محطات في العلاقة المثيرة بين الشعراوي والسادات... مَن استدرج مَن إلى فراش السلطة؟

محطات في العلاقة المثيرة بين الشعراوي والسادات... مَن استدرج مَن إلى فراش السلطة؟

للدين سلطة روحانية تمنح رجاله نفوذاً كبيراً، فأية كلمات مصبوغة بقال الله وقال الرسول يمكن أن تسيّر الناس إلى اتجاه معيّن دون آخر. وبما أن رجل السياسة يشغله السعي إلى السيطرة، فإنه يسعى إلى جعل الدين ورجاله أداة من أدواته.

وربما يسعى رجل الدين، هو الآخر، إلى الاستحواذ على نفوذ سياسي إضافي، فتنشأ علاقة وثيقة بين السلطتين السياسية والدينية.

في علاقة الشيخ محمد متولي الشعراوي والرئيس محمد أنور السادات المثل الأكبر على هذا التداخل الذي يؤدي نوعاً من خدمات متبادلة. ولكن مَن استغل مَن؟ ومَن كان أداة بيد الآخر؟

تعارف الشيخ والرئيس

يقول الباحث محمود جامع الذي كان صديقاً مقرّباً من الشعراوي وعلى صلة بالسادات إنه كان حلقة الوصل بين الرجلين، فقد دبّر لقاءً بينهما في منزله في طنطا.

وبحسب جامع، كانت العلاقة بينهما خاصة جداً إذ لعب الشعراوي دوراً كبيراً في تعميق مفاهيم الدين عند أنور السادات.

وعاهد الرئيس المصري الأسبق الشعراوي في منزله وهو يضع رأسه في حجره والدموع في عينيه بقوله له‏:‏ أشهد الله أن أحفظ لهذا البلد إسلامه وأزهره وأن أحميه من الشيوعية ومن الإلحاد وأن أنذر نفسي لذلك وأن أرفع الظلم عن كل مظلوم وأن أفرج كربة كل مسجون وكل سياسي وأن أعيد الحق إلى نصابه وأن أسعى إلى الحكم بدين الله وشريعته الإسلامية.

منفعة متبادلة

يقول الخبير في شؤون الحركات الإسلامية أحمد بان لرصيف22 إن العلاقة بين الشيخ والرئيس اتسمت بالتوظيف المتبادل، فكل طرف كان حريصاً على إقامة علاقات جيدة مع الطرف الآخر لتأمين مكاسب مُعيّنة، بمعنى أن السلطة كانت تريد إثبات وتدعيم مشروعيتها من خلال التقرّب من الرموز الدعوية، فيما كان الدُعاة وعلماء الدين يريدون توسيع هامش الحركة والحصول على مكاسب أكبر للدعوة، عبر إقامة علاقات جيدة مع السلطة.

وبرأيه، هذا النوع من العلاقات ليس جديداً وليس مرتبطاً بالشيخ الشعراوي تحديداً بل يعود إلى عهود سابقة. فعلى سبيل المثال، كان شيخ الأزهر حسن العطار يحتفظ بعلاقات جيدة جداً مع محمد علي باشا وكان حرصه على هذه العلاقة نابعاً من حرصه على تأمين أكبر مكاسب للمؤسسة الأزهرية، وتحديداً إدخال ما يُسمّى بالعلوم الحديثة إلى الأزهر، كما كان لا يأبه بتوجيه اتهامات له بأنه قريب من السلطة أو موالٍ لها.

كان السادات بحاجة إلى تيار ديني قوي في المجال العام لمقاومة رواسب اشتراكية الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر التي تجذّر وجودها في الحياة المصرية، بحسب الباحث في العلوم السياسية عمار علي حسن.

يوضح حسن لرصيف22 أنه كان لا بد من وجود مُبرر ديني لتوجهات السادات اليمينية، والتي هي في الأصل سياسية بحتة. وفي مسعى لإقناع المصريين بهذه التوجهات تم تقديمها باعتبارها رد اعتبار للدين في الحياة الاجتماعية المصرية.

أقوال جاهزة

شارك غردفي علاقة الشيخ الشعراوي بالرئيس السادات المثل الأكبر على التداخل بين الديني والسياسي وتبادل الخدمات بين رجل الدين ورجل السياسة. ولكن مَن استغل مَن؟ ومَن كان أداة بيد الآخر؟

شارك غردعاهد السادات الشيخ الشعراوي بالقول له:‏ أشهد الله أن أحفظ لهذا البلد إسلامه وأزهره وأن أحميه من الشيوعية ومن الإلحاد وأن أسعى إلى الحكم بدين الله وشريعته الإسلامية

وفي الوقت ذاته، يكمل حسن، كان لدى التيار الديني، مُمثلاً في الإسلام السياسي، دائماً رواية عن أن النظام الناصري ضد الدين، ومن هنا ظهرت دعوات العودة إلى الله التي ستُحقق النصر، وفق التصورات السائدة وقتذاك.

هكذا، ظهر شعار الله أكبر في حرب أكتوبر وبرزت التوجهات الدينية للسادات وتم بناء ما سُمّي بدولة العلم والإيمان.

ويقول حسن إن تبادل منافع بين الطرفين حدث، فاستفاد السادات من الشعراوي باعتباره رئيساً متديناً، واستفاد الشيخ بأن فُتحت أمامه وسائل الإعلام المملوكة للنظام من تلفزيون إلى إذاعة وصحف قومية فأصبح هو الواعظ الشعبي لدى الناس ووصل إلى القاعدة الجماهيرية الكبيرة وهو ما لم يتسنَّ للعديد ممَّن تفوّقوا عليه علماً.

البداية الحقيقية لنفوذ الشيخ

في كتابه "الثقافة الشعبية في العالم العربي: الفنون، السياسة والإعلام"، يقول الكاتب الإنكليزي أندرو هاموند Andrew Hammond إن النفوذ الكبير للشعراوي بدأ في البزوغ عقب هزيمة 1967 أمام إسرائيل وتراجع القومية العلمانية.

في تلك الظروف قاد الشيخ حملة إسلامية كبيرة للعودة إلى القيم الإيمانية التقليدية، مُستغلاً ما خلّفته محاولة التوسّع المديني من تفشٍ للعشوائيات الفقيرة، وأصبح صوت ملايين الصامتين ممَّن لا يحبّون العلمانية ولا يهتمون بالإدلاء بأصواتهم في صناديق الانتخابات ولكنهم يشاهدون التلفزيون بشكل كبير جداً.

اتجهت أنظار السادات إلى الشعراوي في تلك الفترة، وتأسس بينهما ائتلاف قائم على التوافق والمصالح المتبادلة. كلاهما كان يخشى نفوذ اليساريين والشيوعيين.

مستنداً إلى سنوات عمله في السعودية وما له من تأثير كبير هناك، أرسل السادات الشعراوي إلى السعودية، قبل حرب 1973، لإقناع النظام الثري بتمويل حربه القادمة، بحجة أنها تُخاض لمحو أخطاء سنوات حكم سلفه جمال عبد الناصر.

وبعد أحداث انتفاضة الخبز عام 1977، والتي وصفها السادات بأنها أعمال شغب قادها متمردون شيوعيون وأسماها تمرد لصوص، اتخذ الرئيس المصري الأسبق قراراً واعياً بجعل الشعراوي نجماً تلفزيونياً، ليكون ذراعاً إعلامية له، وكان قد عيّنه وزيراً للأوقاف عام 1976.

وطوال فترة السبعينيات من القرن الماضي كان الشيخ مثل راسبوتين للقيصر الروسي المُمثل في الرئيس.

الشعراوي وزوجة الرئيس

لم يخلُ الأمر من بعض الخلافات، إلى درجة دفعت كثيرين إلى القول إن سبب استقالة الشعراوي من الحكومة هو زوجة الرئيس التي جرت بينها وبينه مشادات.

