ذراع أردوغان الطولى.. عمليات خطف سرية لمعارضيه الأتراك في أوروبا

ذراع أردوغان الطولى.. عمليات خطف سرية لمعارضيه الأتراك في أوروبا

عندما قامت ثلة من قوى الجيش التركي بانقلاب تُوّج بالفشل في مساء 15 يوليو 2016، أطلق الرئيس رجب طيب أردوغان سهام اتهاماته إلى الداعية فتح الله جولن بالوقوف وراء تدبيره.

ولما فشل أردوغان في إقناع واشنطن بتسليم جولن، الذي يعيش في تركيا، لم يُثْنِه ذلك عن ملاحقة أنصاره في مناطق عدة حول العالم.

هذا ما كشفته صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية في قصتها عن ذراع أردوغان الطولى واعتقاله معارضين سياسيين يعتقد تبعيتهم لجولن، يعيشون في دول أوروبية، بالتنسيق مع أجهزة استخباراتها.

"اتهام أصدقائنا بالمشاركة في الانقلاب يبدو سخيفاً"

في 29 مارس الماضي، كان زوج ياسمين كارابينا، يوسف، واحدًا من 6 أتراك يعيشون في كوسوفو، اختطفتهم وكالة الاستخبارات في كوسوفو، في عملية سرية تمت في الصباح الباكر.

وجرى تسليم الرجال - وجميعهم يعملون في مدارس مرتبطة بحركة جولن - وتم ترحيلهم جوًا في طائرة خاصة إلى تركيا، وتعرضوا للتعذيب في الطريق، وفقاً لمحامٍ ينتمي إلى عائلات هؤلاء الأشخاص.

وعندما اُتهم جيهان أوزكان، وحسن حسين جونكان، وكهرمان ديميريز، ومصطفى إرديم، وعثمان كركايا ويوسف كارابينا، بالانتماء إلى ما تصفه تركيا بمنظمة فتح الله الإرهابية (FETÖ)، فروا من تركيا إلى أوروبا والولايات المتحدة. وتم توزيع صور الستة على نطاق واسع في وسائل الإعلام التركية.

بعد مرور ما يقرب من 6 أشهر على الواقعة، وصفت بعض وسائل الإعلام المحلية في كوسوفو ما حدث بأنه "اختطاف".

"كوسوفو سمحت للتدخل التركي بسهولة بالغة"، كان العنوان الرئيسي لقصة الصحفي الكوسوفي، نيكتار زوجاني.

ويقول نظمي أولوس، مدير كلية محمد عاكف، وهي مدرسة تابعة لجولن في ليبجان بالقرب من مدينة بريشتينا: "يُتهم أصدقاؤنا (باعتبارهم) جزءاً من محاولة الانقلاب... كيف يمكن هذا؟.. الأمر يبدو سخيفاً".

أكثر من 100 مُختطف في عامين

لا يبدو الأمر سخيفاً بالنسبة لأردوغان، الذي أعيد انتخابه في يونيو الماضي كرئيس لولاية أخرى مدتها خمس سنوات، في وقت شهدت الأشهر الأخيرة عمليات اختطاف مماثلة للتابعين لجولن في أذربيجان وأوكرانيا والجابون (إفريقيا)، في حين أُحبطت محاولة اختطاف من قبل قوات الأمن التركية في آخر لحظة في منغوليا.

وفي الشهر الماضي، تفاخر وزير الخارجية التركي، مفلت كافوسوجلو، بأن 100 شخص على الأقل من أعضاء حركة جولن قد اختطفوا على يد عملاء المخابرات التركية في الخارج واقتيدوا إلى تركيا في العامين الماضيين.

وقد أصبحت زوجات المختطفين عاجزات عن فعل أي شيء، فقصصهم تُبين أن مُطاردة أردوغان العالمية لفتح الله جولن ستأتي بتكلفة على الآخرين.

وفي المدرسة في ليبجان (كوسوفو)، حيث كان زوجها يوسف نائباً لمديرها، تروي ياسمين كارابينا أحداث ذلك الصباح. وأثناء قيادتهما السيارة مع ابنهما البالغ من العمر 15 عاماً، أوقفهم ما يبدو أنهم قوات شرطة، فسألوا يوسف عن وثائقه.

