"مستعدة للعب الدور مهما كلّف الثمن"...كيف تقرأ إسرائيل التقارب مع قطر في غزة؟

"مستعدة للعب الدور مهما كلّف الثمن"...كيف تقرأ إسرائيل التقارب مع قطر في غزة؟

"الدول العربية التي قطعت علاقاتها مع قطر لم تفعل ذلك بسبب موقف الأخيرة من المسألة الإسرائيلية أو الفلسطينية، بل لخوفها (الدول) من التطرّف الإسلامي"، يعود هذا التعليق لوزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي قاله في يونيو العام الماضي بعد بدء الحصار الذي فرضته السعودية ومعها البحرين والإمارات على الدوحة.

لم تكن تلك المرة الوحيدة التي يشير فيها مسؤول إسرائيلي إلى "إرهاب" قطر، فقبل ليبرمان حذّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قطر من دعمها للإرهاب، وكان كذلك تعليق الرئيس السابق شمعون بيريز قبل أربع سنوات.

ما مناسبة استعادة الكاتب في صحيفة "هآرتس" زيفي بارئيل إذاً للتصريحات الإسرائيلية تجاه قطر؟ يقول بارئيل في مقاله إن الدوحة يبدو أنها تعزّز التحالف مع تل أبيب في الشق المتعلق بـ"صفقة غزة" بين إسرائيل و"حماس"، ليتساءل عن "السبب الذي جعل السياسيين الإسرائيليين الذين طالما وصفوا قطر بأنها راعٍ أساس للإرهاب في المنطقة، يصمتون الآن عن التحالف القطري الإسرائيلي".

ليس النقاش هنا بشأن قطر و"تحسّس" إسرائيل من "الإرهاب"، بل هو تسليط الضوء على النقاش الإسرائيلي الداخلي والمعلومات التي تكشّفت على مدار الأسبوع الماضي حول التقارب القطري - الإسرائيلي على ملفات محددة، بحيث "تنجح الحاجة العسكرية والسياسية دائماً بمدّ المبادئ - التي يُفترض أنها راسخة - بمرونة مثيرة للإعجاب"، على ما تقوله الصحيفة الإسرائيلية نفسها.

فكيف تابعت إسرائيل "محاولة قطر للخروج من الحصار من بوابة إسرائيل وعلى مركب غزة"؟

العداء مع قطر لا يفيد

يقول الكاتب الإسرائيلي إن "دور قطر، باتفاق إسرائيلي - مصري، يتمثل أساساً بنقطتين، الأولى دفع رواتب مئات آلاف الموظفين في غزة بعدما رفضت السلطة الوطنية الفلسطينية أن تتحمل مسؤولية ذلك ما لم يجر تنفيذ شروطها للمصالحة الوطنية… والثانية تعهّد قطر بترتيب صفقة الإفراج عن الجثث والأسرى الإسرائيليين لدى حماس منذ عام 2014".

استعرض بارئيل مواقف الدول المقاطعة لقطر وأسبابها وموقف أمريكا وإسرائيل الذي تدرّج في دعمه لتلك الدول وأسبابه (وهي باتت واضحة للجميع)، لكنه في المقابل ركّز على النشاط القطري خلال الفترة الماضية وعلى التأرجح الأمريكي - الإسرائيلي في العلاقة مع الإمارة.

لفت الكاتب إلى أن قطر كانت قد لجأت إلى اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة من أجل الضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدعمها في مقاطعة دول الرباعية العربية لها، فـ"هي تعرف أن هذا اللوبي هو المدخل الصحيح للتقارب مع إدارة ترامب"، وهناك، حسب "هآرتس"، تعهّد الأمير تميم بسلسلة من الإجراءات من جانب قطر بينها الإفراج عن الجثث والأسرى الإسرائيليين لدى "حماس".

أعقب ذلك دعوات وجهها أمير قطر لقيادات إسرائيلية بزيارات مدفوعة التكاليف إلى الدوحة، أثارت بعد انكشافها ضجة في الأوساط الأمريكية واليهودية.

يضيف الكاتب هنا بأن قطر التي تُعتبر عدوة للسعودية لا يمكن للولايات المتحدة أن تعاديها تماماً، ولا يمكن لإسرائيل أن تتجاهل قدراتها المادية ووساطاتها. أكثر من ذلك، وفق الكاتب، وبينما كان البحث قائماً على صياغة الاتفاق وإيجاد الجهة التي ستتكفل بدفع الرواتب كان من الطبيعي التفكير بالسعودية والإمارات.

أعلنت الإمارات أنها تقدم ميزانية بـ15 مليون دولار شهرياً وتؤسس محطة طاقة في غزة، لكن هذا الدعم الإماراتي كان مشروطاً بتأسيس مجلس حاكم بتألف من مدنيين وممثلين عن حماس برئاسة محمد دحلان. وافقت مصر على الاقتراح، لكن "حماس" رفضته ورفضت معه التمويل الإماراتي.

أقوال جاهزة

شارك غرد"تنجح الحاجة العسكرية والسياسية دائماً بمدّ المبادئ - التي يُفترض أنها راسخة - بمرونة مثيرة للإعجاب"...كيف تابعت إسرائيل "محاولة قطر للخروج من الحصار من بوابة إسرائيل وعلى مركب غزة"؟

شارك غردفي لقاء عباس مع مسؤولي قطر كان حريصاً على أن تتم المساعدة عبر السلطة الفلسطينية، لكن في المقابل وعندما تناقش الدوحة دورها في غزة تتوجه إلى الجانب الإسرائيلي حصراً... لتظهر مستعدة للعب الدور الذي تريده في غزة "مهما كلّف الأمر"

  

وفي الأسبوعين الماضيين، عندما بدأ الكلام عن التمويل القطري، طالبت كل من السعودية والإمارات بعدم السماح لقطر بالتوسع في غزة، من دون أن تقدما بدائل، فيما كانت إسرائيل على علم بأن غياب المال يعني أن الاتفاق لن يتم وهكذا وجدت نفسها مع مصر مضطرة للقبول بالدعم القطري شرط وضعه في خانة "المساعدات الإنسانية".

يقول الكاتب بأن لا أحد في السلطة الفلسطينية مقتنع بهذه التسمية "الإنسانية" للمساعدات، لكنها كانت ضرورية في وقت ترغب مصر وإسرائيل بالتهدئة في غزة وبفصل القطاع عن الضفة الغربية. وإن كانت لا تؤدي هذه المبادرة القطرية إلى تقدّم دبلوماسي ولكنها تساعد قطر، كما إسرائيل التي يبدو أنها وضعت مواقفها العدائية تجاه الدوحة جانباً.

"مهما كلّف الثمن"

في الإطار نفسه، أشار سيث فرانزمان إلى سعي قطر الحثيث للعب دور فاعل بين إسرائيل و"حماس"، منبّهاً من المحاولات المختلفة التي حصلت في المرحلة الماضية، في وقت أشار إلى الإرباك الذي أحدثته لدى السلطة الفلسطينية وفي ديناميكية العلاقات بين الأطراف الفاعلة.

وكانت القناة الإسرائيلية العاشرة كشفت قبل أيام عن لقاء سري جمع ليبرمان بالمبعوث القطري الخاص ورئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة محمد العمادي في قبرص، في يونيو الماضي، بحثا خلاله الوضع في غزة وآفاق الهدنة بين إسرائيل و"حماس".

وقالت القناة إن الدوحة وعدت إسرائيل بتخصيص 350 مليون دولار لدعم المشاريع الإنسانية في القطاع، وعبرت عن استعدادها للتوسط في المفاوضات بين إسرائيل وحماس حول تسليمها جثث الجنود الإسرائيليين، كما عن دعم إقامة ممر مائي بين غزة وقبرص يخضع لرقابة أمنية إسرائيلية كاملة.

وهنا تساءل الكاتب عن الدور "الفاعل" الذي أرادت قطر أن تلعبه بين الطرفين، فـ"هل هو بين حماس وفتح؟ حماس وإسرائيل؟ أم حماس والولايات المتحدة؟"

في لقاء عباس مع قطر، كان حريصاً على أن تتم المساعدة عبر السلطة الفلسطينية، لكن في المقابل وعندما تناقش الدوحة دورها في غزة تتوجه إلى الجانب الإسرائيلي فقط حيث سأل العمادي "إذا أردنا مساعدة حماس فهل ستسمح لنا إسرائيل بالتحرك دخولاً وخروجاً على راحتنا؟".

هكذا، وفقاً لفرانتزمان، تظهر قطر مستعدة للعب الدور الذي تريده في غزة "مهما كلّف الأمر".

يُشار إلى أن إسرائيل وقطر بدأت العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1996، حين تمت إقامة ممثلية اقتصادية إسرائيلية في الدوحة وزارتها شخصيات إسرائيلية عديدة بينها شمعون بيريز وتسيبي ليفني، لتعود العلاقات وتنقطع، أقله رسمياً، عام 2009 بعد عملية "الرصاص المصبوب" أما المكاتب الإسرائيلية في الدوحة فقد أغلقت أبوابها تماماً عام 2011. 

بعد عملية "الجرف الصامد" ودعم الدوحة لحركة "حماس"، تراجعت عملية التبادل التجاري بين الدولتين حيث بلغ حجم التبادل التجاري في عام 2010 2.9 مليون دولار وفي عام 2013 تراجع إلى 620 ألف دولار. ولكن رغم توتر العلاقات الرسمية بقي التبادل التجاري قائماً، فيما كان الموقف القطري من إسرائيل يوصف دائماً بـ"المريب".

أهون الشرور

بموازاة متابعة التحرّك القطري، انشغلت الصحف الإسرائيلية بمستجدات اتفاق الهدنة وما يحيط به، وكتب مئير عوزئيل في "معاريف" (حسب الترجمة العربية لموقع "سما الإخبارية" الفلسطيني) قائلاً إن "حماس نجحت في تشويش أذهاننا، وجعلت الجميع يركز على غزة وعلى التهدئة… ونجحت في خلق تركيز إعلامي عالمي على الأزمات الإنسانية والاقتصادية بقطاع غزة وجعل هذه الأزمات سلاحا لها، حيث أصبح الجميع يسعى لوضع حلول لغزة بينما فقدت إسرائيل القدرة على قيادة الأزمة تجاه حماس في غزة".

برأي الكاتب "الحكومة الإسرائيلية ليس لديها خطة واضحة للتعامل مع حماس في حين فقد الجمهور الإسرائيلي الثقة في السياسيين، الذين أثبتوا أنهم غير قادرين على اتخاذ القرارات السليمة في القضايا المصيرية".

يتابع الكاتب "نجحت سياسات حماس في التلاعب بنفسيات الإسرائيليين والمنظومة السياسية الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي"، متسائلاً "ماذا كانوا سيفعلون بنا لو لم يكونوا محاصرين، أو كان لديهم القليل من القوة؟".

من جهتها، رأت صحيفة "يديعوت أحرنوت"، في افتتاحيتها التي كتبها رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق غيورا آيلند، أن التوصل إلى "اتفاق تسوية" بين "حماس" وإسرائيل، هو "خير بديل أمام إسرائيل، وهو أهون الشرور".

وبينما علّق آيلند بأنه رغم أن لإسرائيل وحركة حماس مصلحة مشتركة في الوصول إلى هدنة لن يكون الأمر ممكناً بسبب ضغط رام الله أي السلطة الفلسطينية،نصح بضرورة التوقف عن القول بأننا "لن نتحدث مع منظمة إرهابية والاعتراف بأن غزة دولة ولها حكومة مستقرة انتُخبت ديمقراطياً".

أما رداً على التصريح الفلسطيني بأن "حماس" تدمر المشروع الوطني، فقال من "الأفضل لإسرائيل أن ترى الواقع كما هو...اتفاق واسع مع حماس سيكون ممكناً من خلاله تحقيق إعادة جنودنا الأسرى بثمن معقول أكثر من تحرير أسرى فلسطينيين".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي