السباق على المنافذ الحدودية والموانئ يستعر بين السعودية وعُمان في محافظة المهرة اليمنية

السباق على المنافذ الحدودية والموانئ يستعر بين السعودية وعُمان في محافظة المهرة اليمنية

عندما وصل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى محافظة المهرة، جنوب شرق اليمن، في بداية الشهر الحالي، كان في استقباله هناك السفير السعودي محمد آل جابر.

آل جابر كان في المهرة ليدشن مجموعة مشاريع موّلتها بلاده، في ثاني كبرى محافظات اليمن المضطرب بالأزمات والذي يشهد حرباً تدور منذ ما يقارب الأربعة أعوام.

موّلت السعودية ثمانية مشاريع في قطاعات التعليم والصحة والنقل والبنى التحتية، وتحمل مدينة طبية تعليمية حديثة اسم العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز.

وإلى جانب مدينة الملك سلمان، تبرز جامعة المهرة، وفي قطاع الصحة هناك المستشفى الكبير الذي تصل سعته السريرية في المرحلة الأولى إلى 200 سرير، بالإضافة إلى مشروع إعادة تأهيل المطار الدولي في الغيضة، عاصمة المحافظة.

وفي مديرية نشطون التي تحتضن الميناء الرئيسي في المحافظة، هناك مشروع لإعادة تأهيل الميناء ورفده بالتجهيزات اللازمة من كهرباء وسفينة سحب.

وفي الغيضة، موّلت السعودية مشروع تأهيل وتوسيع شبكة المياه، فيما تلقت الكهرباء دعماً عبر مشروع إنشاء محطة كهرباء تغطي مديريات المحافظة، كما انضم تأهيل قطاع الطرق إلى قائمة المشاريع الجاري العمل عليها.

نفوذ عُمان في المهرة

تستند سلطنة عمان في تحركاتها داخل المهرة على أرضية مهيئة للنجاح، ذلك أن علاقاتها بالسكان المحليين وزعماء القبائل هناك متوغلة منذ القدم، وتُعَدّ ورقة رابحة في صراع النفوذ مع السعودية.

ويعود النفوذ العماني في المهرة إلى ستينيات القرن الماضي وما قبل ذلك، ولكن الدولة القوية التي كانت تسيطر على جنوب اليمن، قبل الوحدة، لم تكن تساعد مسقط على توطيد علاقاتها الاجتماعية والثقافية مع محافظة المهرة كما هو الوضع الآن.

ويَعبُر التقارب بين عمان والمهرة الحدود في الماضي والحاضر، لأن التلاقي الثقافي والاجتماعي بين الدولة والمحافظة اللتين ترتبطان بحدود برية وبحرية يبدو حاضراً بشكل جلي ويعزز التداخل الثقافي المتبادل بين أبنائهما

وتلتقي عمان مع المهرة في عدة جوانب منها اللغة واللهجات المحلية والعادات والتقاليد، كما أن الحدود البرية التي تربط بينهما طولها 288 كيلومتراً.

فالمهرة صديقة لعمان وحدث ما يشبه تداخلاً في الهويات بين أبنائهما، وحصل عدد كبير من زعماء قبائل المحافظة على الجنسية العمانية العام الماضي، أبرزهم الشيخ عيسى بن عفرار الذي يحتفظ بمنصب تقليدي قديم هو سلطان المهرة ويُعَدّ أحد أقوى حلفاء السلطنة في المهرة.

وفي سياق سباق النفوذ داخل المهرة، ليس هناك من ورقة تناور بها عمان سوى التأييد الشعبي الكبير لها في المحافظة والاعتماد على أصدقائها من زعماء القبائل والقادة المحليين.

استطاعت السلطنة أن تبقي على استمرارية حضورها داخل المهرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولكن لم يكن هناك وجود لمنافس إقليمي لها، وكانت الدولة اليمنية في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح تراقب ما يحدث وأعطت عمان ضوءاً أخضر للتحرك في إطار مربع دعم الخدمات والتنمية.

ولم تستفد عمان حينذاك من خلو المشهد من القوى الإقليمية بالشكل المناسب لتعزيز حضورها في أبعد من مجال الخدمات، والآن يبدو أن تعويض هذا التقصير صعب.

"عندما كان الجميع غائبين عن المشهد في المهرة، كانت عمان تدعمنا كثيراً. ليس من السهل تفكيك هذه العلاقة المحترمة. دولة عمان كانت تتواجد في كل الأحوال والسعودية والإمارات لم نرهم إلا بعد تحركهم مؤخراً في اليمن" يقول لرصيف22 سالم المنهالي، أحد أبناء المهرة.

نفوذ السعودية في المهرة

في يناير 2017، أرسلت السعودية قوات عسكرية تابعه لها إلى منفذي شحن وصرفيت، وكذلك إلى ميناء نشطون ومطار الغيضة الدولي، في المهرة، بعيد تقارير تحدثت عن عمليات تهريب للسلاح من هناك إلى الحوثيين.