أقوال جاهزة

شارك غردشهدت الأشهر الأخيرة عمليات اختطاف لأشخاص تابعين لجولن في أذربيجان وأوكرانيا والجابون (إفريقيا) في حين أُحبطت محاولة اختطاف من قبل قوات الأمن التركية في آخر لحظة في منغوليا

شارك غردأصبحت زوجات المختطفين عاجزات عن فعل أي شيء، فقصصهم تُبين أن مُطاردة أردوغان العالمية لفتح الله جولن ستأتي بتكلفة على الآخرين

تقول ياسمين إنه بعد بضع دقائق، أصبحت هي وزوجها متشككين في الأمر، كانا يعلمان عن اختطاف ما يسمى Gülenists في أجزاء أخرى من العالم.

كان ذلك عندما انقض الرجال على زوجها، وهو ما أظهره فيديو كاميرا مراقبة مجاورة، وكيف تم جرهما من السيارة - ومعهما ابنهما المراهق. وتُبين اللقطات حالة الذعر، ومحاولة المرأة إبلاغ المارة عما يحدث دون جدوى.

تتذكر ياسمين كارابينا صراخها لسائقي السيارات الأخرى: "إنهم ليسوا رجال شرطة!". لكن زوجها ذهب. وتقول: "آخر اتصال أجريته معه كان في السيارة".

اشتباكات كلامية بين رئيس وزراء كوسوفو وأردوغان: استخباراتكم نفذت الاختطاف

ابن كارابينا لم يكن الطفل الوحيد دون أب. زوجة المختطف كهرمان ديميريز، لديها ابن عمره 3 سنوات. كلاهما يدرس في مدرسة تابعة لجولن في Gjakova، وهي مدينة في غرب كوسوفو.

وفقاً لأولكاي ديميريز، ذهب زوجها إلى المدرسة قبل الثامنة صباحاً للمساعدة في إعداد الطلاب لرحلة ميدانية. كان التلاميذ حول فناء المدرسة، في انتظار وصول الحافلات.

بعد ذلك، وصلت 3 سيارات شرطة إلى المدرسة. سار زوجها للقائهم، مصافحاً الضباط "كانت لديه علاقة جيدة مع الشرطة"، بحسب أولكاي.

وأخبرته الشرطة بأن هناك بعض المسائل المتعلقة بأوراق هويته، وبحسب زوجة ديميريز، قالوا إنه يتعين عليهم اقتياده إلى مركز الشرطة. "لقد أمروا بتقييده أمام الطلاب"، كما تقول، بعينين دامعتين، "وأجبروه على ركوب سيارة".

أولكاي لم تر زوجها منذ ذلك الصباح "كأم، كإمرأة، أشعر بالإهانة العميقة من هذا الوضع"، كما تقول.

ورغم توقعات البعض بأن مثل هذه الإجراءات التركية الصريحة لن تحدث في كوسوفو - أو في بلدان أخرى في المنطقة - مرة أخرى، فإن "الخوف من أردوغان" قد طال الأتراك.

ووفقاً لتقارير صحافية حديثة، فإن العشرات من الأتراك في كوسوفو تقدموا بطلب لجوء في البلاد.

وفي غضون ذلك، تناقل البعض القول بأن أسرة مصطفى إردم، من كلية محمد عاكف في ليبجان، قد فرت من كوسوفو قبل عدة أشهر وتقدمت بطلب للحصول على اللجوء في ألمانيا.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، طالب مسؤولون في مدينة بريزرن، جنوب غرب كوسوفو، بإغلاق روضة أطفال "مرتبطة بجولن".

في حين حاول رئيس وزراء كوسوفو، راموش هاراديناي، تهدئة تلك المخاوف. ووفقاً لما ذكرته ياسمين كارابينا، أخبرها هاراديناج أن "لا شيء من هذا القبيل سيحدث مرة أخرى".

وبعد عمليات الاختطاف، ادّعى هاراديناج أنه لم يتم إخطاره بهذه العملية. وفي اليوم التالي، أقال وزير الداخلية ورئيس المخابرات - وأطلق في وقت لاحق انتقادات لأردوغان، قائلاً إن المواطنين الأتراك الستة "لم يتم ترحيلهم، بل تم خطفهم".

