"أولاد الفشوش" في المغرب... هل أبناء المسؤولين "فوق القانون" ويزدرون عامة الشعب؟

"أولاد الفشوش" في المغرب... هل أبناء المسؤولين "فوق القانون" ويزدرون عامة الشعب؟

بسياراتهم الفخمة، يجوبون شوارع المدن مسرعين برعونة أحياناً، وكثيراً ما يتهجّمون على رجال شرطة أو مواطنين عاديين بدون وجه حق، ولكن بحكم انتمائهم إلى عائلات نافذة، فإن القانون عادة ما لا يأخذ مجراه معهم بالشكل المطلوب.

حالات كثيرة تكرّرت وأحدثت صدى لدى الرأي العام المغربي، آخرها ما وقع في 17 أغسطس، عندما أقدمت امرأة على صفع شرطي على حاجز أمني لأنها رفضت طلبه منها التوقف.

وذكرت مصادر صحافية محلية أن المرأة المعنية هي ابنة "مسؤول كبير" ونقلت عن شهود أنها استهزأت بملابس الشرطي وعاملته بـ"احتقار" "وازدراء"، ساخرةً من وضعه الاجتماعي.

مَن هم "أولاد الفشوش"؟

لـ"أولاد الفشوش" أوصاف أخرى مثل "أبناء ماما غطيني"، وهي ألقاب تشترك في المعنى وتشير إلى أبناء الأغنياء والرجال "الكبار" والنافذين في عالم السياسة والمال والأعمال في المغرب.

فكلمة "فشوش" تحيل على أنهم "مدللون" من قبل عائلاتهم ومولودون و"في لسانهم ملعقة من ذهب"، كما يُقال.

ويقول أستاذ علم الاجتماع سعيد بنيس لرصيف22 إن لفظة "ولد الفشوش" ترمز في سياقها المغربي إلى "شاب يلقى رعاية خاصة وتفضيلية تستجيب لجميع حاجياته دون استثناء، وهو شاب محبوب من عائلته، سواء أكانت العائلة ميسورة الحال أو تنتمي إلى طبقة فقيرة أو متوسطة".

ويضيف أنه "في جميع هذه الحالات، يكون سلوك الشاب محط انتباه الآخرين بسبب تجاوزاته للسلوكيات المسموح بها، بدون قيد، في محيطه القريب".

ويشرح أستاذ علم النفس عبد الكريم بلحاج أن تعبير "أولاد الفشوش" يتم تداوله في وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى ولكن "ليس له أساس مفاهيمي أو معرفي"، على اعتبار أنه "يدلّ على حالة شباب يتميزون بالمغالاة في السلوك والحضور المثير في الفضاء العمومي".

ويقول لرصيف22: "هذا التعبير بقدر ما يصف فئة من الشباب بقدر ما لا يخلو من أحكام قيمة يتم إسقاطها على الوسط الأسري لهؤلاء الشباب، أكثر مما قد يعكس حقيقتهم كظاهرة اجتماعية، مع ما يطبعها من أعراض سيكولوجية غير عادية".

طيش على الطرقات

كثرت السجالات حول "أبناء الكبار" وتجاوزاتهم للقانون وخروجهم من العقاب "كالشعرة من العجين"... سجالات كثيرة حول حوادث يعتبر البعض أنها ناجمة عن نظر هؤلاء نظرة "دونية" إلى مَن يتعاملون معهم.

في الفترة القريبة الماضية، أثارت قضية حادثة اصطدام ابنة وزير مغربي سابق بعمود كهربائي ضجة عمّت وسائل التواصل الاجتماعي. واعتبر كثيرون أن سلوك الفتاة فيه نوع من "التسيّب"، فيما استنكر البعض استهداف سياسي ليس بسبب مواقفه أو طريقة عمله بل بسبب "حادث مروري بسيط".

الفتاة التي تبلغ من العمر 18 سنة وُجّهت إليها تهمة "القيادة بدون رخصة" و"إلحاق خسائر مادية بملكية الجماعة" ولكن الملف ما زال في طور التحقيق وسط توقعات بتوقيع عقوبة خفيفة عليها.

قبل هذه الحادثة، ضجّت صفحات التواصل الاجتماعي بقضية "ولد الفشوش" الذي سخر من معاين حوادث السير إثر تعرّض سيارته الفيراري لحادث سير ناتج عن تأثير الكحول القوي عليه.

القصة تعود إلى العام الماضي، بعد أن شوهد في شريط فيديو يتجوّل بسيارته وهو ما يزال في حالة سكر، لكن القضاء برأه من تهم "القيادة تحت تأثير مواد مخدرة"، و"عدم احترام السرعة الملائمة لظروف السير"، و"عدم احترام مسافة الأمان القانونية"، بمبرر عدم توفّر دليل يؤكد أنه كان في حالة سكر.

قصة أخرى أثارت جدلاً عام 2003، وهي قصة مريم بنجلون التي صارت الحديث اليومي للمغاربة، بعد دهسها شرطية في إحدى المدن المغربية.

أقوال جاهزة

شارك غردلـ"أولاد الفشوش" أوصاف أخرى مثل "أبناء ماما غطيني"، وهي ألقاب تشترك في المعنى وتشير إلى أبناء الأغنياء والرجال "الكبار" والنافذين في عالم السياسة والمال والأعمال في المغرب

شارك غردبسياراتهم الفخمة، يجوبون شوارع المدن مسرعين برعونة، وكثيراً ما يتهجّمون على رجال شرطة أو مواطنين، ولكن بحكم انتمائهم إلى عائلات نافذة، لا يأخذ القانون عادة مجراه معهم بالشكل المطلوب... "أولاد الفشوش" في المغرب

تفاصيل القصة أن الفتاة التي اعتبر كثيرون أنها "مدللة" رفضت الامثتال لأوامر الشرطة بالتوقف، بعد جدال بين الطرفين، وقامت بدهس شرطية والتسبب لها بكسور مزدوجة على مستوى رجلها وذراعها.

مريم أو "ماريا" كما أن تحب أن تسمي نفسها، هي ابنة وزير ومستشار سابق للملك الراحل الحسن الثاني، وتوبعت قضائياً بتهم الضرب والجرح بواسطة ناقلة بدون محرك، و"عدم تقديم أوراق للشرطة" وأيضاً "عدم الامتثال للأوامر والاعتداء على موظف أثناء أداء عمله".

أدينت الفتاة بثمانية أشهر سجن نافذة، لكنّها بقيت في السجن شهرين فقط بعدما حظيت بعفو ملكي أثار حينها ضجة كبيرة.

تعالٍ على أبناء الطبقات الأخرى؟

كثيراً ما ينتقد المغاربة المنتمون إلى الطبقات المتوسطة والشعبية تصرفات بعض "أولاد الفشوش" ونظرتهم إليهم ويرون أنها مثقلة بجرعات مفرطة من الاحتقار لهم والتعالي عليهم.

يفسر بنيس نظرة أولاد الفشوش إلى أبناء الطبقات الأخرى وفق محددين: الأول يندرج ضمن "التمثلات الرمزية" وتحيل هذه الرمزية "إلى مستوى عيش راقٍ وثقافة منفتحة لا تعير أي اهتمام لعناصر العيش المشترك أكانت ثقافية أو دينية أو هوياتية، فيصبح الآخر مجرد قدر يتوجب التعايش معه وقبوله تحت وصم "الهمجي" و"المتخلف" وباعتباره دونياً و"ما عايش"، ولهذا فهو يستحق جميع أنواع الازدراء والتهكم واستباحة كينونته.

أما المحدد الثاني، فهو مادي اقتصادي، فـ"أولاد الفشوش المنتمون إلى عائلات ميسورة يتمتعون بملكية سيارة فارهة أو دراجة نارية من الطراز الرفيع مع ما يتبع ذلك من ‘أكسسوارات’ في اللباس والاتصال وهواتف ذكية حديثة... ويكون التمييز على هذا المستوى ناتجاً عن العمل على خلق محيط مادي، أو إيكولوجيا حديثة تبعدهم عن محيطهم المتخلف، يكون بعيد المنال عن الآخر المحتاج والفقير".

وانطلاقا من هذين المحددين، يستنتج بنيس أن "نظرة أولاد الفشوش إلى الآخرين تبدو متعالية ومستفزة وترقى في بعض الحالات إلى نوع مسطح من العنصرية".

ويضيف بنيس أن "الأمر في الأخير يمكن أن يندرج في إطار سلوك شخصي وطبقي يؤسس لدينامية مجتمعية ناتجة عن صعوبة تأقلم شريحة الشباب عامة مع واقع لا يستجيب إلى متطلباتها في الحرية والحداثة".

"التمركز حول الذات والنرجسية"

يرى عبد الكريم بلحاج أن المظاهر التي تنسحب على الفرد الذي يصطلح عليه بـ"ولد الفشوش" تتمثل في النزعة إلى التمركز حول الذات والنرجسية، إذ "يتوقف وجوده وتفاعله على الأهمية التي يوليها لذاته باعتبار أنها مركز كل شيء".

ويضيف أن الأناني الذي لا يهتم إلا بمصلحته الشخصية ولا يعير اعتباراً للغير، "قد يكون لنشأته في ظل ظروف اجتماعية دور داعم لهذه النزعة لديه".

وفي تفسيره لـ"احتقار" ابن الفشوش للطبقات الأخرى، يرى بلحاج أنه "بقدر ما يكون منطق الأنا مرتفعاً لديه، وغير آبه بالغير، وتكون أولوية الاستجابة لحاجاته ورغباته، بقدر ما ينتفي اعتباره وتقديره لكل مَن يتفاعل معه، لا سيما مع انعدام القرابة".

ويضيف أن ذلك "يجد تعبيره في سلوكات تعكس نوعاً من التبخيس والتقليل من شأن الغير، وبخاصة لما يكون هذا الغير من فئات اجتماعية أقل مستوى من الناحية الطبقية"، فهذا "الاستصغار" للغير هو من "مظاهر سلوكية تلتصق بالنمط النرجسي".

ويردّ بلحاج هذه السلوكيات إلى واقع التنشئة الاجتماعية من حيث "التساهل التربوي في أدوار الوالدين وحماية الأسرة المفرطة للطفل، وهي الحماية التي تمتد إلى مختلف مناحي الحياة حتى ينعدم لدى هذا الفرد الوعي الكافي للتمييز بين ما له وما عليه".


سعيد ولفقير

صحافي مغربي، حائز على باكالوريوس (ليسانس) صحافة، وله مقالات في صحف ومواقع عربية مختلفة.

كلمات مفتاحية
العقاب المساواة

التعليقات

المقال التالي