مصطلح "الأجهزة السيادية" يحضر في كل سجال... طبيعة العلاقة بين الإعلام والأمن في مصر

مصطلح "الأجهزة السيادية" يحضر في كل سجال... طبيعة العلاقة بين الإعلام والأمن في مصر

"أنا ما بخافش يا ياسر بيه، وجو الأجهزه اللي سانداك ده ما يتعملش معايا، الإعلام ده شغلنا احنا مش انت". هكذا تحدث الإعلامي المصري المحسوب على السلطة، تامر عبد المنعم، في فيديو رفعه بنفسه على صفحته الشخصية على فيسبوك، وهاجم فيه بضرواة ياسر سليم، الضابط السابق والنائب الحالي لرئيس مجلس إدارة شركة إعلام المصريين مالكة قناتي الحياة و العاصمة.

ورغم أن الخلاف بينهما من المفترض ألا يعدو كونه خلافاً على المستحقات المالية بين مذيع ومدير محطة، إلا أن كلمة "الأجهزة السيادية" التي تكررت كثيراً على لسان عبد المنعم، سواء في الفيديو المذكور الذي تم حذفه، أو في فيديو ثانٍ سجله، تشير بوضوح إلى طبيعة العلاقة بين الإعلام والأجهزة الأمنية في مصر اليوم.

ويبدو أن هذه العلاقة تمرّ بمرحلة تغيير جلد وتبديل وجوه، لتغرب أسماء وتبزغ أخرى، ليس بفعل قانون السوق أو المنافسة، ولكن بقرارات رسمية يتخذها المالكون الجدد للإعلام المصري.

30 يونيو وملف الإعلام

هناك اعتقاد سائد لدى الجنرالات في مصر بأن الإعلام كان سبباً مهماً في حدوث ما يسمّونه "فوضى يناير"، أي ثورة 25 يناير، وترسَّخ إيمانهم بخطورة الإعلام بعد 30 يونيو 2013. وإذا كان البعض يلقّب 25 يناير بأنها "ثورة الفيسبوك"، فكثيرون يرون أن 30 يونيو هي "ثورة الشاشات".

وعليه، فإن السؤال الأول الذي أرّق القائمين على البلاد كان: كيف سنتعامل مع الإعلام؟

وتَقرّر أن توكَل المهمة إلى المخابرات العامة، وكان يرأسها حينها اللواء فريد التهامي، المحسوب على جناح الصقور. كان التصور العام أن تتم السيطره على الإعلام عبر مرحلتين: الأولى، غلق كافة مكاتب القنوات الإخوانية أو القطرية المحرّضة على النظام المصري؛ والثانية، التخلص تباعاً من الأصوات غير مضمونة الولاء.

لكن مع الوقت، تبدّى للقائمين على الملف أن التعاون مع رجال الأعمال، مالكي القنوات والصحف، لا يحقق النجاح المطلوب، فبالأخير لهؤلاء الأثرياء مصالح وأجندات بدا أنها تتعارض في أحيان عدة مع توجهات الدولة، لذا قرر النظام أن يتخلى عن دور "الموجِّه" ليلعب دور "المالك".

في محاولة لفهم فلسفة الدولة من وراء دخولها بقوة في مجال الإعلام، يشرح أستاذ العلوم السياسية ورئيس مجلس إدارة جريدة صوت الأمة معتز بالله عبد الفتاح الموقف قائلاً: "في أعقاب الثورات والأحداث الجسام تحدث حالة من الانفلات المهني والأخلاقي في المجتمعات، ونكون بحاجة إلى شخص أو جهة قادرة على إعادة الانضباط المفقود، وهذا بالضبط ما حدث: محاولة لفرض حالة منضبطة تحافظ على الاستقرار الذي بدأ يتحقق".

ويضيف عبد الفتاح أنه "ظهرت حالة من الاستقواء بالخارج من قبل رجال الأعمال مالكي القنوات والصحف، فالتليمحات لا تنقطع منهم عن ورود عقود شراكة وشراء من بلدان مختلفة خليجية وغير خليجية، وبالطبع لم يكن النظام ليسمح بأن يكون تشكيل العقل المصري بيد عواصم أخرى، لذا كان الدخول على الخط والاستحواذ حتمياً".

