المختار بن أبي عبيد الثقفي... ناصر آل البيت وحارب الأمويين وكاد أن يصير نبياً؟

المختار بن أبي عبيد الثقفي... ناصر آل البيت وحارب الأمويين وكاد أن يصير نبياً؟
مشهد من مسلسل “مختار نامه” الإيراني

عام 2009، عرض التلفزيون الإيراني مسلسلاً بعنوان "مختار نامة"، يروي سيرة المختار بن أبي عبيد الثقفي، الرجل الذي دافع عن آل البيت وانتقم من قتلة الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان، بحسب الصورة المرسومة عنه، نصيراً للحقوق الاجتماعية للموالي من فرس وغيرهم.

ولكن في المقلب الآخر، نجد أن أغلب مرويات التاريخ والأحاديث السنية تهاجم المختار، وتطلق عليه لقب الكذاب، استناداً إلى تأويل حديث في صحيح مسلم، وتتهمه في دينه.

وكلما بعد الزمن عن حقبة المختار، زاد احتدام الصراع الشيعي السني وزادت المطاعن في شخصه، فهل كان ملاكاً كما يراه الشيعة أم شيطاناً كما يراه السنة؟ أم ماذا؟

ابن قائد موقعة الجسر ضد الفرس

هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي (622/ 1هـ-686/ 67 هـ). والده أبو عبيد، قائد موقعة الجسر عام 13 هـ. ضد الفرس والتي قُتل فيها، ومن قادة الفتوحات العربية في العراق، وجده هو مسعود الثقفي عظيم ثقيف في الجاهلية، وفق ما يورده ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية".

نشأ المختار في كنف عمه سعد بن مسعود الثقفي، وكان والياً على المدائن، واستخلفه عليها حين خرج لمقاتلة الخوارج. وفي سنة 40 هـ.، عندما قدم معاوية بن أبي سفيان لمحاربة الحسن بن علي، وتفرّق الناس عن الأخير، لجأ إلى سعد الثقفي فأواه.

ومن هذه الحادثة تبدأ الشكوك حول شخصية المختار. يورد ابن كثير، حسبما ينقل عنه محمد عابد الجابري في كتابه "العقل السياسي العربي" أن المختار اقترح على عمه تسليم الحسن إلى معاوية ليحافظ على منصبه، فاستنكر عمه ذلك، إلا أن الروايات المتضاربة كثيرة حول المختار.

ويعلل الجابري مسلك المختار السابق بقوله: كان المختار شاباً طموحاً، فهو من ثقيف، وأبوه من أول قادة فتح العراق، وكان له طموح سياسي.

وينقل الجابري مروية منسوبة إلى المختار قبل موته، وردت في كتاب ابن الأثير "الكامل في التاريخ" فيها: "إنما أنا رجل من العرب، رأيت (عبد الله) ابن الزبير انتزى (استولى) على الحجاز، ورأيت نجدة (بن عامر، الخارجي) انتزى على اليمامة، ومروان (بن الحكم) على الشام، فلم أكن دون أحد من رجال العرب، فأخذت هذه البلاد فكنت أحدهم، إلا أني قد طلبت بثأر أهل بيت النبي إذ نامت العرب عنه، وقتلت مَن شارك في دمائهم وبالغت في ذلك إلى يومي هذا".

قبل ذلك، وقعت حادثة خروج الحسين بن علي بن أبي طالب على بني أمية، وإرساله ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة لحشد الأنصار. كان المختار آنذاك يسكن الكوفة، فأوى مسلم في داره، وعلم الوالي بذلك فقبض على المختار، ولم يخرج الأخير من السجن إلا بشفاعة زوج أخته عبد الله بن عمر بن الخطاب، وتم نفيه من الكوفة، وفق ابن الأثير.

وبعدها وقع مقتل الحسين، وما تبعه من موجات انتقام لمقتله، ما أوجد بيئة "شيعية" نامية يمكن استثارتها باسم آل البيت.

فنحن إذاً أمام رؤيتين: الأولى ترى المختار طموحاً يستغل الشعور الشيعي لتكوين جيش كما يقول الجابري؛ والثانية تراه مخلصاً لآل البيت، بدليل أنه عرّض نفسه للعقاب وخطر القتل نصرة لهم حتى قبل مقتل الحسين.

المختار وابن الزبير... من التحالف إلى العداء

يحكي الجابري أن المختار التحق بابن الزبير بعد نفيه من الكوفة، وهو ينوي تحقيق مشروعه السياسي، بالتحالف معه ثم التخلص منه، لكن ابن الزبير تحفظ منه، فغادر إلى الطائف، ثم عاد إلى مكة سنة 64 هـ. وبايع ابن الزبير وحارب معه على أن يكون وزيراً له، لكن الأخير أبعده عنه واقترح عليه أن يذهب إلى الكوفة لتكوين جيش من شيعة علي يقاتل بهم الأمويين فوافق، وكان المختار على علم بسخط أهل الكوفة، وندمهم على خذلانهم الحسين، واستعدادهم للثأر له.

وصل المختار إلى الكوفة في وقت تأهبت جماعة التوابين بزعامة سليمان بن صرد لقتال الأمويين. حاول المختار ثنيهم عن عزمهم والانتظار إلى حين إتمام الاستعدادات، إلا أنهم لم يستمعوا له، وقاتلوا الأمويين في معركة "عين الوردة" وتم إفناء معظمهم.

في ذلك الوقت، بدأ المختار اتصالاته بمَن بقي من الشيعة في الكوفة، وبالموالي، وضعفاء العرب، داعياً باسم آل البيت، إلا أنه كان بحاجة إلى دعم من شخص آل البيت الأكثر شهرة، محمد بن علي بن أبي طالب الشهير بمحمد بن الحنفية، يقول علي سامي النشار في كتابه "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام".

أدت نشاطات المختار في الكوفة إلى سجنه من قبل والي ابن الزبير عليها، للمرة ثانية، ثم أُطلق سراحه لاحقاً بتوسط من عبد الله بن عمر.

وسعى الشيعة إلى الاستفسار عن المختار من محمد بن الحنفية فراسلوه وسألوه عن صدق تمثيله له، فكان رده بالإيجاب، فتعاونوا معه وتمكنوا من عزل والي ابن الزبير، وسيطر المختار على الكوفة، وفق كتاب "الشيعة العربية والزيدية" لمحمد إبراهيم الفيومي.

وعام 66 هـ، أرسل المختار جيشاً قوامه ثلاثة آلاف من الموالي لنصرة ابن الزبير ضد الزحف الأموي على الحجاز، ورغم موافقة ابن الزبير على هذه المساعدة، إلا أنه غدر بجيش المختار، المكون من موالٍ ضعيفي التسليح، وفق كتاب الفيومي.

الانتقام من قتلة الحسين

انضم إبراهيم بن الأشتر، ابن مالك بن الأشتر، أحد أبرز رجال علي بن أبي طالب، سنة 65 هـ إلى المختار، وبه تعزز جانب الأخير، واستمر في الدعوة لنفسه، وجمع جيشاً قوامه 17 ألف مقاتل، طرد بهم عمال ابن الزبير من الكوفة، ووسع ملكه إلى أرمينيا وأذربيجان شرقاً، والموصل شمالاً، حسبما يذكر الجابري في مرجعه.

بعد استيلاء المختار على الكوفة، دون إراقة الكثير من الدماء، سعى إلى إشاعة العدل والرحمة والطمانينة في النفوس والصلح بين الأحزاب، على ما تروي المصادر الداعمة له.

في بداية الأمر، تولى بنفسه القضاء بحماسة ومهارة، حتى أرهقه المنصب فعيّن قضاة، ووفى بعهده للأشراف بالأمان. ومع ذلك كانت العناية بالمستضعفين نقطة رئيسه في برنامجه، أي الاهتمام بتحسين الوضع الاجتماعي للموالي، وفق مرجع الفيومي.

أقوال جاهزة

شارك غردعام 2009، عرض التلفزيون الإيراني مسلسلاً بعنوان "مختار نامة"، يروي سيرة المختار بن أبي عبيد الثقفي، الرجل الذي دافع عن آل البيت وانتقم من قتلة الحسين بن علي بن أبي طالب...

شارك غردالمختار بن أبي عبيد الثقفي... فنحن أمام رؤيتين: الأولى تراه طموحاً استغل الشعور الشيعي لتكوين جيش؛ والثانية تراه مخلصاً لآل البيت بدليل أنه عرّض نفسه للعقاب وخطر القتل نصرة لهم، حتى قبل مقتل الحسين

ولم يرضَ أشراف العرب في الكوفة بحكم المختار، وتمردوا عليه عام 66 هـ، مستغلين خروج جيشه للقتال، فطلب المختار من قائده ابن الأشتر العودة بالجيش، وكان الأشراف ينادون "يا لثارات عثمان" بينما نادى المختار والشيعة بشعار "يا لثارات الحسين"، وأصدر المختار أمراً بقتل كل مَن شارك في دم الحسين، بعد أن كان قد منع الانتقام، فقُتل شمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وفق كتاب "الشيعة العربية والزيدية".

بعد ذلك، خرج المختار وابن الأشتر على رأس جيش لمحاربة أهل الشام بقيادة عبيد الله بن زياد عام 67 هـ، والتقى الفريقان عند نهر خزر الذي يصب في دجلة.

انتصر المختار، وقتل ابن زياد قاتل الحسين، وقادة جيشه الحصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع، كما يذكر النشار.

المختار وإمامة محمد بن الحنفية

تعود بداية علاقة المختار بابن الحنفية إلى بداية دعوته في الكوفة، فحين راسل الشيعة ابن الحنفية للاستيثاق من مزاعم المختار أنه لسان أهل البيت، رد بن الحنفية قائلاً: "والله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمَن شاء من خلقه" ففهم الوفد أن ابن الحنفية متفق مع المختار، فانضم الشيعة له، يقول الجابري في مرجعه المذكور.

ويؤكد النشار أن المختار كان مدعوماً من ابن الحنفية، وتأكدت الصلة بينهما لاحقاً حين استنجد الأخير بالأول لينقذه من ابن الزبير.

وكان ابن الزبير قد أقدم على حبس ابن الحنفية وابن عباس وشيوخ بني هاشم لرفضهم بيعته، وهددهم بالحرق إن لم يبايعوه، فاستنجد ابن الحنفية بالمختار، فأنجده بجيش قوامه أربعة آلاف فارس، تمكن من إنقاذه، حسبما يسرد النشار في مرجعه.

ويذكر الجابري أن موقف ابن الحنفية من المختار شابه بعض الغموض المتعمد، ربما لاصطناع التقية، على أن طلبه النجدة منه يشي بوجود تفاهم بينهما.

ويوضح الفيومي أن المختار دعا أول الأمر إلى إمامة ابن الحنفية، ثم انتهج سبيلاً آخر يبشر بنزول وحي من الملاك جبريل عليه، ونشر نثراً مسجوعاً يشبه لغة القرآن، وبشّر بظهور المهدي، ووُفّق في جذب الموالي من الآراميين والفرس الذين اعتنقوا الإسلام إلى دعوته، كذلك مَن كانوا في وضعية مواطنين من الدرجة الثانية، ما يعني تغيّر موقفه وابتعاده عن القول بإمامة ابن الحنفية.

مقتل المختار على يد مصعب بن الزبير

حين تم الأمر لابن الزبير في الحجاز، أرسل أخاه مصعب لقتال المختار في الكوفة، وانهزم المختار وقُتل عام 67 هـ، وقتل مصعب سبعة آلاف من الشيعة، بل قتل زوجة المختار أسماء بنت النعمان بن بشير الصحابي، حين رفضت أن تتبرأ من زوجها وتلعنه بعد مقتله، يروي النشار.

وبعد مقتل المختار وانهيار دولته ذهبت جماعة من أصحابه، وعددهم نحو ألفي فارس، معظمهم من الموالي وضعفاء العرب، إلى مدينة نصيبين في الجزيرة الفراتية، وأسسوا شبه دولة، وأرسل محمد بن الحنفية إليهم ابنه الأكبر الحسن فمكث مدة رئيساً عليهم، حتى هاجم أنصار ابن الزبير المدينة، وقبضوا على الحسن، و أودعوه السجن في المدينة المنورة، إلا أنه تمكن من الفرار.

وبقي جزء آخر من جماعة المختار في نصيبين إلى أن قضى عليهم عبد الملك بن مروان سنة 71 هـ.

تشويه صورة المختار؟

يقول الفيومي في كتابه أنه ما أن مني المختار بالهزيمة حتى راحت الروايات تُطلق سهامها على ذكراه، وفي البدء كانت تذمه دون أن تشوه صورته، ولكنها راحت بعد ذلك في مرحلة متأخرة تنعته بنعوت أملاها الحقد، وهذه النعوت هي الصورة التي كونتها الأجيال اللاحقة عنه.

وأهم هذه الصور هو أنه الكذاب الذي خبّر النبي عنه في حديث رواه مسلم جاء فيه (سيكون في ثقيف كذاب ومبير)، ثم أجمع شراح الأحاديث المتأخرين على أن الكذاب هو المختار، والمبير هو الحجاج، وكلاهما من ثقيف.

هناك أسباب تدعو إلى الشك في هذه الرواية، منها أن كتب التاريخ تنقلها عن أسماء بنت أبي بكر، والدة عبد الله بن الزبير قاتل المختار، وفي عصر عمل الجميع خلاله على استخدام الدين ووضع الأحاديث لخدمة أهدافهم، لا تكون لمثل هذه المرويات قيمة كبرى.

ويرى علي سامي النشار أن المختار لم يكن من رجال السحر، ولم يكن غنوصياً، إنما كان مقاتلاً لسناً فصيحاً، أحب أهل البيت وآمن بأحقية علي بن أبي طالب وابنه الحسين بالخلافة، فقاتل في سبيلهم، ونراه يقتل زوج أخته عمر بن سعد وابنه جعفر، لأنهما من قتلة الحسين.

أما الجابري، فيرى أن المختار لم يدّعِ أنه صاحب "قرآن" ولم يصرّح بمعارضته أو تبديله لشرائع الإسلام، بل قام باسم الإسلام، وباسم المطالبة بدم آل البيت، وكانت قضيته المعلنة واضحة: الانتقام من الجبارين والدفاع عن الضعفاء وإنصاف المظلومين.

ولم يعلن المختار ادعاء النبوة رسمياً، ويُقال أن "كيسان" صاحب شرطته هو مَن أبلغ الموالي بأن المختار يأتيه الوحي، وهذا التوزيع للأدوار مفهوم، فالمختار يريد أن يضمن ولاء "أشراف العرب" الذين لن يقبلوا بادعائه، بينما الضعفاء والموالي كانوا في حاجة إلى هذا الادعاء، حسب تحليل الجابري.

وأحد أسباب تشويه صورة المختار هو الخلط بينه وبين شخصية غامضة معروفة باسم "كيسان" وإليها تُنسب الكيسانية التي تقول بإمامة محمد بن الحنفية، وبعضهم يقول إن ابن الحنفية لم يمت وإنه حي في جبال رضوى وسيعود يوماً.

ويرجّح الجابري أن يكون كيسان هو أبو عمرة قائد شرطة المختار، وهو من موالي قبيلة بجيلة، وهناك رأي آخر يقول إنه كان مولى لعلي بن أبي طالب.

أسباب فشل حركة المختار

هناك أسباب داخلية وخارجية أدت إلى فشل المختار: الخارجية هي عداء ابن الزبير وعبد الملك بن مروان له، ولم يكن يمتلك القوة لمواجهتهم، إذ لم يجتمع حوله كل أهل الكوفة، فقد عاداه أشراف العرب لإفساده مواليهم عليهم، ولم توالِه كل الشيعة، كما أن أنصاره من الموالي لم يكونوا أصحاب قدرة عسكرية كبيرة.

وهناك تناقضات في بنية دعوة المختار يذكرها الجابري بقوله: أراد المختار أن يركب قضيتين متكاملتين في الظاهر، ولكن متناقضتين في الجوهر: قضية الشيعة المتمثلة يومذاك في الثأر للحسين، وقضية العبيد والموالي الذين كانوا في الغالب من شيعة علي، والذين كانوا يعانون من وضعية اجتماعية منحطة.

رأى المختار في القضيتين قضية واحدة، على أساس أن الشيعة، عرباً وموالي، ناقمون على بني أمية، ولكنه أخطأ التقدير حينما اعتقد أنه يستطيع بتجنيدهم ضد خصم واحد، وأن يتجاوز التناقض الجوهري الاجتماعي-الطبقي بينهما.

من ناحية أخرى، لم يكن المختار معززاً بقبيلة قوية، فقبيلته ثقيف لم تعد إلى قوتها السابقة، ولم يكن لها وجود هام في الكوفة، بجانب أن قائده إبراهيم بن الأشتر تخلى عنه حين داهمته جيوش مصعب بن الزبير، وتركه يواجه مصيره هو وأتباعه من الموالي.

ويرى الفيومي أن أهم النتائج التي ترتبت على حركة المختار هى دخول الموالي إلى العمل السياسي، وتوسيع مفهوم الشيعة السياسي بحيث أفسح أمام الموالي مكاناً للتشيع.


حامد فتحي

​حامد فتحي، صحفي مصري، مقيم في القاهرة، حاصل على بكالوريوس في الإعلام جامعة القاهرة، وطالب دراسات عليا فلسفة جامعة القاهرة، مهتم بالأدب نقدا وكتابة، ليبرالي

التعليقات

المقال التالي