زيد بن رعد الحسين يروي خفايا من كواليس عمله: "تعرّضت للضغوط من كافة الدول"

زيد بن رعد الحسين يروي خفايا من كواليس عمله: "تعرّضت للضغوط من كافة الدول"

في الحادي والثلاثين من شهر أغسطس الحالي، تنتهي ولاية الأمير زيد بن رعد الحسين كمفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. عندما حان موعد الترشّح لولايته الثانية، رفض رعد الحسين - الذي لم يكفّ عن إثارة الجدل منذ توليه منصبه - الترشّح لها، بينما اختارت الجمعية العامة للأمم المتحدة رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشليت بديلاً عنه.

بعدما شارفت مهمة الأمير المعروف بصراحته الكبيرة على الانتهاء، يمكن طرح السؤال عما حققه على رأس تلك المؤسسة الأممية، عن علاقته بالدول الكبرى صاحبة حق النقض "الفيتو" وعلاقته بدولته الأم الأردن، وصولاً إلى فعالية المؤسسة الأممية نفسها التي طالت رعد الحسين انتقادات من داخلها وسط أسئلة بشأن أحقيّة تسييس منصب "المفوّض السامي" من عدمه.

"تعرضت للضغوط… من كافة الدول"

في مقابلة نشرها موقع "أخبار الأمم المتحدة" اليوم، عزا رعد الحسين تراجعه عن ولاية ثانية في منصبه إلى عدم رغبته بالمضيّ قدماً على هذا النحو، فضلاً عن "ثبوت عدم تمتعه بدعم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بسبب تصريحاته بشأن الأوضاع في دول منها سوريا واليمن".

ما قاله لم يبتعد كثيراً عما كتبه في أواخر العام الماضي إلى فريق عمله مفصحاً "قرّرت عدم الترشّح لولاية ثانية مدّتها أربع سنوات، إذ أن الإقدام على ذلك في الظروف الجيوسياسية الحالية قد يتطلّب الركوع والتوسّل، وتقليص استقلالية صوتي، الذي هو صوتكم، ونزاهته".

هل تعرّض الحسين للضغوط خلال فترة عمله؟ كان جوابه في المقابلة الأخيرة "نعم… من كافة الدول". وحين سُئل "عندما قلت إنك لا تتمتع بالدعم من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، هل هذا يعني أن حقوق الإنسان تتراجع على المستوى العالمي، في الشرق والغرب، في الدول النامية أو المتقدمة؟"، أجاب المفوّض بالقول "نحن جزء لا يتجزأ من الأمم المتحدة، ولكننا أيضاً طرف قيادي في الحركة العالمية لحقوق الإنسان. وقد حاولت أن أشرح للعديد من الدول أنه، بغض النظر عن حجم الدولة أو ما إذا كانت تتمتع بصفة خاصة أو غيره، كل هذا لا قيمة له عندي…".

يقول إنه خسر أصدقاء بسبب العمل، ومع ذلك أكد قائلاً "سأكون صريحاً، ضميري مرتاح. لأن ما شهدناه وقرأناه وسمعناه على لسان الضحايا، لا يوجد هناك مجال للتلاعب مع هذه الأمور، وواجبي الرئيسي يتمثل في أكون ناطقاً باسم الضحايا. وإذا انزعجت بعض الدول، فليكن. المهمة الرئيسية هي الدفاع عن حقوق هذه الفئات".

أربع سنوات من الاشتباك

العودة إلى مواقف رعد الحسين المختلفة تفسّر حجم الضغوط الذي تعرّض لها، والراحة التي قابلها قراره بالانسحاب.

في موضوع الروهينغا، في مسألة قضايا الهجرة إلى أوروبا واتهامه الأوروبيين بعدم التصدي للتجاوزات التي يتعرّض لها المهاجرون في ليبيا، في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وإدانة إسرائيل وقتلها المدنيين ثم إدانة قرار ترامب بشأن القدس، في إدانة قتل المدنيين في اليمن والإعدامات في العراق، في قمع الحريات في مصر، في انتهاك الإمارات والبحرين لحقوق الإنسان… كان لرعد الحسين مواقف صريحة إلى جانب الضحايا وضدّ المسؤولين في مخالفة لـ"البوليتيكل كوركتنس"المعهودة في المناصب الدبلوماسية وخطاب الأمم المتحدة.

أقوال جاهزة

شارك غردعزا الحسين تراجعه عن ولاية ثانية في منصبه إلى عدم رغبته بالمضيّ قدماً على هذا النحو، فضلاً عن "ثبوت عدم تمتعه بدعم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بسبب تصريحاته بشأن الأوضاع في دول منها سوريا واليمن"

شارك غردتُطرح أسئلة عديدة عن مدى فعالية السياسة التي اعتمدها الحسين، وعن مدى نجاح أسلوبه الاستفزازي في وصوله إلى غاياته "الإنسانية" في وقت يحاجج البعض أن إزعاج الدول الأعضاء في مجلس الأمن يضرّ سلباً بعمل المنظمة الدولية

أكثر من ذلك، وصف رعد الحسين رئيساً (الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) بـ"الخطير"، ونصح رئيساً آخر (الرئيس الفيليبيني رودريغو دوتيرتي) بالخضوع لـ"فحص نفسي"، كما قال عن رئيس وزراء (المجري فيكتور أوربان) إنه "عنصري". ولم يوفّر مسؤولين كثر من انتقاداته من رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي وصولاً إلى الرئيس السوري بشار الأسد، كما انتقد دور روسيا في سوريا ودور الصين في قمع حقوق الإنسان...

وسط ذلك، كان طبيعياً أن تحتفي أمريكا بـ"التخلّص" من رعد الحسين، وهي التي كانت قد انسحبت - خلال ولايته - من مجلس حقوق الإنسان، كما هدّد رئيسها بتقليص الدعم المالي للأمم المتحدة، وهو حال إسرائيل كذلك إذ قال المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون إن رعد الحسين لم يفوّت أي فرصة لتلفيق الأكاذيب بشأن إسرائيل متهماً الأمير بجعل مجلس حقوق الإنسان "مسرحاً سخيفاً للنفاق والمعايير المزدوجة".

أما في ما يخص علاقته بالأردن، فلا بدّ من التذكير بأن رعد الحسين ينتمي للأسرة الهاشمية الأردنية، وهو أول شخصية عربية تتولى دوراً حقوقياً من هذا النوع. وكان الأمير، الذي قال مرة "نحن لا نجلب الخزي للحكومات، بل هي التي تجلبه لنفسها"، اعترف بأن صراحته ومواقفه "كانت قاسية على عائلته وانعكست على علاقته مع حكومة بلاده".

هل أخطأ الأمير أم أصاب؟ وماذا عن تحديات باشليت؟

بين انتقاد "حماسة" رعد الحسين والثناء على جهوده، يمكن فهم النقاش القديم/ الجديد بشأن دور المسؤولين عن الجانب الإنساني في الأمم المتحدة، والذي يُعتبر في العديد من الأحيان دوراً شكلياً يقتصر على التنديد.

من جهة، يرى البعض، كالسويسري نيلز ميلزر الذي عمل مستشاراً قانونياً للجنة الدولية للصليب الأحمر وكان مرشحاً لخلافة بدوره لخلافة رعد الحسين، أن "على المفوض السامي المقبل أن يدرك أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يعني مهاجمة الحكومات… لا يمكن للمفوض السامي أن يكون ناشطاً".

من جهة أخرى، يرى حقوقيون أن على المفوض السامي فضح الانتهاكات و"عدم التصرف بلباقة"، على ما قاله مدير قسم الأمم المتحدة في "هيومن رايتس ووتش" لويه شاربونو. ولا يمكن هنا إلا التذكير بما قالته المفوضة السامية ماري روبنسون، التي شغلت المنصب بين عامي 1997 و2002، ومفاده "إن حققتم شعبية واسعة وأنتم تقومون بهذا العمل، فهذا يعني أنكم لا تقومون بعمل جيد".

يُذكر هنا أن رعد الحسين نفسه أقرّ أنه واجه انتقادات من داخل الأمم المتحدة رأت أنه يفرط في "إعطاء دروس في الأخلاق"، مطالبين إياه باعتماد "معجم مغاير" للتنديد بالتجاوزات في العالم.

وهنا تُطرح أسئلة عديدة عن مدى فعالية الأسلوب الذي اعتمده المفوّض الحالي، وعن مدى نجاح أسلوبه الاستفزازي في وصوله إلى غاياته "الإنسانية" في وقت يحاجج البعض أن إزعاج الدول الأعضاء في مجلس الأمن يضرّ سلباً بعمل المنظمة الدولية.

تكمن أهمية الإجابة عن تلك الأسئلة في استشراف التحديات التي تواجه رئيسة تشيلي السابقة في منصبها الجديد، والمعروفة بذورها بـ"طاقتها وحماستها" وهي كانت المرأة الأولى التي تولت منصب الرئاسة في بلادها، ولمرتين بين 2006 و 2010 وبين 2014 و2018. وتُعرف كذلك بانتقاداتها الحادة لشخصيات سياسية بارزة، وبينها ترامب، وهي الآتية من أسرة تعرضت للاضطهادات في عهد الرئيس التشيلي الأسبق أوغستو بينوشيه.

في مراجعة كتبتها سوزان نوسيل، التي عملت سابقاً في الحكومة الأمريكية حول المنظمات الدولية، في مجلة "فورين بوليسي" تقول إن انتقال المنصب من رعد الحسين إلى باشليت يحتّم على الأخيرة أن تنظر بجدية في الأسباب التي أدت إلى شغور هذه الوظيفة المرغوبة بشدة في المقام الأول، ومن ثم إعادة تقييم دور المفوض السامي والالتزام بتحديد الخطوات التي ستجعل المنصب أكثر جدوى وفاعلية في المستقبل.

وتشرح نوسيل بالقول إن المنصب، الذي أُنشئ عام 1993 من أجل ضمان حقوق الإنسان وعدم السماح للدول القوية بأن تغطي انتهاكاتها أو انتهاكات حلفائها، تمّ تحديد توليه بولايتين اثنتين، من دون أن يكملهما أحد ممن تولاه، البعض انسحب طواعية والآخر لم يتم التجديد له. وتعود هنا إلى ما قاله الأستاذ في جامعة أوتاوا ديفيد بيتراسيك عن المنصب بأنه أشبه بـ"الكأس المسموم: قم بعمل جيّد ومن غير المحتمل أن يحبك أحد أو يُعاد تعيينك".

برأي نوسيل، استمد المنصب زخماً مع المفوض الحالي بينما تعد مسيرة باشليت - التي رحب الأمير بانتخابها بشكل حار - بالأمر نفسه، لكن "في وقت تواجه في حقوق الإنسان تحديات خطيرة، لا يكفي أن يكون هناك مسؤولين أقوياء في المنصب إنما يحتاج الأمر إلى تغييرات مؤسساتية وهيكلية قوية لإعادة تنشيط ذراع حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي وصلت فيه مبادرات عديدة للإصلاح إلى طريق مسدود لا أمل فيه.

وإلى حين الإجابة عما ينتظره هذا المنصب في المرحلة المقبلة من تحديات، لم يحدد رعد الحسين المهام التي سيقوم بها بعد انتهاء ولايته. يقول ضاحكاً "ضمن خططي أن أكون صحفياً … في الواقع لقد انفصلت عن أهلي خلال الفترة الماضية، هم مقيمون في نيويورك، فيما كنت أقيم في جنيف. أهم شيء الآن هو الجلوس مع الأهل والتواصل معهم". هل يتحول إلى صحافي إذاً، فيحظى بحرية أكبر تتيح له أن يروي تفاصيل أكثر - من الداخل - عن تلك المساحة "الإنسانية" التي تتحرّك فيها الأمم المتحدة، وعن الآليات التي تحدد حدود حريتها في تعاملها مع الدول الكبرى؟

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي