"هوس ملاحقة الفنانين"... لماذا تستهدف السلطات المصرية حرية الفن؟

"هوس ملاحقة الفنانين"... لماذا تستهدف السلطات المصرية حرية الفن؟

اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطة المصرية بـ"هوس ملاحقة الفنانين" لمجرد تعبيرهم عن أمور تكرهها، مشيرة إلى أن ذلك يُظهر زيف ادعاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن أولويات إدارته هي فقط "محاربة الإرهاب".

وقال تقرير نشرته المنظمة الدولية التي تتخذ من مدينة نيويورك مقراً لها يوم 16 أغسطس إنه "يبدو أن الهدف الأساسي لحكومة السيسي اليوم هو ترهيب المجتمع المصري بأسره وإخضاعه وإسكاته، بما في ذلك طبقة الفنانين المبدعة في البلاد".

التقرير الذي حمل عنوان "مصر: حملة لسحق حرية الفن" أظهر أن السلطات المصرية ألقت القبض على أكثر من 12 شخصاً في حملة ضد الفنانين في الشهور الأخيرة.

ويكشف التقرير أن الحكومة المصرية أصدرت قوانين جديدة تحدّ بشكل كبير من حرية التعبير، بعضها تسبب في وضع المزيد من العوائق أمام الفنانين المستقلين والمنظمات غير الحكومية الراغبين في تنظيم أحداث فنية عامة، كما توسعت سلطة الرقابة الحكومية الرئيسية من خلال زيادة مكاتبها في جميع أنحاء البلاد.

محاكمة "خير نسوان الأرض"

ذكر التقرير عدة أمثلة عن محاكمة مبدعين. على سبيل المثال حكمت محكمة عسكرية في 31 يوليو على الشاعر جلال البحيري، بالسجن ثلاث سنوات بتهمة "نشر أخبار كاذبة" و"إهانة المؤسسة العسكرية".

وقُبض على البحيري في الثالث مارس من العام الجاري، ووُجّهت إليه تهم تتعلق بكتابه غير المنشور، "خير نسوان الأرض"، والذي ينتقد قوات الأمن المصرية. وقال محاموه إنهم شاهدوا علامات تعذيب شديد على جسده.

ويخضع الشاعر نفسه للتحقيق في قضية منفصلة أمام محكمة جنايات مدنية بسبب أغنية "بلحة" الساخرة التي كتب كلماتها وغناها رامي عصام، المعروف بمطرب الثورة المصرية. وقد صدر أمر توقيف في هذه القضية غيابياً ضد عصام، المقيم خارج مصر.

كما قبضت قوات الأمن على أسامة الهادي، وهو مطرب وعازف غيتار، في مارس، بتهمة الانضمام إلى منظمة إرهابية، بدعوى أنه كان مسؤولاً عن صفحة المطرب رامي عصام على "فيسبوك" لفترة. ولا يزال حتى الآن في الحبس الاحتياطي.

يوثّق التقرير أيضاً عملية القبض على مؤمن حسن، وهو صانع أفلام وثائقية وصحافي، في العاشر من يونيو، حين كان يعمل على فيلم وثائقي عن سليمان خاطر لشركة إنتاج خاصة. وتتهمه السلطات المصرية بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. وبحسب محاميه، فإن الحراس عرّضوه لصدمات كهربائية أثناء الاستجوابات التي سُئل فيها عن الفيلم الوثائقي.

قبضت السلطات أيضاً على أحمد طارق، وهو محرر أفلام عمل على الفيلم الوثائقي غير المنشور "سالب 1095"، وهو فيلم يتحدث بإيجابية عن نظام الرئيس المصري السابق محمد مرسي. وتتهم السلطات طارق بـ"نشر أخبار كاذبة عمداً".

كما يتحدث التقرير عن عملية القبض على إيكاترينا أندرييفا، وهي راقصة شرقية روسية معروفة باسم "جوهرة"، في فبراير لعدم، ارتدائها سروالاً قصيراً لتغطية فخذيها خلال رقصها. واتُّهمت أندرييفا بـ"التحريض على الفسق" و"العمل من دون تصريح"، لكن الشرطة أفرجت عنها بكفالة في وقت لاحق.

أقوال جاهزة

شارك غردهيومن رايتس ووتش تتهم السلطة المصرية بـ"هوس ملاحقة الفنانين" لمجرد تعبيرهم عن أمور تكرهها، مشيرة إلى أن ذلك يُظهر زيف ادعاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن أولويات إدارته هي فقط "محاربة الإرهاب"

شارك غردهيومن رايتس ووتش: "يبدو أن الهدف الأساسي لحكومة السيسي اليوم هو ترهيب المجتمع المصري بأسره وإخضاعه وإسكاته، بما في ذلك طبقة الفنانين المبدعة في البلاد"

كما أحال ممثلو الادعاء المطربة شيرين عبد الوهاب، في نوفمبر 2017، إلى المحاكمة بسبب نكتة أطلقتها حول علاقة نهر النيل بمرض البلهارسيا، وأدانتها المحكمة بتهمة "إثارة الفتنة" وحكمت عليها بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ، لكن محكمة الاستئناف أسقطت الحكم في مايو 2018.

وفي مايو 2016، اعتقلت السلطات ستة شباب كانوا أعضاءً في "أطفال شوارع"، وهي قناة "يوتيوب"، بعد نشرهم مقاطع فيديو ساخرة حول السياسة المصرية. لكن السلطات أفرجت عنهم بعد أشهر قضوها في الحبس بكفالة.

ويُظهر التقرير أن القيود وصلت إلى السينما أيضاً. على سبيل المثال، أصدرت محكمة جنح في يناير 2016 حكماً ضد رنا السُبكي، وهي منتجة أفلام، بالسجن لعام مع وقف التنفيذ وبغرامة قدرها عشرة آلاف جنيه مصري (حوالي 600 دولار) بسبب فيلمها "ريجاتا"، بعد إدانتها باتهامات بالتحريض على الفجور. وفي أبريل، ألغت محكمة استئناف إدانتها.

وفي ديسمبر 2017، ألغت السلطات حفل موسيقي لفرقة "كايروكي" المصرية قبل يوم من موعدها، بدون تفسير رسمي. كما حظرت هيئة الرقابة قبل عدة أشهر إطلاق أحدث ألبومات الفرقة بعد اعتراضها على أربع أغنيات منه.

وفي 25 يوليو، حكمت محكمة جنح عسكرية على المخرج المسرحي أحمد الجارحي، والكاتب المسرحي وليد عاطف، وأربعة من زملائهما بالسجن شهرين مع وقف التنفيذ بسبب مسرحية عُرضت في أحد نوادي القاهرة.

إهانة الجيش والشرطة خيانة عظمى

تلفت المنظمة الحقوقية إلى أن أغلب الاعتقالات والملاحقات القضائية جاءت مباشرة بعد أن قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطاب ألقاه في الأول من مارس إن إهانة الجيش أو الشرطة "خيانة عظمى"، وأمر "جميع الجهات الحكومية" بعدم السماح بتلك "الإساءة"، معتبراً أنها "ليست حرية تعبير"، من دون ذكر أي حادث محدد.

وبعد خطاب السيسي، أصدرت الحكومة مجموعة من القرارات والقوانين الجديدة التي تسببت في مزيد من القيود على حرية التعبير.

على سبيل المثال، أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في 11 يوليو المرسوم رقم 1238 لعام 2018، الذي يفرض قيوداً شديدة على تنظيم "أية أحداث ثقافية أو فنية... محلية أو دولية". وتلزم المادة الثانية من المرسوم جميع منظمي الأحداث بالحصول على "ترخيص مسبق من وزارة الثقافة، بعد التنسيق مع السلطات المختصة في الدولة".

وفي 12 مارس، أصدرت وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبد الدايم مرسوماً بإنشاء ثمانية مكاتب جديدة لـ"هيئة الرقابة على المصنفات الفنية" في سبع محافظات.

كما يمتلك "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام"، وهو هيئة رقابية إعلامية تأسست في أبريل 2017، سلطة رقابية واسعة. على سبيل المثال، أنشأ المجلس "لجنة الدراما" في ديسمبر 2017 للإشراف والرقابة على الأعمال الدرامية التلفزيونية على شبكات التلفزيون المصرية.

حرية التعبير في مصر... حبر على ورق؟

وتلزم المادة 67 من الدستور المصري مؤسسات الدولة بحماية ودعم الفنانين والتعبير الإبداعي، وتحظر صراحة احتجاز الفنانين بسبب التعبير الإبداعي، وتنص على أنه يُسمح فقط للنيابة العامة برفع دعاوى قضائية تهدف إلى تعليق أو مصادرة عمل فنان أو مقاضاة فنانين.

كما أن مصر دولة طرف في كل من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" و"العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، وكلاهما يدعوان إلى حرية التعبير.


رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي