"نقطة أبو هاشم" وشبهات "التأشيرة اللبنانية"... معاناة اليمنيين أثناء تنقلهم داخل بلدهم

"نقطة أبو هاشم" وشبهات "التأشيرة اللبنانية"... معاناة اليمنيين أثناء تنقلهم داخل بلدهم

ثلاث ساعات فقط هي المدة الزمنية التي كان يحتاجها المسافر من صنعاء إلى محافظة مأرب، شرق العاصمة اليمنية، قبل عام 2015... ولكن مع توسع الاشتباكات وتقطع أوصال اليمن، شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً، صار الأمر أصعب وأعقد بكثير.

لم يعد بوسع اليمنيين قطع المسافات بنفس المدة الزمنية المعتادة قبل الحرب. ومع إغلاق مطار صنعاء عام 2016 من قبل التحالف العربي بقيادة السعودية، أصبح لزاماً على اليمنيين أن يقطعوا مئات الكيلومترات حتى يصلون إلى مطار سيئون، في أقصى الشرق اليمني، أو مطار عدن جنوباً.

أنتجت الحرب تغييرات كثيرة. فكما فرضت طرقاً جديدة وأطالت المسافات، فرضت كذلك انتشار نقاط التفتيش وتنوّعها، حتى وصل الأمر إلى اضطرار المدنيين لعبور نقطة تفتيش لا تبعد عن سابقتها أكثر من 40 متراً في بعض الأحيان.

ولكل نقطة تفتيش إجراءات خاصة، حتى وإن كانت النقاط تابعة لجهة واحدة، أكانت الحوثيين أو "الشرعية" (القوات التابعة لحكومة الرئيس عبد ربّه منصور هادي) أو حتى لقوات الحزام الأمني الجنوبي.

وقبل قطع تذكرة الباص للتنقل داخل اليمن، دائماً ما تتبادر إلى ذهن المسافر، حتى ولو كان لا ينتمي سياسياً إلى أي طرف، أسئلة من نوع: كيف هي نقاط التفتيش؟ وكم يستمر التوقف عليها؟ وهل هناك احتمال أن ينزلوني؟

نقطة "أبو هاشم" الشهيرة

على طريق السفر عبر رداع، في محافظة البيضاء، وصولاً إلى مأرب وسيئون، يذيع صيت القيادي في جماعة أنصار الله الحوثية أبو هاشم، قائد نقطة رداع.

لأبي هاشم مئات القصص مع مئات المسافرين عبر نقطته، حتى أنها أصبحت أشهر نقاط التفتيش في اليمن، ووصلت شهرتها إلى المغتربين اليمنيين خارج اليمن الذين باتوا يسألون: كيف هي إجراءات نقطة أبي هاشم وما هي إمكانية مرورنا بها؟

سافر مدير منظمة شباب من أجل السلام الناشط أنور دهاق عدة مرات داخل اليمن، ومرّ عبر العديد من نقاط التفتيش، كانت أصعبها نقطة أبي هاشم.

يصف دهاق أبا هاشم بأنه "إنسان مستفز جداً وحسه الأمني عالٍ ولكن ليس دائماً".

في إحدى المرات، عام 2016، كان متوجهاً إلى الأردن برفقة مجموعة من زملائه للمشاركة في مؤتمر إقليمي، وتوقف الباص عند نقطة أبي هاشم.

يروي دهاق لرصيف22: "كنت في مقدمة الباص وكنت طوال الطريق ومنذ أن خرجنا من صنعاء أنتظر الوصول إلى نقطة أبي هاشم التي سمعت عنها كثيراً وكنت طوال الطريق أفكر: ماذا أقول أو أجيب على سؤاله ‘فين رايح؟’".

بمجرد وقوف الباص عند النقطة زادت مخاوف الشاب اليمني. يقول: "صعد أبو هاشم إلى الباص وكنت أجلس إلى جانب إحدى العائلات فظن أنني واحد منهم ولم ينتبه إليّ، وكان زملائي يجلسون في آخر الباص وعندما نزل أبو هاشم من الباص نزل زملائي معه بالإضافة إلى مجموعة من المسافرين، منهم مدير عام في وزارة التخطيط".

ويضيف دهاق أنه لحق برفاقه ليخبر أبا هاشم بأنهم مسافرون معاً، ويقول: "كان حديث أبي هاشم معنا مستفزاً، ووصفنا مع مجموعة من الصحافيين بالشياطين، وقال إننا نعمل على نشر الفتنة".

المدرس محمد عبد الله اظطر للذهاب إلى محافظة مأرب ليستصدر جواز سفر، وعندما وصل إلى نقطة أبي هاشم أُنزل من الباص ليجد نفسه متهماً بأنه جندي مع "العدوان السعودي".

ظل محمد في النقطة ثلاثة أيام ليقنع عناصرها بأنه مسافر إلى مأرب ومنها إلى منفذ شحن بري مع سلطنة عمان لاستلام سيارة اشتراها من كوريا الجنوبية عبر الإنترنت.

وبعد مرور شخص تعرّف عليه وقدّم ضمانات للنقطة بأنه شخص معروف ولا يتبع أية جهة كانت، واصل عبد الله طريقه.

وبعد خمس ساعات، وصل إلى نقطة الفلج التابعة لـ"الشرعية" وهي النقطة الواقعة على المدخل الجنوبي لمدينة مأرب، وكان عبد الله يحمل بطاقة شخصية تفيد بأنه من مواليد محافظة حجة الواقعة شمال صنعاء.

هنا أيضاً، أُنزل مجدداً، وكانت تهمته هذه المرة أنه مشتبه بعمله مع الحوثيين. وبعد أن ظل في النقطة أربع ساعات، اقتيد إلى إدارة الأمن في المجمع الحكومي في مأرب ليظل في الحجز أربعة أيام.

ينهي عبد الله حديثة لرصيف22 بأنه لم يكن الوحيد الذي أوقف مرتين. عندما غادر نقطة أبي هاشم، شاهد محتجزاً بتهمة "العمالة مع العدوان"، كان مسافراً إلى مصر للعلاج ويحمل تقريراً طبياً. ومع خروجه من سجن المجمع الحكومي في مأرب تفاجأ بدخول نفس الشخص إلى السجن بتهمة أنه عميل للحوثيين.

"فيزا لبنان"... التأشيرة المشبوهة

حصل الصحافي أحمد حسين على منحة للمشاركة في تدريب في القاهرة في أغسطس 2018. ولأنه يعلم صعوبة السفر عبر مطار عدن، قرر السفر من مطار سيئون، حتى لو كانت المسافة أطول.

انطلق أحمد قبل رحلته بثلاثة أيام، تحسباً لأي طارئ أو عرقلة على الطريق، ولحسن حظه لم يجرِ توقيفه على نقاط الحوثيين.

يتحدث حسين لرصيف22 عن سعادته لتجاوز نقطة أبي هاشم، قبل أن يتفاجأ بتوقف الباص لأكثر من سبع ساعات بسبب الاشتباكات في منطقة الملاجم في محافظة البيضاء.

واصل حسين سيره ودخل الباص مناطق "الشرعية"، وعند وصوله إلى نقطة الفلج، على مدخل محافظة مأرب، بدأ تفتيش الباص بصورة غير متوقعة.

أخذ الشرطي جواز حسين وراح يقلّب أوراقه، ثم قال له: "تعال معي". نزل حسين من الباص وتبعه، ليكون أول سؤال يوجه إليه: "إيش كان معك في بيروت؟". أجاب بأنه كان هناك لحضور مؤتمر عن حرية الصحافة وأعطاهم نسخة من الدعوة، لكنهم لم يقتنعوا بإجابته وأخبروه بأن عليه إنزال أغراضه من الباص. حاول أن يغيّر قرارهم لكن بدون جدوى.

أقوال جاهزة

شارك غردفي مطار عدن، حوّله ضابط التأشيرات إلى إدارة الأمن القومي بعدما رأى التأشيرة اللبنانية على جواز سفره، وخلال التحقيق معه، قالوا له: "أنت كنت في الضاحية الجنوبية للتدرّب مع حسن نصر الله. صح؟"

شارك غرد"إنسان مستفز جداً وحسه الأمني عالٍ"... قصص مسافرين يمنيين مع القيادي في جماعة أنصار الله الحوثية أبي هاشم، قائد نقطة رداع، في محافظة البيضاء

غادر الباص النقطة وظل حسن هناك لأكثر من ثلاث ساعات، قبل أن يُنقل إلى حجز إدارة الأمن في محافظة مأرب. هناك تم التحقيق معه أكثر من مرة عن سبب ذهابه إلى بيروت وكان يقدّم نفس الرواية.

يقول حسين إنهم طلبوا منه أن يأتي بشخص من مأرب ليضمنه كي يفرجوا عنه. أقلعت الطائرة إلى القاهرة دون أن يلحق بها حسين وعاد إلى صنعاء.

يروي حسين لرصيف22 أنه عند تفتيش الباص في نقطة الفلج، تم إنزال شخص آخر لأنه يحمل تأشيرة بيروت وأخذوه إلى إدارة الامن في المحافظة.

هذا الأمر لا يحدث فقط على نقاط التفتيش. اختار المدرب على إدارة المشاريع أكرم شريف السفر من مطار عدن، بالرغم من خوفه من نقاط التفتيش المنتشرة في محافظة الضالع.

كان شريف سعيداً بتجاوز نقاط التفتيش ووصوله إلى عدن. وفي صباح اليوم التالي ذهب إلى مطار عدن ليسافر إلى أديس أبابا، وعند تقديم جواز سفره إلى ضابط التأشيرات قام بتحويله إلى إدارة الأمن القومي والسبب: زار بيروت عام 2014.

حاول شريف إقناعهم بأنه كان هناك للمشاركة في تدريب مدربين على إدارة المشاريع، لكنهم لم يقتنعوا وقال له الضابط: "أنت كنت في الضاحية الجنوبية للتدرّب مع (أمين عام حزب الله) حسن نصر الله صح؟".

لم يقتنع الضابط بإجابة شريف. أقلعت الطائرة وعاد شريف إلى عدن ولم يستعد جواز سفره من إدارة الأمن إلا بعد عدة أيام.

بعد هذه الحادثة، استصدر شريف جوازاً جديداً لا تظهر عليه التأشيرة اللبنانية.

"عودوا إلى بلادكم"!

مع انهيار الدولة اليمنية، تصاعدت مطالب الاستقلال من قبل الحراك الجنوبي الذي انتشر مسلحوه على مداخل المحافظات الجنوبية، أو ما يُعرف بحدود العام 1990.

صار هؤلاء المسلحين يمنعون الشماليين من الدخول إلى الجنوب، حتى مَن اضطرتهم الظروف للذهاب إلى عدن للسفر عبر مطارها. ووصل الأمر إلى امتناع شركات النقل البري عن قطع تذاكر للشماليين.

تصف الصحافية منال قائد رحلة شمال-جنوب بـ"مثلث برمودا". تروي لرصيف22: توقف الباص المتجه بنا من محافظة الحديدة إلى محافظة عدن في مديرية فعطبة التابعة لمحافظة الضالع.

قال سائق الباص بصوت مرتفع: "مَن لديه جواز سفر ولا يملك نسخاً كافية منه عليه أن يتجه إلى أقرب محل تصوير مستندات هنا ويأخذ عشر نسخ إضافية. سنتوقف في عشر نقاط للتفتيش وربما أكثر. أخرجوا أوراقكم وجهّزوا أنفسكم".

كانت هذه التعقيدات معروفة للجميع، وكان لديهم "رصيد كافٍ من النصائح والتنبيهات حول ما قد نلاقيه في رحلتنا الشاقة"، بحسب قائد.

تروي الصحافية الشابة: "عند حجزي تذكرة الذهاب سألت موظفة الاستقبال في مكتب النقل بالحديدة عن الموعد المتوقع لوصولنا فأجابت بنظرة مشفقة: أمامكم من 14 إلى 16 ساعة، حسب النقاط التي ستلاقونها".

كان الأمر لا يتطلب أكثر من سبع ساعات على أكثر تقدير قبل اندلاع الحرب.

حصلت قائد قبل سفرها على ضمانة تؤمن وصولها إلى مدينة عدن، فقد جلست بجانب زميلة لها في العمل، في الثلاثين من عمرها، من مدينة عدن أكدت لها: "لا تخافي أنا من عدن وأنت معي".

كان المسافة الزمنية بين نقاط التفتيش لا تتجاوز 15 دقيقة في أكثر الأحوال، لكن في كل نقطة كان هناك اختلاف في لهجة رجال الأمن وطريقة التفتيش والأسلوب المتبع في استجواب المسافرين حول وجهتهم.

بدأت المعاناة من نقاط الضالع التي تشبه "مثلث برمود" وقد تبتلع المسافرين فلا يعودون من رحلة الاستجواب المريرة.

مرّت قائد على 13 نقطة تفتيش بين محافظتي إب والضالع. في النقطة الأولى، صعد رجل الأمن وسأل جميع المسافرين الذكور عن وجهتهم وجوازات سفرهم، ما استغرق ربع ساعة تقريباً، تم خلالها إنزال أربعة مسافرين للتحقيق معهم بشكل مفصل.

تروي: "انطلقنا بعدها من جديد، لكن لم تمرّ أكثر من خمس دقائق حين توقفنا مرة أخرى. بدا الأمر لي في بدايته مضحكاً. سألت نفسي: هل هذه مزحة؟ بإمكانهم رؤية بعضهم، فنحن لم نبتعد كثيراً عن النقطة الأولى".

في النقطة التالية، حين صعد رجل الأمن اطمأنيت لوجهه. كان شاباً صغيراً لا يتجاوز الـ19 عاماً، "لكن اتضح لي لاحقاً أن لا مجال للاطمئنان لأحد فقد كانت هذه النقطة أسوأ نقطة مررنا بها على الإطلاق".

تأخر أحد المسافرين، وهو في الخمسينات من عمره عن إخراج النسخة الأصلية من جواز سفره، فانطلق لسان الفتى بكيل الشتائم له وهدده بإخراجه من نافذة الباص. "لم يتركنا الفتى إلا بعد أن أطلق ثلثي شتائم العالم فوق رؤوسنا داعيا إيّانا للعودة إلى ‘بلادنا’".

بدوره، اختبر الطالب في كلية الإعلام والصحافي محمد الحسني مشاق الرحلة إلى عدن. توجه إليها للسفر إلى عمان لحضور ورشة عمل حول الصحافية الاستقصائية تنظمها مؤسسة أريج.

يروي لرصيف22 أن هذه المشاركة كانت "حلماً" بالنسبة إليه، ويقول: "في منطقة الحبيلين على أطراف محافظة لحج، أوقفنا عند الخامسة عصراً وأُنزل كل أبناء المناطق الشمالية دون استثناء وتم تفتيشهم ومطالبتهم بالعودة وعدم دخول عدن"، ويضيف: "حاولت أن أشرح لهم أنّي مرتبط بسفر وموعد للطيران ومؤتمر غير أني كنت أتحدث مع أطفال".

حاول البعض استعطاف عناصر النقطة الأمنية فبدأ بعضهم بالتهديد بإطلاق النار وراحوا يشتمون أبناء المناطق الشمالية وأرجعونا إلى منطقة مريس في الضالع ومنها عدنا مضطرين إلى صنعاء.


أصيل سارية

صحافي ومنتج تلفزيوني يمني. عمل مراسلاً لقناة "إكسترا نيوز" في اليمن عام 2017، وأنتج تحقيقات تلفزيونية بالتعاون مع شبكة أريج بُثت عبر قنوات مختلفة منها دويتشه فيله.

التعليقات

المقال التالي