أبرز تلك المشادات جرت حين قالت جيهان السادات للشعراوي: أريدك أن تعطي محاضرة في شهر رمضان لنساء نوادي الليونز والروتاري، فقال لها: موافق ولكن بشرط أن يحتشمن في لبسهن وأن يكون مظهرهن لائقاً بمحاضرة دينية. وافقت جيهان، ولكن حينما ذهب الشيخ إلى المحاضرة وجد الحاضرات متبرجات، وفق رؤيته، وبعضهن تدخنّ السجائر في نهار رمضان، فغضب غضباً شديداً وأصر على مغادرة القاعة دون إعطاء المحاضرة بعد أن قال لجيهان: "الاتفاق لم يكن هكذا".

واقعة شهيرة ثانية وقعت بينهما عندما حاولت السيدة المصرية الأولى السابقة كسب تأييد الشعراوي لقانون الأحوال الشخصية، أو ما سُمي وقتها بـ"قانون جيهان"، ولكن الشيخ رفضه باعتباره مخالفاً لمبادىء الشريعة الإسلامية.

مرحلة التأييد المطلق للسادات

يقول الخبير التربوي كمال مغيث إن الشعراوي لعب دوراً أساسياً في تدعيم سلطة السادات، ومن هنا كانت مكافأته تولّيه وزارة الأوقاف التي استخدمها كمنبر لنشر أفكاره الدينية.

خلال فترة عمله البسيطة كوزير، حدث موقف هام هو استجواب الشعراوي حول انحرافات السكرتير العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية توفيق عويضة، واتهم الشيخ بأنه لم يتصدَّ لتلك الانحرافات وغضّ بصره عن تجاوزاته.

ظل الشعراوي يماطل في الاستجواب ويؤجله، حتى حصل. وخلاله خرج عن السياق وراح يدافع عن السادات وقال: "والذي نفسي بيده لو كان لي من الأمر شيء لحكمت الرجل الذي رفعنا هذه الرفعة وانتشلنا مما كنا فيه إلى قمة مَن لا يُسأل عما يفعل".

مرحلة الخلافات العميقة والمُضحكة

ظل الشعراوي مخلصاً للسادات لفترة طويلة إلا أنه حدثت بينهما بعض المواقف الخلافية. في كتابه "الشعراوي والسادات"، ذكر محمد الباز أنه أثناء أداء اليمين الوزارية، تصرّف الشيخ بعقلية رجل الدين فأضاف جُملة "إن شاء الله"، ورد الرئيس بالضحك على هذه الإضافة. أبرز هذا الموقف اختلاف الفكر الديني عن الفكر السياسي.

وأثناء حفل أقامه السادات لنظيره الروماني نيكولاي شاوشيسكو، وجلس الشعراوي في الصفوف الأمامية للمدعوين إليه، تفاجأ الشيخ بقدوم الراقصة نجوى فؤاد إلى الحفل للرقص، فأدار ظهره لها وحين لمحه السادات أرسل له رئيس الوزراء يقول له: "خلي الشيخ يتعدل"، ليجيبه الشيخ: "أنا برضه اللي اتعدل... اتعدل انت"، وترك الحفل.

وفي أحد خطاباته، وصف السادات الداعية أحمد المحلاوي بالكلب، فانتفض الشعراوي وأرسل برقية إلى الرئيس جاء فيها: "إن الأزهر الشريف لا يُخرّج كلاباً بل علماءً أجلاء ودعاة أفاضل".

بعد أقل من عام في منصبه، قرر الشيخ التنحي عن مهامه الوزارية فرفض السادات الأمر في البداية وقال له: "انتظر حتى أُقيل الوزارة بأكملها"، وبعد محاولات تقرر إعفاء الشيخ من عمله كوزير.

وفي لقاء تلفزيوني، قال الشعراوي إنه لم يكن موظفاً عند أحد أبداً، وإنما كان موظفاً عند الله فقط.


التعليقات

المقال التالي