تتجاوز تلك القادمة إليها من العراق، لأن الرياض تريد من الهند التخلي عن استيراد النفط الإيراني، كما زاد عدد العمال الهنود في المملكة.

أقوال جاهزة

شارك غردفي أعقاب فوز خان، كتب الأمير السعودي خالد بن عبد الله آل سعود على تويتر: "الله يستر منه، يُقال إنه ذنب من أذناب طهران". فتحت هذه التغريدة وأخرى مشابهة الباب أمام تساؤلات حول كيف ستكون علاقة باكستان مع السعودية وإيران

شارك غردرئيس الوزراء باكستاني الجديد عمران خان كان منغمساً في المجتمع الغربي. ولكن صديق الأميرة ديانا، والمتزوج من ثرية بريطانية، خضع لتحوّل معقّد، وبات ينأى بنفسه عن صورته السابقة كنجم أو "كزير نساء"

إزاء ذلك، أعرب صناع القرار السياسي في باكستان عن قلقهم من أن الهند تسعى إلى تقويض قوة العلاقة بين باكستان والسعودية، بحسب تقرير نشره موقع "ذا ديبلومات".

يذكر التقرير أن الجيش الباكستاني لعب دوراً حاسماً في فوز خان في الانتخابات، وستظل المؤسسة العسكرية تحتفظ بولائها لرئيس الوزراء، إذا حافظ الأخير على علاقة إسلام آباد بالسعودية التي تمتلك نفوذاً قوياً على قيادات الجيش.

وفي التاسع من أغسطس، أعربت باكستان عن دعمها لقرار الرياض تعليق الصفقات التجارية مع كندا وطرد السفير الكندي لدى المملكة، ودافعت الحكومة الباكستانية عن إجراءات السعودية، قائلة إن كندا انتهكت مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين بانتقادها إجراء اعتقال الناشطة الحقوقية سمر بدوي.

وبعد ستة أيام من ذلك، أشادت باكستان بحملة محمد بن سلمان لمكافحة الفساد، التي تعرضت لانتقادات واسعة من قبل مراقبي حقوق الإنسان باعتبارها وسيلة للضغط على المنافسين السياسيين.

عززت هذه المواقف الداعمة الثقة بين السعودية وباكستان، بعد مرحلة توتر بسبب معارضة الأخيرة للحصار الذي تقوده المملكة ضد قطر.

ومؤخراً، وافق البنك الإسلامي للتنمية، ومقره جدة، على تقديم قرض بقيمة أربعة مليارات دولار لإسلام آباد، ما أدى إلى تهدئة أزمة ميزان المدفوعات المتفاقمة في باكستان.

في هذا السياق، يؤكد الدبلوماسي الباكستاني حسين حقاني أن الجيش الباكستاني لا يزال يبحث عن السخاء السعودي، لكن هناك تردد في الوقوف إلى جانب المملكة في الصراعات الإقليمية.

وقال حقاني إنه يخشى من أن ولع خان بالكلام ضد واشنطن قد ينتهي بقربه من إيران والرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر من قربه من أصدقاء باكستان التقليديين مثل السعودية.

كيف تنظر إيران إلى خان؟

يؤكد الدبلوماسي الإيراني السابق سيد هادي سيد أفقهي أنه يجب الاعتراف بأن هناك تغيّراً حصل في التوجه السياسي لباكستان تجاه إيران، بعد انتخاب عمران خان، داعياً إلى انتظار تغيّر جدي في مواقف حكومة باكستان من السياسات الأمريكية التعسفية والمهينة وحدوث تقارب أكثر فأكثر بين إسلام آباد وطهران.

وأضاف السفير الإيراني السابق لرصيف22 أنه "نظراً إلى الدور السعودي في دعم باكستان اقتصادياً ونفوذ المملكة السياسي التقليدي بين كثير من الأحزاب السياسية، ليس من الحكمة والمصلحة أن يفتح عمران خان النار على السعودية ولكن في نفس الوقت سوف يتقلص الدور السعودي في كثير من مراكز القرار السيادية الباكستانية، خصوصاً في الخارجية والدفاع والداخلية والأمن".

وحول ضغوط الجيش على خان، قال أفقهي إن حيازة حزب الإنصاف الذي يرأسه عمران خان على الأغلبية في البرلمان ودور البرلمان في اتخاذ القرارات السيادية، يجعل الجنرالات غير قادرين على الضغط كثيراً عليه لتغيير سياساته وتوجهاته المحورية تجاه إيران.

وأشار أفقهي إلى أن هناك عدة احتمالات لإيقاف خان ومنعه من تطبيق سياساته الجديدة: الاحتمال الأول حدوث انقلاب عسكري مثلما فعل قائد الجيش محمد ضياء الحق ضد ذو الفقار علي بوتو؛ والاحتمال الثاني حدوث عملية اغتيال مثلما حصل مع بينظير بوتو.

وأشار أفهقي إلى احتمال ثالث وهو هزيمته من خلال صناديق الاقتراع، مثلما فعل هو مع خصومه، مشيراً إلى أن ذلك سيحدث عبر الضغط الاقتصادي الذي يتسبب بتململ شعبي ويُدخل البلاد في فوضى، بجانب إثارة النزاعات الطائفية والعرقية إذ تُعتبر باكستان أرضاً خصبة لمثل هذه النزاعات.

ما أهمية باكستان للسعودية؟

استثمرت السعودية في مشاريع الأسلحة النووية الباكستانية، وتعتقد أنها تستطيع الحصول على قنابل ذرية من إسلام آباد إذا اضطرت إلى ذلك. هذا ما صرّحت به مصادر سعودية مختلفة لـ"بي بي سي" في تقرير نُشر عام 2013.

وفي مارس الماضي، ذكر تقرير أن السعودية ربما تمتلك بالفعل أسلحة نووية، بفضل باكستان، مضيفاً أنه يُفترض أنه بالإمكان إرسال صواريخ باكستانية مزودة برؤوس نووية إلى المملكة، سواء بهدف تعزيز قوة الردع السعودي ضد إيران، أو لحماية جزء من القوة الاستراتيجية الباكستانية خلال الأزمات مع الهند.

من جانب آخر، أفاد باكستانيون بأن المملكة زادت في العام الماضي تمويلها للمدارس الدينية في بلوشستان الباكستانية، مؤكدين أن هذه المؤسسات توفّر مقاتلين مناهضين لإيران.

في وقت سابق، تعهد ابن سلمان بأن المعركة بين الرياض وطهران ستُخاض داخل إيران، وليس في السعودية. ويُلاحَظ أن عدد القتلى في صفوف الجيش الإيراني على الحدود مع باكستان في تصاعد مستمر منذ العام الماضي، فلا يمر شهر بدون قتلى من جنود الجمهورية الإسلامية.

هذه القضايا التي تهم السعودية في باكستان، وعمران خان لن يكون له رأي كبير في أي منها، لأن المؤسسة العسكرية والاستخبارات هي مَن يتعامل معها، لذا يحتاج خان إلى السيطرة على هذه المؤسسات بحال أراد التخلص من نفوذ المملكة.

وأُعلنت وسائل إعلام باكستانية في قت سابق أن خان سيزور السعودية وإيران مطلع سبتمبر، لكن حتى الآن لم تحدث الزيارة، ونُشرت أخبار أخرى مؤخراً عن أن رئيس الوزراء الباكستاني قبل دعوة إيران لحضور أحد المؤتمرات الآسيوية في طهران.

والرأي الراجح بين كافة الخبراء أن خان سيظل في معسكر السعودية، لكنه سيبتز الأمير محمد بن سلمان، كي ينال منه مالاً يساعده على إنقاذ اقتصاد بلاده المتدهور ويضمن ولاء الجيش له.


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

كلمات مفتاحية
إيران باكستان

التعليقات

المقال التالي