أدلة جديدة على توثيق جرائمه... انتهاكات "مُفزعة" منعت الأسد من تسليم جثث المعتقلين إلى ذويهم

أدلة جديدة على توثيق جرائمه... انتهاكات "مُفزعة" منعت الأسد من تسليم جثث المعتقلين إلى ذويهم

كشف محققو جرائم الحرب في لجنة العدالة والمساءلة الدولية عن أدلة جديدة على توثيق الرئيس السوري بشار الأسد لجرائمه، قالوا إنهم عثروا عليها بين مئات الآلاف من سجلات النظام التي تركها خلفه إبان تمركز المعارضة في المناطق الخاضعة تحت سيطرته.

المحققون، وكثير منهم من قدامى مُخضرمي المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة،  أوضحوا أن الوثائق تشير إلى اطلاع النظام على تعرض المعتقلين للتعذيب وارتفاع الوفيات بينهم بشكل كبير.

ففي مقال بصحيفة "الجارديان"، كتبت سارة أفشر، الصحافية ومُخرجة الفيلم الوثائقي "المختفون السوريون" الذي أنتجته القناة الرابعة البريطانية، تفاصيل وصفتها بـ"المفزعة" قد توصل إليها المحققون.

وحذرت أفشر من دعوات إلى تطبيع دول الغرب مع النظام: "ربما فاز الأسد بالحرب، لكن هذا لا يعني تجاهل الأدلة القوية على ارتكابه جرائم ضد الإنسانية".

جثث بلا أسماء... أرقام فقط

"تخيل ابنك (أو ابنتك) قد تم القبض عليه/ها، ولم تسمع عنه/ها أي شيء طوال سنوات. إلى أن جاء يوم تم فيه نشر الآلاف من الصور لجثث الذين لقوا حتفهم في الحجز. حينذاك ستبدأ في تفحصها واحدة تلو الأخرى، وتتساءل هل الصورة التالية ربما تكون لأحد أحبائك. وخلال مشاهدتك تلك الصور، تدرك أن العديد من الجثث تعاني من الهزال الشديد، عدا أنها مُشوهة، وبعضها بلا عيون... وقتذاك ربما ستجد صعوبة حتى في التعرف على نفسك"، تحكي سارة أفشر.

مئات، إن لم يكن الآلاف، من العائلات السورية فعلت ذلك بالضبط - دققت النظر في  "صور قيصر" – وهي صور لأكثر من 6700 شخص (تقول تقارير أخرى إنهم 11 ألفًا).

و"قيصر" أو "سيزار" هو اسم حركي لجندي سوري مُنشق هرّب أكثر من 55 ألف صورة على ذاكرة هاتف محمول، لمعتقلين عذبوا وقتلوا في معتقلات النظام من 2011 إلى 2013.

أقوال جاهزة

شارك غرد"قيصر" أو "سيزار" اسم حركي لجندي سوري مُنشق هرّب أكثر من 55 ألف صورة على ذاكرة هاتف محمول لمعتقلين عذبوا وقتلوا في معتقلات النظام السوري من 2011 إلى 2013.

شارك غردالتفاصيل "المُفزعة" الجديدة في الوثائق تشير إلى دفن جثث المعتقلين في "مكان معروف"، أي معروف لدى النظام السوري، لكنه غير معروف حتى الآن لدى عائلات المُعتقلين الذين تم حرمانهم من تلك المعلومات، وهو ما يجعله مصدرًا دائمًا لألمهم وكربهم.

تقول مُخرجة فيلم "المختفون السورويون" إن ما يدعو للدهشة هو أن النظام نفسه قد التقطها في إطار حفظ سجلاته: "بشكل مخيف، لكل جثة رقم، إلى جانب عدد مراكز الاحتجاز التابعة للنظام. لا أسماء لهم، أرقام فقط".

وبعد بث القناة الرابعة البريطانية للصور، ناقش مجلس الأمن في مايو 2014 مشروع قرار إحالة سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية. وحينذاك صوّت 13 من أعضائه الـ 15 لمصلحة القرار، لكن روسيا والصين وقفتا ضده.

وثائق جديدة: الأسد يعلم بالقتل والتعذيب.. واستخباراته تنصح بعدم إعادة الجثت إلى ذويها

وأشارت مُخرجة وثائقي "المختفون السوريون" إلى أنه لطالما شكك بشار الأسد في صحة الصور، فعندما واجهه مراسل "ياهو نيوز"، مايكل إيسكوف، بواحدة منها مُروعة خلال مقابلة معه العام الماضي، اعتبرها "أخبار زائفة"، وتساءل: "من الذي تحقق من الصور؟".

