أسست دولاً ومزّقت إمبراطوريات... دور العوامل الاقتصادية في تشكيل التاريخ الإسلامي

أسست دولاً ومزّقت إمبراطوريات... دور العوامل الاقتصادية في تشكيل التاريخ الإسلامي

"لا مُلك إلا بشوكة، ولا شوكة إلا بمال، ولا مال إلا بجباية". بهذه الكلمات المقتضبة الموجزة، عبّر المؤرخون القدامى عن رأيهم في مسألة التلازم بين الاقتصاد والسياسة، وهو التلازم الذي ظلت آثاره حاضرة عبر السنوات الممتدة طوال التاريخ الإسلامي.

نماذج تاريخية كثيرة ظهر فيها تأثير القرارات أو الظروف الاقتصادية في إحداث تغيّرات نوعية وجوهرية تمس بنية وشكل الكيانات السياسية القائمة.

أموال الزكاة وحروب الردة

من الممكن أن نعتبر أن أول قرار اقتصادي نتجت عنه آثار سياسية مهمة في تاريخ المسلمين، تمثل في مطالبة الخليفة الأول أبي بكر الصديق للعرب بدفع أموال الزكاة إليه بعد وفاة الرسول، وما استتبع ذلك من اندلاع سلسلة من الحروب التي عُرفت باسم "حروب الردة".

القبائل التي كانت قد اعتادت على دفع الزكاة للنبي لم تجد سبباً يجبرها على بذلها لأبي بكر، خصوصاً وأنهم فسروا الأمر القرآني الوارد في سورة التوبة (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) على أساس أنه مخصص تجاه الرسول فقط، ولا يسري على خلفائه.

ومن هنا، فهم الكثير من قادة تلك القبائل أن دفع الزكاة هو مجرد تعبير عن الخضوع المطلق للسيادة القرشية، وكان رفضهم دفعها لأبي بكر ينطوي في الحقيقة على نوع من أنواع الوعي السياسي المبني على رفض التهميش وإنكار الوضع السياسي القائم.

الإقطاع الحربي وتفتيت الدولة السلجوقية

في بعض الأحيان، كان للسياسات الاقتصادية التي اتخذها عدد من الحكام والمسؤولين في الدول الإسلامية، تأثيرات بالغة الخطورة على تطور الكيانات السياسية.

واحدة من تلك اللحظات كانت عندما اتخذ الوزير السلجوقي الأشهر نظام الملك الطوسي قراره بتطبيق نظام الإقطاع الحربي والإداري في نواحي إمبراطورية السلاجقة المترامية الأطراف.

بحسب ما يذكر الباحث يحيى بن حمزة الوزنة في كتابه "مدينة مرو والسلاجقة حتى عصر سنجر"، كان الفرسان والجنود قبل هذا القرار يتقاضون مرتبات ثابتة من الديوان. ولكن لما كان نظام الملك يرى أن السلاجقة بحاجة إلى استغلال موارد الدولة وتنظيمها وتعظيم الفوائد المرجوة منها، قام بتقسيم أراضي الدولة إلى إقطاعيات تم توزيعها على الفرسان والمقاتلين، بحيث يتم ضمان رعاية هذه الإقطاعيات من جهة، ويوفّر عوائد للإنفاق على الفرسان من غلالها ومحاصيلها من جهة أخرى.

استطاع السلاجقة من خلال ذلك النظام الاقتصادي المستحدث تعمير مساحات واسعة من الأراضي في إيران والعراق تحديداً، كما أنهم تمكنوا بواسطته من تجهيز جيوش ضخمة، كثيفة العدد. ولكنهم في الوقت ذاته، عانوا منه في ما بعد، عندما أسفر تطبيق النظام الإقطاعي بتلك الصورة إلى تمزق الإمبراطورية السلجوقية الواسعة، واضمحلال السلطة المركزية فيها، لأن أصحاب الإقطاعيات الكبرى مالوا إلى تأسيس أسر حاكمة في إقطاعاتهم، وحاولوا التخلص من قبضة السلطان، ما نتج عنه في نهاية المطاف سقوط الدولة السلجوقية الموحدة، وظهور الدول المنفردة، مثل سلاجقة إيران، سلاجقة الروم وآسيا الصغرى، وسلاجقة الشام.

أزمة اقتصادية تهجّر بني هلال

كانت قبائل بني هلال وبني سليم من القبائل القيسية التي سكنت منذ فترة مبكرة في المناطق الواقعة بين الطائف ومكة، وبين المدينة ونجد.

وبحسب ما يذكره الدكتور الراضي دغفوس في كتابه "مراحل تاريخ الهلالية في المشرق"، عُرفت تلك القبائل بتنقلها الدائم في صحاري الحجاز بحثاً عن مراعي لأغنامها، إلى درجة أن أبناءها وصلوا إلى حدود العراق والشام، وسببوا بذلك بعض الاضطرابات والقلاقل، ما جعل الأمويين والعباسيين يشجعونهم على الاستقرار في مصر، فتدفقوا على شكل جماعات كثيفة إليها، واستقروا في الصعيد ووادي حوف والشرقية.

وفي النصف الأول من القرن الخامس الهجري، عانت تلك القبائل من انخفاض مستوى نهر النيل، وما استتبع ذلك من أزمات اقتصادية كبرى في مصر، فرجعت إلى سيرتها الأولى في التشاحن والنزوع إلى الفوضى والخروج عن مركزية السلطة.

أقوال جاهزة

شارك غرد"لا مُلك إلا بشوكة، ولا شوكة إلا بمال، ولا مال إلا بجباية"... بهذه الكلمات عبّر المؤرخون القدامى عن رأيهم في مسألة التلازم بين الاقتصاد والسياسة، وهو التلازم الذي ظلت آثاره حاضرة عبر سنوات التاريخ الإسلامي

شارك غردمن التاريخ العربي-الإسلامي... نماذج كثيرة ظهر فيها تأثير القرارات أو الظروف الاقتصادية في إحداث تغيّرات نوعية وجوهرية تمس بنية وشكل الكيانات السياسية القائمة

في ذلك الوقت، كان والي إفريقية "المعز بن باديس" ينقلب على الخلافة الفاطمية في القاهرة، بعد تحوّله إلى المذهب المالكي وقطعه الخطبة عن الخليفة المستنصر بالله، حسبما يذكر ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ".

هنا، وجد الوزير الفاطمي "اليازوري" الفرصة سانحة للاستفادة من الأزمة الاقتصادية في إعادة السلطة الفاطمية إلى بلاد المغرب. يذكر المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري في كتابه "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى"، أن الوزير نصح الخليفة بأن يسير بنو هلال وبنو سليم إلى تونس، ليتقلدوا أمرها بدلاً من المعز بن باديس وقومه الصنهاجيين.

وبالفعل، استجاب المستنصر بالله لمشورة وزيره، وتحركت القبائل العربية إلى المغرب، والظاهر أن عدد أبنائها كان كبيراً إلى درجة أن ابن خلدون وصفهم في تاريخه بأنهم "كالجراد المنتشر لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه...".

اصطدمت تلك القبائل بابن باديس، وألحقت به عدداً من الهزائم المتتالية، ففر إلى المهدية تاركاً عاصمته "القيروان" في قبضتهم، وبذلك تغيّرت المعادلة السياسية القائمة في بلاد المغرب، وكان في اضمحلال قوة الصنهاجيين فرصة مواتية لظهور قوة فتية بديلة هي قوة المرابطين الذين سرعان ما ظهروا وأقاموا دولتهم بعد ذلك بسنين قليلة، بينما بقي الهلاليون في تونس لفترة طويلة دون أن ينتظموا في أي كيان سياسي، ودخلوا من حين إلى آخر في تحالفات متعددة، قصيرة الأمد، مع القوى السياسية الإقليمية القائمة في بلاد المغرب.

الشدة المستنصرية وتغيير بنية الدولة الفاطمية

في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وبالتحديد في عام 457هـ، وقعت واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية التي شهدتها مصر على مر تاريخها الطويل، وهي تلك التي عُرفت باسم "الشدة المستنصرية"، نسبةً إلى الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، واستمرت لمدة سبع سنوات متتالية، قاسى فيها المصريون صنوفاً شتى من المحن والآلام.

في كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة"، يحدد تقي الدين المقريزي أسباب تلك المحنة العظيمة بنقص مستوى مياه النيل، وعدم توافر كميات كافية من الغلال في المخازن السلطانية، ما تسبب في غلاء الأسعار، ووقوع الهرج والمرج، والقتال بين طوائف الجيش الفاطمي الذي اتجهت عساكره إلى الإغارة والسلب والنهب عندما لم توفّر لهم الدولة مرتباتهم الباهظة.

تلك المشاكل أدت إلى وصول ثمن رغيف الخبز إلى 15 ديناراً، بينما بيعت قربة الماء بدينار، ووصل الحال بعامة الشعب إلى أكل القطط والكلاب وجيف الحيوانات النافقة، بل إن المقريزي يذكر أن البعض أكل جثث الموتى، وبعض الرجال والنساء تم ذبحهم والتهام جثثهم في وضح النهار.

تلك الأزمة الطاحنة انعكست آثارها على الدولة وسلطتها، خارجياً وداخلياً. على على المستوى الخارجي، فقد الفاطميون كل نفوذ لهم خارج القطر المصري، وقامت أغلب الولايات التابعة لهم بقطع الخطبة عن المستنصر، والدعاء لخصمه وغريمه، الخليفة العباسي في بغداد.

أما على المستوى الداخلي، فإن المستنصر لمّا لم يجد ما يفعله، استدعى واحداً من الأمراء الأقوياء في الشام، وهو الأمير بدر الجمالي، وقلده الوزارة وأعطاه صلاحيات واسعة ليصلح الأمور ويضبطها.

وبحسب ما يذكره جمال بدوي في كتابه "الفاطمية: دولة التفاريح والتباريح"، فإن الجمالي ومساعديه تمكنوا من إصلاح الأوضاع شيئاً فشيئاً، بعدما تخلصوا من الأمراء الخارجين على الدولة، ثم اتجهوا نحو إعادة بناء الجسور وحفر الترع والقنوات التي فسدت في فترة الاضطراب، كما أعادوا الهدوء إلى الحياة الزراعية مرة أخرى بعدما التمسوا طرق معاملة ودية مع الفلاحين، وساعدهم في كل ذلك ارتفاع منسوب مياه النيل.

المهم هنا أن جهود الجمالي أسفرت عن تغير خطير داخل الدولة الفاطمية، فمنذ لحظة تقلد بدر الجمالي لمنصب الوزارة، صار الوزير هو الحاكم الفعلي للدولة، وصار الخليفة مجرد حاكم اسمي ليس له دور حقيقي على مسرح الأحداث السياسية.

كما أن الوزير أصبح من رجال السيف والحرب بعدما كان يتم اختياره دائماً من بين أهل العلم والأدب، وذلك حسبما يذكره الدكتور جمال الدين الشيال في كتابه "مجموعة الوثائق الفاطمية".

وكان أكبر دليل على استئثار الوزير بالسلطة أن بدر الجمالي، قُبيل وفاته، استخلف في منصبه ابنه الأفضل شاهنشاه ليصبح الوزير من بعده، وهو أمر لم يسبق وقوعه من قبل في تاريخ الدولة الفاطمية.

تحوّل الطريق التجاري وإضعاف المماليك

كانت طرق التجارة القديمة التي كانت تربط بين الهند والصين من جهة والقارة الأوروبية من جهة أخرى تمرّ بما يُعرف باسم "طريق الحرير".

يذكر الدكتور فاروق عثمان أباظة في كتابه "أثر تحول التجارة العالمية إلى رأس الرجاء الصالح على مصر وعالم البحر المتوسط أثناء القرن السادس عشر" أن هذا الطريق كان يشمل العديد من المحطات المهمة، إلا أن كل تلك المحطات كان يجب أن تمر بنقطة من نقطتين رئيستين: الأولى، موانئ البحر الأحمر حيث يتم نقل السلع بعد ذلك إلى الإسكندرية؛ والثانية موانئ الخليج العربي حيث تنقل السلع التجارية منها إلى حلب. وفي الحالتين كان البحر المتوسط هو الوسيلة التي تصل بها تلك السلع إلى أوروبا.

بدءاً من النصف الثاني من القرن الـ13 الميلادي، صارت الدولة المملوكية الحاكمة في كل من مصر والشام هي المتحكم الفعلي في حركة التجارة العالمية، وذلك لأن المحطات الرئيسة في الطريق التجاري كانت واقعة تحت سيطرتها، وهو الأمر الذي استغلته اقتصادياً على أحسن وجه، عندما فرض سلاطينها ضرائب باهظة على سلع التوابل والعطور والبخور والحرير، ما مكّن المماليك من تحقيق أرباح ضخمة استخدموها في تدعيم اهتماماتهم العسكرية والحربية وتقوية جيوشهم.

ويذكر ول ديورانت في كتابه الموسوعي "قصة الحضارة" أن ثمانينيات القرن الخامس عشر الميلادي شهدت تحولاً هائلاً في مجرى الأحداث، وذلك بعدما توصل البحار البرتغالي "بارثولوميو دياز" في عام 1487م إلى اكتشاف منطقة تقع في المحيط الأطلسي بالقرب من مدينة كيب تاون الحالية في جنوب إفريقيا، ووصفها بأنها تصلح لأن تكون طريقاً إلى بلاد الهند، وسماها برأس العواصف، نظراً لكثرة العواصف التي واجهته هناك.

بعد ذلك بعدة سنوات، تمكن المستكشف الشهير فاسكو دي غاما من المرور من تلك المنطقة التي سماها الملك البرتغالي جون الثاني باسم "رأس الرجاء الصالح"، من قبيل التفاؤل.

استطاع دي غاما أن يصل من هذا الطريق إلى بلاد الهند، وبذلك تم ترسيم ذلك الطريق ليصبح الطريق التجاري الرسمي إلى آسيا، وتخلص الأوربيون من القبضة المملوكية التي لطالما تحكمت في ميزانهم التجاري.

وبحسب ما يذكره الدكتور فاروق أباظة في كتابه سابق الذكر، فإن آثار ذلك الاكتشاف على الجانب المملوكي كانت كارثية، إذ وجد سلاطين مصر والشام أنفسهم قد فقدوا المورد المالي الأهم بالنسبة لهم، وغابت عنهم السيولة المالية اللازمة للإنفاق على الأعداد الهائلة من الفرسان، وهو الأمر الذي تمخض عن ظهور المشاحنات والتحزبات بين الطوائف المملوكية، ما أدى إلى نزوع بعض الولاة للاستقلال بولاياتهم، وإلى تراجع الاهتمام بالجيش وبالإنفاق على تسليحه.

كل ذلك أدى في النهاية إلى هزيمة الجيش المملوكي في معركتي مرج دابق عام 1516م، والريدانية 1517م، أمام العثمانيين، لتنهار دولة المماليك بعد ما يقارب ثلاثة قرون من تأسيسها.


محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي