الشائعة كوسيلة: قراءة من الجانب الآخر لها

الشائعة كوسيلة: قراءة من الجانب الآخر لها

بعد أن صرّح الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته في حفل تخريج دفعة جديدة من بعض الكليات والمعاهد العسكرية، بشأن الشائعات التي تجاوزت 21 ألف شائعة خلال الثلاثة أشهر الأخيرة - وفقًا لتقديرات لديه - فتحت المنصات الإعلامية أبوابها لمناقشة تصريح الرئيس وتأكيده، حتى أن البعض رفع الرقم المذكور إلى 53 ألف شائعة خلال 4 أشهر، تهدف إلى تصدير حالة من الاكتئاب لتحريك الناس، بحسب ما قال وكيل لجنة الاتصالات في مجلس النواب النائب أحمد بدوي.

وفي السياق ذاته، صرّحت الدكتورة نعايم سعد زغلول، مديرة مرصد الشائعات في مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، خلال مداخلة هاتفية لإحدى الفضائيات، أن هناك علاقة طردية بين الشائعات وإنجازات الحكومة، وأن هذه الشائعات تهدف إلى هز ثقة المواطن في هذه الإنجازات، دون أن تجيب على السؤال: ما الذي يدفع المرء كي يشكك في إنجاز يعود بالنفع عليه؟

الشائعة كنتيجة لنقص المعلومات

تتعدد تعريفات الشائعة في الكتب التي تناولتها، لكن أشملها قد يكون تعريف عالم الاجتماع الأمريكي تي شيبوتاني لها، والوارد في كتاب "الشائعة: الوسيلة الإعلامية الأقدم في العالم" لجان نويل كابفيرير. ويعرّفها شيبوتاني على أنها أخبار مهمة وملفقة تتولد نتيجة النقاش المجتمعي، في إطار تغيب فيه المعلومات ويفتقد عبره إلى الشفافية، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث التباس.

وفقاً للمعادلة التي يضعها شيبوتاني: الشائعة = الأهمية X الالتباس، نصل إلى نتيجة تقول إن الأحداث غير المهمة والواضحة لا يمكنها أن تخلق شائعة.

ويؤكد الدكتور عادل فهمي، أستاذ الإعلام والمجتمع في جامعة القاهرة، في حديث مع رصيف22 على أن الشائعات تنشط في بيئة يزيد فيها الغموض، وتغيب فيها المعلومة الموثوقة، بالإضافة إلى خدمتها حاجة الناس للكلام.

الالتباس الذي تشير إليه معادلة شيبوتاني والغموض الذي يوجهنا إليه فهمي، تؤكده الحالة السائدة في المجال الإعلامي منذ سنوات، فالمواقع التي حجبتها السلطات المصرية بلغت 496 موقعاً حتى مطلع فبراير 2018، يمكن الإطلاع عليها هنا، وقد بدأت بحجب 21 موقعاً في 24 مايو 2017 من بينها موقعي "مدى مصر" و"ديلي نيوز إيجيبت"، بتهمة دعم الإرهاب.

في اليوم التالي نشرت جريدة "المصري اليوم"، ما أسمته بـ "تقرير من جهة سيادية"، دافعت فيه هذه الجهة غير المعرّفة عن انتهاج سياسة حجب المواقع، بحجة "منع الإرهاب، وكل ما من شأنه زعزعة الأمن القومي والاستقرار والمساس بمبادئ المجتمع وتقاليده"، ومنح  التقرير مشروعية لهذه السياسة اعتماداً على رصد بعض الممارسات غير القانونية بشأن حجب المواقع، لدى دول مثل الصين والسعودية وإيران وأريتريا وكوريا الشمالية.

هذا إلى جانب تمرير عدة قوانين تزيد من وطأة هذا الوضع الغامض، أهمها قانون تنظيم الصحافة والإعلام، والذي يضم "مواداً كارثية تمهد لإعدام الصحافة"، بحسب الصحافي محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحفيين، بالإضافة إلى قانون الجريمة الإلكترونية الذي وافق عليه مجلس النواب في يونيو الماضي، والذي حمل عدداً من المصطلحات الغامضة، التي يمكنها أن تتسع للعديد من التأويلات بشأن الإضرار بالأمن القومي، أو تعريض سلامة المجتمع للخطر.

وعند سؤاله عن أسباب انتشار الشائعات، يشير الدكتور أحمد عبد السلام، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إلى ضرورة العودة إلى السياق التي ظهرت فيه، محدداً مرحلة تعويم الجنيه المصري كمرحلة فاصلة، ساد فيها خلل كبير في الموازين الاجتماعية، على عكس ما تروج له الدولة من أن الإجراءات الاقتصادية هدفها إحداث تأثير إيجابي في قضية العدالة الاجتماعية.

ويؤكد عبد السلام، في حديث مع رصيف22، أن "أغلب الشائعات تمس الجانب الاقتصادي والمعيشي للمواطن، وهذا يدل على التخبط وعدم الشفافية من جانب الحكومة، في ما بعد مرحلة تعويم الجنيه، فبدلاً من إلقاء اللوم على المواطن كان لا بد للحكومة أن توفر معلومات دقيقة للرأي العام وأن تضمن قانون حرية تداول المعلومات"، موضحاً أن هناك مبالغة في تقدير حجم الشائعات، بسبب وجود فرق بين معلومات غير دقيقة، تحدث تأثيراً لحظياً، وبين شائعات تستمر فترة طويلة وتسبّب البلبلة في المجتمع.

الشائعة كوسيلة لكسر حاجز الصمت

في ظل الانقسام الذي تعيشه البلاد حالياً، ومع احتدام شدة الأزمات التي يواجهها المعارضون لسلطات الحكم، قد يلجأ البعض إلى إخفاء آرائه خوفاً من التعرض لعمليات القولبة الجاهزة نتيجة هذه الآراء المخالفة لما تؤسس له وسائل الإعلام أو من ينتمون إلى دوائر السلطة، في ما يعرف في الأدبيات الإعلامية بالدخول في دوامة الصمت.

لهذا يمكن النظر إلى الشائعات على أنها وسيلة من وسائل المعارضة الخفية، لكسر حاجز الصمت القائم في المجتمع على قضية ما، ويعزز من هذه الرؤية ما كتبه كابفيرير في كتابه المذكور سابقاً، ومفاده "تُعتبر الشائعة الخطوة الأولى على طريق تصريف الانفعالات والأحاسيس المكبوتة، بل إن العديد من الشائعات يعكس المخاوف والهواجس التي تثقل كاهلنا".

ويذهب عبد السلام إلى الرأي نفسه، موضحاً أن "الشائعات تعبّر عن حالة الغضب الصامت أو الكامن، وهي أسلوب لتعبير المواطن عن حالة الضيق وعدم القدرة على تحمل فاتورة الإصلاح الاقتصادي المجحفة".

كما تنشأ الشائعة لسدّ الفراغ الناتج عن تجاهل وسائل الإعلام لقضايا بعينها، فإنها تُعدّ كذلك كوسيلة مناهضة للوضع الراهن- على الرغم من اعتمادها على التلفيق- دون التعرض للأذى لكونها مجهولة المصدر، فهي بحسب كابفيرير، تعد أشبه برسالة من مجهول يمكن لأي شخص أن يكتبها ويفلت من القصاص.

أقوال جاهزة

شارك غردوفقاً للمعادلة التي يضعها شيبوتاني: الشائعة = الأهمية X الالتباس، نصل إلى نتيجة تقول إن الأحداث غير المهمة والواضحة لا يمكنها أن تخلق شائعة.

شارك غرد"أغلب الشائعات تمس الجانب الاقتصادي والمعيشي للمواطن، وهذا يدل على التخبط وعدم الشفافية من جانب الحكومة، فبدلاً من إلقاء اللوم على المواطن كان لا بد للحكومة أن توفر معلومات دقيقة للرأي العام وأن تضمن قانون حرية تداول المعلومات"

الشائعة كسخرية من الأوضاع الراهنة

يذهب الكاتب محمد موسى، في مقال له منشور في جريدة "الشروق" المصريّة تحت عنوان "لا يوجد صحفيون في الجنّة"، إلى أن جمهور الإعلام يمكنه أن يستخدم الأخبار المفبركة، كسخرية منه على "الأطباق الماسخة" التي يقدمها الإعلام.

هكذا، وبهذا المنطق نفسه، فإن هذا النوع من الشائعات كما يكشف في جانب منه عن اتجاه معارض للأوضاع الراهنة بأسلوب ساخر، فإنه أيضاً يكشف عن اتساع رقعة ما هو قابل للتصديق، حتى لو كان بعيداً تماماً عن العقلانية.

مثال على ما سبق أن تنتشر شائعة تخص اكتشاف تابوت أثري في مدينة الإسكندرية ويتفاعل معها رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشكل ملفت للنظر، وكانت منقولة عن مسؤول في فريق "تابوت الإسكندرية" وتزعم أن "تحليل الـ DNA  للجماجم يثبت أنها لشخص واحد ويرجح أنها لمراحله العمرية المختلفة".

ستقل الدهشة، بطبيعة الحال، حين نعرف أن هذه الشائعة استثمرت القاعدة اللاعقلانية لخبر  صرّح فيه أمين المجلس الأعلى للآثار بأن "ملامح الجماجم تحمل علامات الرجولة والشهامة... ويرجح كونها تعود لعسكريين"، ومن ثم انطلقت لتؤسس نفسها بوصفها مجرد نكتة ساخرة من هذا التصريح.

وكان رواد مواقع التواصل الاجتماعي استقبلوها باعتبارها تصريحاً صادراً عن مسؤول في الحكومة، حتى اضطر المسؤول نفسه أن ينفيها عبر الجريدة ذاتها ناقلة الخبر الأصلي.

وكما أُشير سابقاً، فإن هذه الواقعة بالذات تكشف عن تمدّد الأرض الخصبة أمام اللامعقول، إلى الحدّ الذي يدعم فيه تحول النكتة إلى شائعة يتداولها الناس، بالإضافة إلى كشفها عما يتوقعه الجمهور من المسؤولين في الحكومة.

محمد عبد الجليل زهير

كاتب وصحافي مصري، مهتم بالفنون وقضايا حريّة التعبير.

التعليقات

المقال التالي