تجدد المواجهات في البصرة... استثمار سياسي للأحداث والمرجعية تستذكر "عطش الحسين"

تجدد المواجهات في البصرة... استثمار سياسي للأحداث والمرجعية تستذكر "عطش الحسين"

تجددت المواجهات بين القوات الأمنية العراقية والمتظاهرين في مدينة البصرة، جنوب العراق، عصر الخامس من سبتمبر، وأطلق عناصر الأمن مجدداً النار على متظاهرين تجمعوا أمام مقر المحافظة.

وكان الهدوء قد عاد إلى البصرة، بعدما شهدت المدينة في ليلة الرابع من سبتمبر مواجهات عنيفة بين متظاهرين والقوات الأمنية أسفرت عن مقتل ستة أشخاص وإصابة العشرات، غداة مقتل متظاهر برصاص الشرطة.

ثم عاد الهدوء، بعدما فرضت السلطات العراقية في الرابع من سبتمبر حظر تجول في البصرة، للسيطرة على التظاهرات التي تندرج في إطار الحراك الذي بدأ قبل أكثر من شهرين للمطالبة بتحسين الخدمات العامة، خاصة الكهرباء والمياه، وتوفير فرص عمل، والقضاء على الفساد.

وشهدت مواجهات البصرة الدموية في الرابع من سبتمبر استهداف القوات الأمنية بقنبلة يدوية، وإحراق سيارتين للشرطة، كما شهدت إشعال النيران بمبنى المحافظة. ولكن العلامة الفارقة فيها كانت استخدام قوى الأمن للرصاص الحيّ ضد المتظاهرين.

صراع على الجمهور الشيعي

ويأتي استمرار الحراك في البصرة، ذات الأغلبية الشيعية، في ظل احتدام الصراع بين الكتل النيابية الفائزة في الانتخابات الأخيرة على تعريف "الكتلة النيابية الأكبر".

ويتمحور الانقسام العراقي السياسي حول تيارين: الأول هو الذي يمثله تحالف "الإصلاح والإعمار" بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ورئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي وآخرين؛ والثاني هو الذي يمثله تحالف "البناء" بين رئيس "ائتلاف الفتح" هادي العامري ورئيس الحكومة السابق نوري المالكي وآخرين.

وتدعم الولايات المتحدة التيار الأول فيما يُعتبر الثاني ممثلاً لإيران في العراق وحاملاً لمطالبها بشأن الحكومة المقبلة والسياسات التي ينبغي أن تتبناها.

وفي ظل هذا الواقع، لم يكن غريباً أن يتنافس التياران ورموزهما على كسب تأييد أهالي البصرة، خاصة في ظل تهديد كل منهما باللجوء إلى الشارع بحال تشكلت حكومة لا ترضيه، وفي ظل خروج تظاهرات متضامنة مع أهالي البصرة في بغداد وميسان وأماكن أخرى.

ولكسب الجمهور البصراوي، كان مكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قد أعلن، في الثالث من سبتمبر، في بيان، أن مجلس الوزراء وافق على إنشاء محطات لتحلية المياه في المحافظة.

وفي حين تحدث قائد عمليات البصرة الفريق جميل الشمري عن "عصابات اغتيال اندست بين المتظاهرين واستهدفتهم بإطلاق النار المباشر"، وأن "المتظاهرين لجأوا إلى القوات الأمنية لحمايتهم من هذه العصابات"، تحدث زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، عن تعدٍّ "من قبل بعض المدسوسين في القوات الأمنية على المتظاهرين العزّل، الذين لا يريدون إلا لقمة العيش بكرامة".

أقوال جاهزة

شارك غردالمواجهات تتجدد في البصرة العراقية، والسياسيون يطلقون مواقف تستثمر الأحداث بهدف كسب تأييد أهالي المدينة، خاصة في ظل تهديد الأطراف المتنافسة على السلطة باللجوء إلى الشارع بحال تشكلت حكومة لا ترضيها

وغازل الصدر المتظاهرين بدعوته إلى "تضافر الجهود لانتشال البصرة من أفكاك الفساد والطائفية والميلشيات"، مهدداً: "أنصح بألا تختبروا صبرنا".

كما التقى العبادي في الأربعاء الدامي مع بعض أعضاء مجلس البصرة، معلناً أمامهم عزم مجلس الوزراء على إيجاد الحلول المناسبة لكافة المشاكل، و"تسهيل وتسريع تنفيذ المشاريع المصادق عليها، ومنها بشكل خاص مشاريع تحلية المياه".

ووجّه البيان الصادر عن المجتمعين، والذي تعهّد بـ"التحقيق في ما حصل"، دعوة للأهالي إلى "التعاون مع القوات الأمنية في كشف العناصر المسيئة وتفويت الفرصة عليهم من أجل توفير الظروف المناسبة للانطلاق بتنفيذ المشاريع"، في إشارة إلى تبني العبادي لرواية "المتظاهرين المندسين"، بعكس الصدر.

الحكومة الطرف الأضعف

ولكن، كما هو الحال في كل الدول، عندما تحدث أزمة بين مؤسسات سيادية والشعب، يتضرر فريق الحكومة، وهو في الحالة الفريق الذي يضمّ العبادي، حتى لو كان أبرز شخصيات هذا الفريق، مقتدى الصدر، معارضاً. ففي هذه المرحلة، يطاله كل ما يطال العبادي، كون العبادي مرشح الفريق العريض للحكومة المقبلة.

وللتدليل على ذلك، قال مواطن يُدعى هاني عبد الحسين، بعد مشاركته في تظاهرات البصرة، في الخامس من سبتمبر، إن المتظاهرين تجمعوا "للتنديد بسياسات الحكومة الاقتصادية".

ولأنهم يعرفون هذا الواقع، أطلق بعض منافسي العبادي وتحالفه تصريحات داعمة لأبناء البصرة تحمّل الحكومة مسؤولية سيلان الدم وتردي الأوضاع.

فقد حذّر عدي عواد، النائب في كتلة "صادقون"، وهي الجناح السياسي لميليشيا عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وجزء من تحالف "الفتح" النيابي بقيادة هادي العامري، السلطات من الاعتداء على المتظاهرين في البصرة.

وسعى عواد في تصريحه إلى المماهاة بين تياره وبين متظاهري البصرة بقوله: "إننا وأهلنا في البصرة نموت مرتين، مرة بالمياه الملوثة وانعدام أبسط مقومات الحياة، ومرة على يد قائد عمليات البصرة".

ولم يكتفِ بذلك بل وجّه تهديداً إلى القيادات الأمنية وقال: "أغلب القيادات والمنتسبين الذين يعتدون على المتظاهرين المطالبين بأبسط حقوقهم معروفون لدينا، وفي حال تجدد الاعتداء على المتظاهرين فإننا في حركة العصائب سنتخذ كافة الإجراءات بحقهم".

وكان الأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي قد لعب على نفس الوتر قبل أيام في تصريح هاجم فيه "الموقف الحكومي المقصر والمخجل"، وقال فيه: "نعتذر سلفاً على التقصير أمام أهل البصرة، ونؤكد أننا لن نوافق على أي برنامج حكومي لأي حكومة قادمة ما لم يتضمن حلولاً واقعية، ضمن جداول زمنية لحل أزمة الماء والكهرباء في كل العراق وخصوصاً محافظة البصرة".

وسبقه إلى الاعتذار عن التقصير في تقديم الخدمات للعراقيين رئيس تحالف الفتح هادي العامري.

هجمات وهجمات مضادة

في السياق، نفسه، خرج رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ليدعو الحكومة إلى التحقيق بالأحداث وتعويض المتضررين، والإسراع بالاستجابة لمطالب متظاهري البصرة بصورة ملموسة، معتبراً أنه "ليس صعباً على الحكومة، مع توفر القدرات المالية والإمكانات المتاحة، أن تدير عجلة الخدمات بسرعة... من أجل إنهاء المعاناة التي يواجهها أهلنا في البصرة يومياً".

نسي المالكي أنه رئيس حكومة سابق متهم بالفساد وأن جذور الأزمة التي تعيشها البصرة قديمة، ولكن علي الجوراني، القيادي في تيار الحكمة الوطني بزعامة عمار الحكيم، لم ينسَ ذلك.

اتهم الجوراني المالكي ومحافظ البصرة الأسبق خلف عبد الصمد بأنهما "يقفان وراء توقف مشروع تحلية مياه الفاو الذي كلف خزينة الدولة 89 مليون دولار"، مضيفاً أن "ذلك جاء نتيجة تواطؤهما مع الشركة المنفذة"، ومعتبراً أن "ما يجري في البصرة سببه إيقاف هذا المشروع الاستراتيجي الذي لو اكتمل لكان جنّب البصرة الكارثة الإنسانية التي تمر بها في الوقت الحالي".

وفي ظل معركة تسجيل النقاط المحتدمة، يبدو أن المرجعية الدينية الشيعية في النجف تفتقد أي قدرة على التأثير العملي، فجاءت مداخلتها في الأزمة عمومية على شاكلة ما قاله ممثلها عبد المهدي الكربلائي: "إننا في الوقت الذي نستذكر فيه عطش الإمام الحسين عليه السلام وعائلته بحلول موسم الأحزان شهر محرم الحرام، ندعو إلى ضرورة توفير المياه الصالحة للشرب لأهالي البصرة".

ولمزيد من السوريالية، كشف رئيس لجنة الرقابة المالية ومتابعة التخصيصات في مجلس محافظة البصرة أحمد السليطي أن حريق مبنى محافظة البصرة أتلف وثائق قد تدين الفاسدين!


كلمات مفتاحية
الفساد

التعليقات

المقال التالي