لكن رئيس كوسوفو، هاشم ثاتشي، الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع أردوغان، بدا في البداية أنه يبرر عمليات الاختطاف عندما أخبر وسائل الإعلام المحلية بعد يومين من الحادث أن المختطفين كانوا متورطين في "أعمال غير قانونية" وشكلوا تهديداً "للأمن القومي" للبلاد، (ثم تراجع عن تلك التعليقات لاحقاً).

ولا يزال الغضب في الداخل والقلق بالخارج من رئيس وزراء كوسوفو. ومن جانبه، قال الداعية فتح الله جولن إن ما حدث "اختطاف".

بينما قال أردوغان بعد يوم من انتقادات هاراديناج: "سؤالي إلى رئيس وزراء كوسوفو: (هذا تم) بموجب تعليمات صدرت عنكم (لاتخاذ) مثل هذه الإجراءات؟ كيف يمكنك (الدفاع) عن هؤلاء الأشخاص الذين حاولوا الانقلاب على بلد شقيق؟ سوف تجيب عن هذا".

سلاح النفوذ الاقتصادي

مهما كانت وجهة نظر كوسوفا في أسلوب حكم أردوغان، فتركيا تعتبر صديقاً لا يمكنها تتحمل خسارته. وإلى جانب كونها داعمة قوية لها في الحصول على الاعتراف الدولي وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، فأنقرة لديها أيضاً نفوذ اقتصادي كبير هناك.

ووفقاً لما قاله إسين موزبج، السكرتير العام لغرفة التجارة بين كوسوفو وتركيا، من المقرر أن تكون تركيا ثالث أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة في كوسوفو في 2018.

وتدير الشركات التركية المطار الدولي الوحيد في كوسوفو وشبكة الكهرباء في البلاد، وتنفذ شبكة من الطرق السريعة الجديدة المُقدرة قيمتها بمليارات الدولارات. كما تعمل منظمة المساعدات الإنمائية الرسمية التركية على إعادة إرث كوسوفو في العهد العثماني. ففي هذه الأثناء، تم تخطيط مسجد كبير جديد بتمويل تركي في وسط مدينة بريشتينا على الطراز العثماني الفاخر.

وقبل سنوات مارس أردوغان ضغوطاً بطرق أخرى، عندما راجعت حكومة كوسوفو كتب التاريخ الخاصة بها تحت ضغوط تركية ليتم تدريس الحكم العثماني بشكل أكثر إيجابية.

وفي 2016، بالتزامن مع محاولة الانقلاب العسكري في تركيا، سخر بريت بوزلاحا، الصحفي الكوسوفي، رئيس تحرير جريدة Gazeta Express ، في صفحته بدعوته مواطني بلاده إلى قضاء العطلة في تركيا لدعم الانقلاب. ونتيجة لذلك، طالب سفير تركيا في كوسوفو باعتقاله.

وفي فبراير الماضي، فتشت الشرطة مبنى بريشتينا، مجموعة سياسية اشتراكية بعد إعلانها تنظيم ليلة موسيقية كردية تضامناً مع المدافعين عن عفرين، المدينة التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا، التي تعرضت لهجوم الجيش التركي في ذلك الوقت.

لكن هناك العديد من سكان كوسوفو ينظرون إلى تركيا بشكل أكثر إيجابية. على سبيل المثال، يسعى عبد الهادي كراسنيك، رئيس بلدية ماموزا، البلدية الوحيدة ذات الأغلبية التركية، إلى تعزيز الروابط الثقافية المشتركة بين الكوسوفيين والأتراك، فحوالي 20 ألف مواطن في كوسوفو من أصول تركية.

ورغم تعهدات رئيس وزراء كوسوفو بدعم  المختطفين الأتراك، لا تزال زوجات وعائلات هؤلاء خائفات على مصيرهم.

"إن نظام أردوغان يلاحقنا... أياديه طويلة في كل مكان، خاصة في البلقان... إنهم ليسوا أصدقاءنا"، يقول نظمي أولوس، مدير كلية محمد عاكف.

لكن أولوس قال متفاخرًا إن المدارس التابعة لجولن في كوسوفو منذ أواخر التسعينات ما زالت صامدة.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
تركيا

التعليقات

المقال التالي