وأضافت أن أدلة جديدة كشفتها خلال الشهر الجاري عبر "القناة الرابعة"، أظهرت أن نظام الأسد تحقق من صحة الصور، موضحةً أن محققي جرائم الحرب كشفوا أخيرًا عن وثائق يقولون إنها توفر أدلة على أن "صور قيصر" كانت خاصة بالنظام نفسه.

واكتشف المحققون في لجنة العدالة والمساءلة الدولية الأدلةَ بين مئات الآلاف من السجلات التي تخلى عنها النظام السوري عندما فقد السيطرة على مناطقه لقوات المعارضة.

وصدرت الوثائق الرئيسية من رئيس مرفق الاحتجاز 227، إلى أحد كبار ضباط الاستخبارات في النظام، ورئيس الاستخبارات العسكرية، يبلغهما فيها بالقبض على المعتقلين واستجوابهم والوفيات بينهم، مُشيرًا إلى جثثهم التي حملت أرقامًا فقط.

وعندما قام المحققون بالتحقق من أرقام الجثث هذه في وثائق النظام، مع عرض أرقام الجثث وأرقام مراكز الاحتجاز على الجثث في "صور قيصر"، أكدوا أنها متطابقة.

"لذلك ليس لدينا فقط صور قيصر لآلاف الجثث التي تحمل علامات التعذيب والتجويع، لدينا الآن وثائق يبدو أنها تربط النظام السوري ببعض الأشخاص في الصور، ووفياتهم"، تقول سارة أفشر.

وتابعت: "التقطت الصور لحظة من الزمن، إذ تصور حالة جثث المعتقلين. لكن الوثائق (الجديدة) تشير إلى المعتقلين، وتتحدث عنهم منذ اعتقالهم، والتفاصيل التي تم جمعها من استجوابهم، إلى يوم وفاتهم، وأخيرًا، إلى ما يجب فعله بجثثهم، ليؤكد أن كل ما حدث كان في معتقلات النظام".

على سبيل المثال، بين صور قيصر، هناك الجثة 2668 في مرفق الاحتجاز 227، وهي لرجل هزيل يبدو وكأنه قد فُقئَت إحدى عينيه. وحسب الوثائق، تم ذكر اسمه واسم القرية التي جاء منها وتاريخ اعتقاله وما اعترف به خلال استجوابه.

بجانب سبب وفاته في السجلات (توقف نفسه وقلبه عن النبض)... يبدو أنه في مكان ما لديه عائلة، لكن رئيس مرفق الاحتجاز 227 لم ينصح بإعادة جثته إلى ذويه، حسب الوثائق.

تقول سارة أفشر إنه من المحتمل وجود المزيد من هذه الوثائق لأن السجلات تُظهر أن رئيس المخابرات العسكرية يُبلّغ عن كل حالة وفاة لمعتقل، وتتم استشارته بشأن ما يجب فعله بالجثث.

هذا الرجل، في الوقت الذي التقطت فيه صور قيصر، شغل أحد أهم أدوار المخابرات في الهياكل الأمنية السورية، والتي ترفع تقاريرها إلى الأسد.

كما أظهر المحققون سجلًا يكشف أن النظام يعرف أن المعتقلين يتعرضون للتعذيب، وأن الوفيات ارتفعت بشكل كبير.

أما التفاصيل "المُفزعة" الجديدة في الوثائق فهي الإشارة إلى دفن جثث المعتقلين في "مكان معروف"، أي معروف لدى النظام، لكن غير معروف حتى الآن لدى عائلات المُعتقلين الذين يُحرمون من تلك المعلومات، وهو ما يجعله مصدرًا دائمًا لألمهم وكربهم.

وتتساءل سارة: "لماذا هذه الأدلة مهمة الآن؟ لأنك تحتاج فقط إلى النظر لدعوات بعض الجهات إلى رفع العقوبات عن النظام السوري... فالحكومة اليونانية، على سبيل المثال، بدأت باستيراد الفوسفات من سوريا، لتعرف أن الخطوات على قدم وساق للتطبيع مع هذا النظام".

"ربما فاز الأسد بالحرب، لكن هذا لا يعني تجاهل مثل هذه الأدلة القوية على ارتكابه جرائم ضد الإنسانية. إن القيام بذلك يهددنا جميعًا، ويجعل من مبدأ "Never Again" مصطلحًا فارغًا يدعو إلى الإفلات من العقاب في جميع أنحاء العالم".

واختتمت مقالها: "إذا كان هذا ما يريده الناس، فيجب أن يمتلكوه. ويجب أن يفهموا بالضبط ما يمتلكونه. أنظر إلى صور قيصر - تمامًا كما تفعل العائلات (السورية) التي تحاول التعرف على أحبائها - وتساءل هل مقبول التطبيع مع ذلك؟".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي