بعد حمّى الذهب... حمّى الترشح للانتخابات تضرب في موريتانيا

بعد حمّى الذهب... حمّى الترشح للانتخابات تضرب في موريتانيا

اجتاحت موريتانيا قبل عامين حمّى البحث عن الذهب في شمال البلاد، فتهافت المئات على التنقيب السطحي في تلك الأراضي المنجمية، بعد قرار الحكومة السماح للمواطنين بالتنقيب عن المعدن الثمين.

تحوّل الأمر إلى أكثر شيء يشغل الرأي العام وينخرط فيه المواطنون. وأرجع البعض تلك الظاهرة إلى انتشار البطالة والفقر والإحباط من الوضع الاقتصادي والسياسي للبلد.

فموريتانيا من البلدان التي ترتفع فيها نسب البطالة، إذ تصل إلى 31%، وهناك حالة من عدم الرضى والشعور بضياع الأمل في تحسن الوضع الاقتصادي.

حمّى الترشيحات

تلك الحمّى تجدّدت مؤخراً في ثوب مختلف، ولو بدرجة أقل. يتكرر المشهد عبر الانتخابات البلدية والتشريعية، إذ يُلاحظ انتشار الهوس في الترشح إلى المقاعد النيابية والمحلية بين الموريتانيين، خاصة بين الشباب، ما أدى إلى ارتفاع أعداد المترشحين في بلد قليل الكثافة السكانية، لكنه زاخر بالأحزاب (102 حزباً).

وبلغ العدد الإجمالي للمترشحين ضمن اللوائح الانتخابية المختلفة ما يزيد عن الأربعين ألف شخص.

وبحسب تصريح لرئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، يشارك في هذه الانتخابات 98 حزباً، وتتنافس فيها 143 لائحة في الانتخابات البلدية و67 لائحة جهوية و109 لوائح مقاطعية للنواب، و96 لائحة وطنية مختلطة للنواب، و87 لائحة برلمانية للنساء، علماً أن عدد المسجلين على القوائم الانتخابية هو حوالي المليون و400 ألف ناخب فقط.

وتتنافس الأحزاب على 157 مقعداً برلمانياً، 87 منها يجري انتخاب شاغليها عبر نظام النسبية، و70 بنظام الأغلبية.

كما يجري التنافس، لأول مرة، على 13 مجلساً جهوياً (مجالس محلية للتنمية). أما في المجالس المحلية (البلدية) فيجري التنافس على 219 بلدية في عموم البلاد.

وبدأت الحملة الدعائية التمهيدية للانتخابات في الـ17 من أغسطس، وتستمر أسبوعين، ويجرى في الأول من سبتمبر الاقتراع على اختيار النواب الجدد والعمد والمستشارين البلديين ورؤساء وأعضاء المجالس الجهوية المستحدثة.

وتأتي هذه الانتخابات قبل سنة من الانتخابات الرئاسية، وسط الجدل حول سؤال: هل سيتغير رأس الحكم في موريتانيا أم سيتمكن من تولي ولاية رئاسية ثالثة، رغم أن الدستور الموريتاني يمنع ذلك؟

لماذا هذا الهوس بالترشح للانتخابات؟

أثارت ضخامة عدد المترشحين للانتخابات الكثير من الجدل والنقاش، وأسالت الكثير من الحبر لتحليلها. ويرى البعض أن من أسبابها الرغبة في الحصول على الامتيازات المالية والقانونية المخصصة لشاغلي المناصب النيابية.

فراتب النائب وجواز السفر الدبلوماسي وراتب العمدة يغرون الكثيرين من العاطلين عن العمل، في ظاهرة تشبه ظاهرة كثرة أعداد مَن يتقدمون لشغل أية وظائف تعلن عنها الدولة.

وردّ الصحافي والناشط السياسي سيدي ولد محمد الأمين "حمّى الترشحات الحالية التي تجتاح البلاد" إلى عدة عوامل.

وقال لرصيف22 إن هناك عوامل موضوعية، بحيث تنشغل عشرات الأحزاب بـ"معركة البقاء القانونية"، إذ تسعى جاهدة إلى حصد نسبة 1% على الأقل من الأصوات لتبقى قائمة، وهو شرط ينص القانون الجديد المنظم لعمل الأحزاب على تحققه، في عمليتين انتخابيتين.

كذلك، يتابع الأمين، فإن النظام الحاكم يعمل على تأمين استمراريته في الحكم ويحاول عبر هذه الانتخابات أن يوصل أكبر عدد ممكن من النواب الممثلين للحزب الحاكم، وهو أمر يثير غضب مجموعات محلية تجد في بقية الأحزاب ضالتها، فتترشح على لوائحها.

كما يشير الأمين إلى "أسباب شخصية تتعلق بالطموح الشخصي لبعض الناشطين الشباب الذين وجدوا في هذه الانتخابات فرصة للتعبير عن طموحاتهم".

ويخلص إلى أن "هذه الحمى الانتخابية ستبقى علامة مميزة على الانتهازية السياسية، إذ ترشح البعض ممَّن كان يصف نفسه بالمناضل ضد النظام على قوائم أحزاب موالية للنظام وأخرى كرتونية".

ويرى الأمين أن "هذه الحمّى تذكّر كثيراً بحمّى الذهب التي اجتاحت موريتانيا قبل سنوات وعكست جشع الكثيرين وبحثهم عن الثراء السهل".

"الشباب يطمحون إلى التغيير"

لكن الصحافي ومنسق حركة نستطيع والمترشح للمجلس الجهوي لمدينة نواكشوط الربيع ولد أدوم له وجهة نظر مغايرة.

يقول لرصيف22: "أعتقد أن هناك موجة قوية من ترشيحات الشباب، ومن أسبابها أن الأحزاب الكبيرة التي تسعى دائماً في الانتخابات إلى ترشيح زعاماتها التقليدية أو الزعامات القبلية أو رجال أعمال أغنياء، غيّبتهم، وبالتالي بحث الكثيرون منهم عن أحزاب، ولو ضعيفة، ليترشحوا على قوائمها معتمدين على شعبيتهم هم، واتخذوا الأحزاب غطاءً سياسياً وقانونياً، لأن الترشيح المستقل ممنوع في موريتانيا".

أقوال جاهزة

شارك غردقبل سنوات شهدت موريتانيا حمّى البحث عن الذهب، وحالياً تشهد حمّى الترشح للانتخابات، والبعض يقول: "آمل ألا تكون النتائج كارثية على غرار نتائج حمّى الذهب حين أصيب العديد من المنقبين بالجنون وسقطت حفر كثيرة على المنقبين"

شارك غردراتب النائب وجواز السفر الدبلوماسي وراتب العمدة يغرون الكثيرين من العاطلين عن العمل في موريتانيا... حمّى الترشح إلى الانتخابات

بدوره، قال المترشح إلى النيابة، الأستاذ الجامعي أعل ولد أصنيبه لرصيف22: "بخصوص كثرة الترشيحات خاصة بين الشباب، أعتقد أن سببها هو أن الشباب يطمحون إلى التغيير ومنزعجون من سيطرة نفس الوجوه والجماعات منذ زمن طويل على المشهد السياسي، منذ أيام الحزب الواحد حتى الآن، وهو ما منع التغيير ورسّخ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ومنع الديمقراطية من التطور، ولذلك أرادوا أخذ زمام الأمور ليغيّروا الواقع".

وأكد ولد أصنيبه أنه قرر الترشح بعد أن قررت المعارضة المشاركة هذه المرة في الانتخابات إثر مقاطعتها للانتخابات الماضية. وبرأيه، فإن "البلد مقبل على مرحلة تاريخية مختلفة تتطلب مشاركة الجميع وتقديم بدائل عن خطاب السلطة والفاسدين والسماسرة".

وعن دوافعه للترشح، يقول ولد أدوم: "أعتقد أن البرلمانات منذ بداية تأسيسها أو منذ بدايات إرهاصاتها عند اليونان، كانت مكاناً للنقاش السياسي ومكاناً لإسماع أصوات الجمهور والشعب، بينما في موريتانيا برلمان لا تُسمع فيه أصوات الشعب، فـ60% من الشعب شباب ولكنهم غير ممثلين، وأتحدث هنا عن الشباب المناضل ضد الفساد والظلم وليس الشباب الذي ينجح بسبب الروابط القبلية".

ويضيف: "أرى أن موجة الترشيحات جيدة جداً وهي موجة ضد الفساد والظلم ولكسر الثنائية الحزبية بين الموالاة والمعارضة المبنية على ترسيخ الجهوية والقبلية، وهي رسالة مفادها أن هناك طرقاً أخرى من النضال منها النضال عبر صناديق الاقتراع".

ويتمنّى الأمين ألا تتكرر خيبة حمّى الذهب، وقال: "آمل ألا تكون النتائج كارثية على غرار نتائج حمى الذهب حين أصيب العديد من المنقبين بالجنون وسقطت حفر كثيرة على المنقبين"، ولم يجدوا أي ذهب.

حملة مقاطعة

رغم حمّى الترشيحات، هناك مَن يقاطعون الانتخابات المقبلة، مثل حركة 25 فبراير التي نشرت وثيقة ضد الانتخابات في ظل حكم العسكر، وأعلنت مقاطعتها لها، واعتبرت أن "مخاطر المشاركة في هذه الانتخابات" تتلخص في "تشريع نظام الحكم القائم... وجوهره الاستبدادي العسكري، وذلك بالمساهمة في الإيهام بوجود هامش ديمقراطي تحت ظله".

وقالت الحركة أيضاً إن المشاركة في الانتخابات تساهم في "تبرير النهب والإفساد الذي يقوم به العساكر، فالبرلمان الذي شاركت فيه المعارضة بين 2006 و2013 هو الذي صادق على اتفاقية الصيد مع الصين التي نهبت بموجبها ثروتنا البحرية، والبرلمان الذي يترأسه في بعض الجلسات أحد أبرز قادة المعارضة ويزجر أحد نواب الموالاة عن مساءلة وزير المكوس حول حساباته المشبوهة التي ينهب بها ثروات الشعب الموريتاني هو الذي يراد لنا استنساخه من جديد: أقلية من المعارضة تتمم الدور في المسرحية التراجيدية المتواصلة منذ التسعينيات!".

كما رأت أن في المشاركة "إلغاء للإرث النضالي ضد حكم العسكر بالتصديق على تعديلاته اللادستورية والقبول بالدخول في لعبته السمجة للضحك على ذقون الشعب".

أحزاب وترشيحات للبيع

يلاحَظ في هذه الانتخابات أن بعض الأحزاب الموريتانية التي توصَف بأحزاب الحقائب، ترشح ضمن قوائمها، بل على رأسها أحياناً، فاعلين سياسيين من خارجها ولا علاقة سابقة لهم بها ولا يربطهم بها أي تقارب إيديولوجي... فتجد يسارياً يترشح مع حزب يميني ومعارضاً مفترضاً يترشح مع حزب موالٍ.

وروى مترشح فضل عدم ذكر اسمه لرصيف22: "خلال بحثي عن حزب يحتضن ترشحي وأنا الناشط غير المتحزب، اكتشفت أن بعض الأحزاب تبيع المراكز المتقدمة في لوائحها لمَن يدفع أكثر، وقد يصل ثمن المركز الأول على اللائحة الوطنية إلى تسعة ملايين أوقية (حوالي 25 ألف دولار)".

وأضاف: "هناك طريقة أخرى وهي أن يقول لك الحزب: قدم لنا لوائح وتحمّل تمويلها، وذلك ليستفيدوا مما ستحققه أنت لاحقاً في الانتخابات من أصوات قد تدرّ عليهم بعض التمويلات المقدمة من الحكومة لمَن يحقق نتائج جيدة في الانتخابات، فهم يقدّمون لك الغطاء القانوني للترشح وأنت تساعدهم بشعبيتك، كما هناك مَن باع حزبه لآخرين وهذا أمر ليس سرياً بل يمارس علناً".

انتخابات على وقع الاعتقالات

جدل الانتخابات لم يقتصر على كثرة عدد المترشحين ولا على بيع الأماكن في اللوائح الانتخابية، بل ثار حول توقيف مترشحين، كان أولهم محمد ولد الشيخ، أستاذ الإعلام الموريتاني المقيم في قطر، إذ أوقفه الأمن الموريتاني وأخفاه عدة أيام ولا يزال رهن التوقيف رغم أنه لم توجَّه له أية تهمة بعد ولم يقدَّم للمحاكمة.

وكذلك تم توقيف الناشط الحقوقي الموريتاني ورئيس "مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" (حركة إيرا المناهضة للعبودية) بيرام ولد الداه ولد أعبيدي المترشح للانتخابات النيابية، وذلك إثر شكوى تقدّم بها ضده صحافي اتهمه فيها بالسب والقذف.

كما صدر حكم بسجن عضو مجلس الشيوخ السابق المعارض محمد ولد غدة ستة أشهر، لإدانته بالافتراء عبر نشر معلومات خاطئة عن حادث إطلاق نار على الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز. وولد غدة معتقل منذ نحو عام، وأعلن ترشحه للانتخابات من داخل سجنه، إلا أن لجنة الانتخابات اعتبرت أن ملفه غير مكتمل، بينما تؤكد المعارضة استيفائه كل الشروط.


أحمد ولد جدو

مدون وناشط موريتاني مساهم في منصات عربية أخرى، مهتم بالكتابة عن السياسة والحريات في موريتانيا والعالم العربي.

كلمات مفتاحية
البطالة انتخابات

التعليقات

المقال التالي