ويختم عبد الفتاح حديثه بقوله: "أعلم جيداً أن الاستحواذ خطوة مرحلية، بعدها سيتم طرح الشركة كأسهم في البورصة".

كيف دخلت المخابرات المجال؟

في أكتوبر 2016، بدأ ظهور اسم شركة "المتحدة للطباعة والنشر" إلى العلن، حينما نشرت الصحف خبر الشراكة بينها وبين مجموعتي قنوات CBC والنهار في صفقة تجاوزت قيمتها المليار جنيه، وتم تعريف الشركة الوافدة على الإعلام بأنها شركة مملوكة لجهات تابعة للدولة.

في مايو 2016، بدأت شركة "إعلام المصريين" المملوكة نظرياً للشاب القادم من المجهول أحمد أبو هشيمة، وعملياً للمخابرات العامة، في بسط نفوذها على السوق الإعلامي. وخلال شهور قليلة باتت تمتلك محطة أون تي في، اليوم السابع، صوت الأمة، دوت مصر، وشركتي إعلان وتسويق حقوق رياضية.

المفارقة هنا هي أن أبو هشيمة، الشاب الواعد الذي تَقرّر له أن يكون واجهة للجهاز، هو في نفس الوقت شريك الملياردير القطري محمد بن سحيم الذي تربطه علاقة مصاهرة بالأمير تميم بن حمد، العدو الأول للنظام المصري حالياً.

لم تجلس المخابرات الحربية على مقاعد المتفرجين طويلاً، بل قررت هي الأخرى خلق مساحة لها في السوق الإعلامي، وهو ما جعل البعض يتحدث عن "صراع الأجهزة".

وإذا كان أبو هشيمه اسما تردد أنه مجرد واجهة للمخابرات العامة، فإن رجل الأعمال طارق إسماعيل هو الاسم الذي طُرح كواجهة للمخابرات الحربية، من خلال شركته D Media التي امتلكت فجأة قناة DMC، موقع مبتدأ، ومحطة 9090.

أما الأمن الوطني، اللاعب الأقدم في هذا المضمار، فقد ظل خارج المشهد، محتفظاً بعلاقات دافئة بقناتي الحياة والعاصمة، وبقي التذمر سيد الموقف داخل أروقة الجهاز الذي يرى ضباطه أنهم أكثر دراية وخبرة في إدارة الملف الإعلامي من الآخرين.

بالطبع، لا توجد أوراق رسمية تثبت علاقة أبو هشيمه وطارق إسماعيل بتلك الأجهزة، ويظل الحديث المنتشر في الوسط الإعلامي يحمل في طياته نسبة من الخطأ أو المبالغة، لكن المؤكد أن "الأجهزة السيادية" أصبح لها حضور فعلي قوي على الساحة الإعلامية، وهو ما أقر به طارق نور، مالك قناة القاهرة والناس، في حواره مع "المصري اليوم" في مايو 2017 قائلاً: "الأجهزة دخلت لشراء حصص فى القنوات الخاصة المختلفة ليس من باب الهيمنة على الإعلام إنما رغبةً في حماية هذه القنوات من السقوط".

وأكد رئيس تحرير "المصري اليوم" محمد السيد صالح تلك المعلومة في مقاله المنشور بتاريخ 23 ديسمبر. كتب: "كثيرون وأنا منهم كانوا يرون أن شخصيات بعينها على الساحة، ومن بينهم أصحاب ‘إعلام المصريين’ هم مجرد (واجهة)، أما الملاك الحقيقيون فهم مَن تكشَّف الأمر عنهم الثلاثاء الماضي. تغيَّرت الأسماء والشخصيات والمالك واحد".

شهد شاهد من أهلها. حضور تلك الأجهزة في المشهد حقيقة لا يمكن تجاوزها أو إنكارها.

التبديل الأول: الإطاحة بأبو هشيمة

تحوّل أبو هشيمة إلى إمبراطور الإعلام، كما بدأ البعض يلقّبه، وكانت درة تاج إمبراطوريته موقع "اليوم السابع"، أكثر المواقع انتشاراً في مصر. ومع الوقت توطدت علاقته الشخصية برئيس تحرير الموقع خالد صلاح وبالمقدم م. أ.، مسؤول ملف الإعلام في المخابرات العامة.

لكن إخفاقات أبو هشيمة في إدارة الملف المنوط به أزعجت المسؤولين، خصوصاً بعد أزمة فصل نحو 17 صحافياً من جريدة اليوم السابع، في أعقاب إعلانهم موقفهم من قضية تيران وصنافير، ليصدر المفصولين بياناً صحافياً قالوا فيه إن خالد صلاح نكل بهم وشردهم باسم الرئيس المصري، مدعياً أن عبد الفتاح السيسي هو المالك الجديد للصحيفة، وأنه لا يريدهم في صحيفته.

أثارت تلك الأزمة غضباً في الرئاسة من أسلوب إدارة صلاح للموقف، وهو الغضب الذي طال أبو هشيمه بطبيعة الحال، ليتلقى الأول مكالمة غاضبة من المقدم أ. ش.، مسؤول الإعلام في الرئاسة، قال له فيها إن إقحام اسم الرئيس في تلك المهاترات غير مقبول، منبهاً إياه من أن أزمة الصحافيين المطاح بهم يجب أن تُحَل فوراً، وهو ما حدث بالفعل وعاد الصحافيون إلى عملهم، باستثناء ثلاثة فقط، لأسباب شخصية.

في الوقت الذي كان رصيد أبو هشيمه يوشك على النفاذ، كانت أسهم داليا خورشيد ترتفع، لتصبح المستشارة المالية لجهاز المخابرات العامة.

كان أول ملفات خورشيد دراسة أسباب النزيف المالي في "إعلام المصريين"، وانتهت بمذكرة تقدمت بها إلى اللواء خالد فوزي، مدير المخابرات العامه حينها، عرضت فيها الوضع الكارثي وسبل الإنقاذ.

مذكرة خورشيد كانت القشة التي قسمت ظهر أبو هشيمة، فتقررت الإطاحة به وتم إنشاء شركة "إيجل كابيتل" برئاسة داليا خورشيد شخصياً، وتمت مفاوضة (أو إجبار) أبو هشيمه على بيع أسهمه والخروج من المشهد.

أقوال جاهزة

شارك غرد"صراع الأجهزة" على الإعلام المصري... في البداية، دخلت المخابرات العامة المصرية إلى السوق الإعلامي، ثم قررت المخابرات الحربية خلق مساحتها الخاصة، بينما كان الأمن الوطني يتذمر لأن ضباطه يعتبرون أنفسهم أنهم أكثر دراية بالملف

شارك غردتدخّل الإعلام المصري يمرّ بمرحلة من التداخل مع السلطة لم تشهده البلاد منذ عهد عبد الناصر، مع فارق أن إعلام ناصر كان مداه من الخليج إلى المحيط، فيما إعلام السيسي غير قادر، حتى الآن، على جذب المصريين

ونشر موقع "مدى مصر" تفاصيل عملية الاستحواذ حينها، وتزامناً مع ذلك تم إعفاء المقدم م. أ. من مسؤولياته في إعلام المخابرات العامة، ونُقل إلى إحدى سفارات مصر في الخليج، وبقي خالد صلاح في موقعه حتى إشعار آخر.

وفي آخر صفقاتها، استحوذت مجموعة إعلام المصريين التي صارت مملوكة لشركة "إيجل كابيتال"، على شبكة قنوات "سي بي سي".

تداعيات الهيمنة الاستخباراتية

في منزلة في شارع المبتديان، استقبلنا الناشر المعروف هشام قاسم، الذي كان من أوائل الذين أبدوا امتعاضهم من دخول الأجهزة الأمنية في المجال الإعلامي وعبّر عن ذلك صراحة على حسابه الشخصي على فيسبوك.

يلخّص الرجل مخاوفه من الهيمنة الاستخباراتية قائلاً: "تلك السيطرة ستُدمّر مستقبل المهنة تماماً. الآن، ومع إحكام قبضتهم على الإعلام، أصبح الصوت واحداً وحجبت أغلب المعلومات، وهو ما سيدفع المواطن إلى تلقي معلوماته من محطات أخرى، فضلاً عن أن كل تلك المحطات أصبحت مرتبطة بمشروع الرئيس، فلو غاب السيسي لأي سبب ستنهار فجأة".

ولكن معتز عبد الفتاح يعقّب على هذه النقطة قائلاً "إن الدولة هي التي تدخلت وليس الرئيس، فبقاء الرئيس أو رحيله لن يؤثر على استمرار المشروع مطلقاً".

المرحلة الأخيرة... انسف حمامك القديم

أبو هشيمه لم يكن وحده الذي اختفى من الساحة، بل بدا جلياً أن الدولة مؤخراً تتخلص من كثير من الوجوه القديمة، فأسماء مثل تامر أمين، يوسف الحسيني، تامر عبد المنعم، والدسوقي رشدي، اختفت تماماً من على الشاشات المصرية، وبات مصير لميس الحديدي هي الأخرى مجهولاً بعد أن تم إبلاغ فريق برنامجها بعدم ظهورها على الشاشة  فجأة، وفقاً لما نشره موقع القاهرة 24.

السؤال الأبرز هنا: لماذا يحدث هذا الآن؟ هناك روايتان لتفسير ما حدث، كلاهما مرتبطتان باسم الجنرال عباس كامل الرجل المقرب من الرئيس.

تشير الرواية الأولى إلى صدام في القصر بين فريقين واحد يمثله عباس كامل وآخر يمثله أحمد جمال الدين، وإلى أن مغادرة كامل الرئاسة إلى المخابرات العامة كان بسبب هذا الصراع، ويذهب أصحاب هذه الرواية إلى أن فريق أحمد جمال الدين هو وراء حرق تلك الأسماء والتمهيد لشكل جديد يُدار به الإعلام.

أما الروايه الثانيه، فأصحابها ينفون تماماً فكرة الصراع داخل الرئاسة، مؤكدين أن عباس كامل ما زال الرقم الأبرز في دائرة الرئيس، وأن انتقاله إلى المخابرات العامة كان الهدف منه توحيد عمل الأجهزة تحت قيادة موحدة، وأن إدارة الإعلام أحد الملفات الموكلة له شخصياً.

لكن بصرف النظر عن الخلاف حول سبب ما يحدث، فإن أصحاب الروايتين يتفقان في نقاط محددة: أولها أن النظام قرر تخفيض ما ينفقه على الإعلام إلى الثلث تقريباً، وهو ما بدأ فعلاً يظهر في إغلاق قنوات مثل أون لايف وDMC الرياضية، وقنوات أخرى تتوقف عن إنتاج أي محتوى جديد مثل قناة العاصمة؛ وثانيها أنه بات مؤكداً أن نجوم الشاشات الحاليين آن أوان الخلاص منهم، والبحث عن وجوه جديدة مثل عمرو خليل، دينا زهرة، وسارة حازم، وهي وجوه أقل تكلفة، وأكثر قبولاً لدى المشاهدين.

تختلف التفسيرات، وتتبدل الوجوه، ويبقى الثابت الأوحد حتى الآن أن الإعلام المصري يمرّ بمرحلة من التداخل مع السلطة لم تشهده البلاد منذ عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، مع فارق أن إعلام ناصر كان مداه من الخليج إلى المحيط، فيما إعلام السيسي غير قادر، حتى الآن، على جذب المصريين الذين ما زالوا يولون وجوههم صوب الجزيرة والعربية وسكاي نيوز عربية.


ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي