مروان البرغوثي... الغائب الحاضر في المشهد السياسي الفلسطيني

مروان البرغوثي... الغائب الحاضر في المشهد السياسي الفلسطيني

رغم كل التطورات التي شهدتها الساحة الفلسطينية في السنوات الأخيرة، مروراً بالمتغيرات السياسية الإقليمية والدولية، ورغم بروز مجموعة كبيرة من الشخصيات السياسية الفلسطينية على مدار الأعوام الـ17 الأخيرة، إلا أن القيادي الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي استطاع، بصفته أحد الرموز الوطنية في الضفة الغربية، أن يحتفظ بمكانة كبيرة عند الفلسطينيين.

تجسّد الشعبية التي يتمتع بها البرغوثي، ابن قرية كوبر في قضاء رام الله، المثل الفلسطيني القائل "السجن لا يبنى على الرجال". لا تنفك وسائل الإعلام المختلفة تتحدث عن مواقفه من القضايا الطارئة والمُلحة على الساحة الفلسطينية.

اعتقلت إسرائيل البرغوثي عام 1987، على خلفية نشاطه خلال الانتفاضة الأولى وتأسيسه منظمة الشبيبة الفتحاوية، ورحّلته إلى الأردن حيث مكث سبع سنوات قبل أن يعود ثانية إلى الضفة الغربية عام 1994، بموجب ترتيبات اتفاق أوسلو.

وخلال انتفاضة الأقصى التي اندلعت شرارتها في سبتمبر 2000، تزعم البرغوثي تنظيم حركة فتح، ولعب فيها دوراً بارزاً. ثم، في 15 أبريل 2002، قبضت السلطات الإسرائيلية عليه، لكن صوته ظل حاضراً من خلف القضبان.

تراجع في الاهتمام الإعلامي

لم يحظَ البرغوثي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وعضو البرلمان الفلسطيني لدورتين متتاليتين منذ عام 1996، بمساحة كافية في وسائل الإعلام خلال العام الأخير، مقارنة بالأعوام السابقة، حين كانت تلاحقه لتنشر آراءه تجاه قضايا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي وقضايا الخلافات الداخلية الفلسطينية.

وقد يبدو هذا التراجع جزءاً من المفارقات القائمة على الساحة الفلسطينية، لا سيما أن وسائل الإعلام المحلية دأبت على تقديمه بصفته المرشح الأبرز لزعامة حركة فتح، أو حتى رئاسة السلطة الفلسطينية، خلفاً للرئيس محمود عباس. لكن يبدو أن هذا لم يعد قائماً، على الأقل من الناحية النظرية.

قبل أيام، دعا البرغوثي الذي يقبع في السجن منذ 17 عاماً، إلى عقد مؤتمر يجمع أعضاء اللجنة المركزية لحركة "فتح"، ونظرائهم في المكتب السياسي لحركة "حماس"، بهدف إنهاء الانقسام الفلسطيني.

ووفق ما نقلته زوجته فدوى البرغوثي، فإنه طالب بجعل هذا اللقاء "نواة لعقد مؤتمر وطني شامل من شأنه إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية وبمشاركة كل الفلسطينيين"، وشدّد على ضرورة "التخلي عن إقصاء الآخر، وتبني الشراكة في كل المؤسسات بما فيها منظمة التحرير والحكومة والرئاسة، والوصول إلى إجراء انتخابات عامة".

وجاءت دعوة البرغوثي (60 عاماً) في وقت تتسع فيه فجوة الانقسام بين الفلسطينيين، خاصة بين حركتي فتح وحماس، ويبدو أن الرجل لا يزال يعوّل على الوحدة الوطنية كمخرج من الأزمة الراهنة التي يعيشها الفلسطينيون، نتيجة معارضة صفقة القرن التي تتبناها الإدارة الأمريكية لإنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

الشراكة التي تحدّث عنها البرغوثي، المحكوم بالسجن خمسة مؤبدات بتهمة الوقوف وراء عمليات نفّذتها كتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لحركة فتح، ضد أهداف إسرائيلية، تتعارض مع وجهات نظر أطر قيادية كبيرة داخل النظام السياسي الفلسطيني المشكل من قوى وأحزاب مختلفة على رأسها فتح وحماس اللتين تزداد الفجوة بينهما اتساعاً يوماً بعد يوم.

وتشهد أراضي السلطة الفلسطينية انقساماً حاداً، منذ منتصف يونيو 2007، بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة بالقوة. وفشلت منذ ذلك الوقت العديد من الجهود لتحقيق المصالحة مع حركة فتح، ولا يزال السجال السياسي مستمراً إلى الآن.

صاحب الرمزية الكبيرة

ولا يزال البرغوثي الذي تعرّض إلى أكثر من محاولة اغتيال خلال انتفاضة الأقصى من أبرز الداعين إلى الوحدة الوطنية، وفق ما نقلته عنه زوجته فدوى وشهدت به قيادات أحزاب وفصائل فلسطينية عدة.

ولا تزال حركة فتح تصرّ على أن البرغوثي يمثل رمزية كبيرة بالنسبة لها ويحظى رأيه باحترام جميع الأطر القيادية داخل الحركة.

ويعتبر القيادي الفلسطيني عباس زكي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، أن مروان البرغوثي هو العضو الأهم في اللجنة المركزية لأنه دفع ثمناً باهظاً لانتمائه إلى حركته ووطنه.

ويتفق زكي مع البرغوثي في ضرورة وجود مجلس وطني جديد، ويشير إلى أن هذا الأمر منوط بالتوافق والمصالحة قبل كل ذلك، حتى لا يزداد الشرخ بانعقاد مجلس غير متفق عليه.

وقال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح لرصيف22: "نحن متفقون مع مروان ونرى أنه عمل هو والحركة الأسيرة بقوة منذ 2005 ولا زالوا يعملون من أجل رأب الصدع على الساحة الفلسطينية".

وأضاف: "موقفنا في اللجنة المركزية هو موقف مروان وآراؤه سليمة وكلنا متفقون على أن في الوحدة حياة ونسعى لها ويجب تعزيزها وهي شرط الانتصار والنهضة، خاصة في ظل وصول (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب للحكم ودعمه المطلق لإسرائيل وتكالب كل القوى علينا وتماهيها مع إسرائيل".

وتشكّل مواقف البرغوثي نقطة التقاء بين الفرقاء الفلسطينيين، إذ يتفق معه أيضاً القيادي في حركة حماس أحمد يوسف، وخصوصاً في دعوته لانعقاد مجلس وطني يجمع كل الفلسطينيين.

أقوال جاهزة

شارك غردرغم كل التطورات التي شهدتها الساحة الفلسطينية في السنوات الأخيرة، إلا أن القيادي الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي استطاع، بصفته أحد الرموز الوطنية، أن يحتفظ بمكانة كبيرة عند الفلسطينيين

شارك غردتجسّد الشعبية التي يتمتع بها القيادي الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي المثل الفلسطيني القائل "السجن لا يبنى على الرجال". الكل يهتمون بمواقفه من القضايا الطارئة والمُلحة على الساحة الفلسطينية

وقال يوسف لرصيف22: "هذه الدعوة نحن نتبناها ونقدرها، وأهميتها تنبع من كونها تعبيراً حقيقياً وصادقاً عن الوحدة الوطنية، من دون استفراد أية جهة كانت بالقرارات والحكم، بعيداً عن التوافق الوطني".

ويبدو واضحاً أن حماس تقترب من الأسير البرغوثي أكثر من الرئيس عباس، إذ يرى فيه القيادي يوسف، أنه "وجه فلسطيني وقيادي مميز وحضوره مهم كثيراً كباقي القيادات الفتحاوية الوطنية".

وقال يوسف الذي شغل سابقاً منصب المستشار السياسي لرئيس الحكومة السابق ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس حالياً إسماعيل هنية: "إذا جرت انتخابات، فنحن نحتاج هذا الرجل، فهو معروف بمواقفه الجامعة وخاصة التي يصدرها وهو في داخل السجن، وهي تمثل محل إجماع وتتبنى حركة حماس الكثير منها".

وبصرف النظر عن عدم وضوح رؤية حركة حماس تجاه موضوع الانتخابات الرئاسية، بمعنى إذا ما كانت ستشارك فيها أم لا ومَن هو مرشحها، إلا أن القيادي يوسف، يرى أنه "سيكون لشخص مروان البرغوثي حظوظ كبيرة، بصفته شخصية وطنية لها مكانتها في أية انتخابات قادمة".

النضال من داخل السجن

واجه البرغوثي، وفقاً لتقرير أصدرته هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين، مئة يوم من التحقيق العنيف والقاسي في أكثر من مركز تحقيق كالمسكوبية وبيتح تكفا والجلمة والسجن السري.

وتركز الجزء الأكبر في تلك التحقيقات حول علاقته بالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وتمويل نشاطات الانتفاضة، والقرارات الصادرة حولها، في محاولة إسرائيلية لإدانة الرئيس الراحل الذي اعتبر رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أرييل شارون أنه ليس شريكاً في صناعة السلام وفرض حصاراً على مقر إقامته في "المقاطعة"، وقام بتدمير مقرات السلطة، وإعادة احتلال المناطق الفلسطينية في عملية أطلق عليها اسم "السور الواقي"، في 29 مارس 2002.

خاض البرغوثي إضرابات عدة عن الطعام من أجل الحصول على حقوق السجناء، أبرزها في أبريل 2017، لكن سلطة السجون الإسرائيلية حاولت أن تسقط هذا الإضراب، من خلال نشر مقطع فيديو تزعم فيه ظهور البرغوثي وهو يأكل في زنزانته.

وقالت زوجة البرغوثي في حينه إن الشريط "ملفق" ويهدف إلى كسر معنويات المشاركين في الإضراب عن الطعام.

وتحدثت صحف إسرائيلية في ذلك الوقت عن أن هناك اتهامات لرئيس السلطة بالعمل على إفشال إضراب الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، كي لا يحقق مروان البرغوثي مكاسب سياسية من ورائه.

وادعت أيضاً أن قيادات رفيعة في حركة فتح ترى أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ومعه قيادات فتحاوية أخرى، سيحاولون إفشال أية حملة تهدف لجعل البرغوثي الخليفة القادم لرئيس السلطة الفلسطينية.

ولا يزال المحللون السياسيون الإسرائيليون والصحافة الإسرائيلية الجهة الأكثر اهتماماً بموضوع قدرة البرغوثي على خلافة "أبو مازن".

وفي هذا السياق، كتب الصحافي الإسرائيلي المختص بالشؤون العربية والمعروف بقربه من الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية، يونا بن مناحيم، في 20 يونيو، مقالاً جاء فيه: "قدرات البرغوثي السياسية المميزة من بين كل قادة حركة فتح على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية، واستطلاعات الرأي العام في الشارع الفلسطيني تعطيه الأولوية ليكون خليفة لمحمود عباس، كما أنه الوحيد القادر على تحقيق الانتقال السلس للسلطة في الضفة الغربية، كونه الأقدر على توحيد حركة فتح، ناهيك أنه يحظى بدعم من كل الفصائل الفلسطينية بما فيها حركة حماس، ووجوده في سجون إسرائيل يعطيه الشرعية أيضاً للمنصب".

ويرى الكاتب الفلسطيني المختص بالشؤون الإسرائيلية أكرم عطا الله أن المستوى السياسي في تل ابيب لن يقبل بالبرغوثي، فهو ينظر له على أنه شخصية وطنية وحدوية موحدة للشارع الفلسطيني.

ويؤكد لرصيف22 أن إسرائيل لعبت خلال السنوات الأخيرة على التناقضات الفلسطينية، خصوصاً أن المشروع الإسرائيلي قائم على تفتيت الفلسطينيين "ومروان كمناضل وتاريخ يتعارض مع الفكر والهدف الإسرائيلي، لذلك أفرجت عن الكثير من الأسرى لكنها عطلت الإفراج عنه".

وعبّر عطا الله عن اعتقاده بأن أية صفقة تبادل قادمة بين حركة حماس التي تأسر جنوداً إسرائيليين في غزة، ستشمل حتماً مروان البرغوثي، وقال: "لن تتنازل حركة حماس عن هذا الموضوع، وهناك أنباء تقول إنها وضعت مروان على رأس القائمة ولن تتنازل هذه المرة عن الإفراج عنه، على اعتبار أنها تعتبره شخصية موحدة، والإفراج عنه مكسب على صعيد الرأي العام".

وأضاف الكاتب الفلسطيني أن "إسرائيل لا تتمنى أن يترشح شخص مثل البرغوثي للانتخابات الرئاسية، فهي تريد شخصاً يكون قريباً منها، فالبرغوثي لم تثنِه عملية المفاوضات من استكمال دوره في الصراع مع إسرائيل، وبالتالي هو نموذج لا ترغب فيه إسرائيل لكنه سيترشح رغم كل الظروف".

وتظل قدرة البرغوثي على النشاط السياسي محدودة بسبب وجوده داخل سجون الاحتلال، ولكن ما تبقى له الآن هو الأمل في الخروج ضمن صفقة تبادل جديدة، من أجل المشاركة في إصلاح ما يمكن إصلاحه نتيجة الخلل الذي أحدثته سنوات الانقسام الفلسطيني.


فادي الحسني

صحافي فلسطيني، عضو مؤسس لشبكة الصحافيين الاستقصائيين الفلسطينيين، ويكتب في المجالين الإنساني والاجتماعي.

التعليقات

المقال التالي