تعتقد السعودية، وإنْ لم تتحدث عن ذلك بشكل واضح، أن المنافذ البرية التي تربط المهرة بسلطنة عُمان، هي أحد أهم مراكز تهريب السلاح إلى الحوثيين وبالتالي فإن عمان بطبيعة الحال هي المقصود بتعزيز المملكة لتواجدها في المنافذ الحدودية.

أقوال جاهزة

شارك غردمساعٍ سعودية لتوسيع نفوذها في محافظة المهرة اليمنية... والأهداف: فصل الحوثيين عن عمان، وإيجاد منفذ بحري لا يضطرها للمرور عبر مضيق هرمز

شارك غردتعتقد السعودية أن المنافذ البرية التي تربط محافظة المهرة اليمنية بسلطنة عُمان هي أحد أهم مراكز تهريب السلاح إلى الحوثيين، وبالتالي فإن عمان هي المستهدف من تعزيز المملكة لتواجدها في المنافذ الحدودية لتلك المحافظة

ولكن هذه الخطوة، وإنْ بدت ذات ثقل سياسي، إلا أنها تبدو ناقصة لأنها لا تحظى بالموافقة المحلية، فعلى المملكة أن تقوم بالتواصل مع زعماء القبائل هناك وإحداث اختراق لهم يمكّنها من سحب البساط من تحت عُمان.

لكن الأمور ليست على ما يرام بالنسبة إلى الرياض في المهرة، لأن المجتمع هناك شبه منغلق على السعودية ومنفتح أكثر على العمانيين.
ومثلما أن عمان تلعب بورقة التأييد المحلي، فإن السعودية تميل إلى الاتكاء على الحكومة كمشرعن لوجودها هناك.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحرك فيها الرئيس هادي وحليفته السعودية بهذا الشكل في محافظة المهرة، بعد أسابيع من تراجع وتيرة الاحتجاجات التي انطلقت ضد التواجد العسكري السعودي في مطار وميناء المهرة.

وقبل أسابيع، حاولت السعودية تعزيز تواجدها العسكري في مطار وميناء نشطون ومنفذ صرفيت المحاذي لسلطنة عمان، في إطار ما قالت إنه احترازات أمنية لوقف عمليات التهريب.

ولكن السكان المحليين، مدعومين برجال القبائل، خرجوا في تظاهرات ضد الخطوة، ورفعوا ستة مطالب من بينها تسليم المنافذ والمرافق الملاحية للسلطة المحلية.

ويقول جلال عبد الله محمد، أحد أبناء المهرة، إن "السعودية قدمت دفعة واحدة مشاريع لم تقدمها عُمان طيلة تواجدها في المهرة. نحن نقول الحقيقة: نرحب بالسعودية لكننا لا نفرط بسيادة المهرة".

عمان والسعودية... صراع مُستعر على النفوذ

يبدو أن الدافع الأبرز خلف محاولة عمان تمكين نفسها في محافظة المهرة اليمنية، هو سعي السلطنة إلى تأمين نافذة لها في اليمن، بغية الاحتفاظ بقدر كافٍ من الحضور في البلد الذي يشرف على أحد أهم منافذ التجارة البحرية.

ومن جانب آخر، فإن التواجد في المهرة يصبّ في صالح الأمن القومي للسلطنة لأن وجود السعودية والإمارات يعني أن عُمان أصبحت محاصرة في عقر دارها.

ولا يبدو أن مسقط ستغامر بخسارة نفوذها في المهرة لأن ذلك يعني خسائر اقتصادية لها، إذ تدرّ المنافذ مع اليمن أموالاً كبيرة على الخزينة العمانية.

أما مساعي السعودية، فهي لا تتوقف عند وقف عمليات التهريب، لأنها أيضاً ترغب في التواجد في المهرة من أجل مجابهة عُمان قرب عقر دارها وفصلها عن اليمن الذي بات منطقة نفوذ للمملكة.

لمّا بدأت إيران تلوّح بإمكانية إغلاق مضيق هرمز في الآونة الأخيرة، كانت السعودية تحضّر نفسها بشكل جيّد للتحرك في المهرة بغية إيجاد بديل بحري على ساحل البحر العربي تستطيع من خلاله تمرير تجارتها البحرية بعيداً عن نطاق نفوذ خصمها اللدود إيران.

في الصورة الظاهرة للخطوات السعودية، تعمل المملكة على تفعيل حركة البناء والتنمية في المحافظة الساحلية التي لا تصلها مشاريع الحكومة اليمنية إلا قليلاً.

ولكن السعودية ستستفيد من الناحيتين الأمنية والاقتصادية من تواجدها في المهرة، فهي بذلك تفصل الحوثيين عن أصدقائهم في عمان، وهذه ضربة مزدوجة للطرفين، وثانياً، فإن هذا قد يمثل ارتداداً سلبياً على إيران لأنها كانت تعتقد أنها ستخنق السعودية عبر إغلاق مضيق هرمز.

ويقول الكاتب والصحافي اليمني خالد عبد الهادي لرصيف22 إن "للحضور السعودي في المهرة أكثر من وجه فهو يأتي بالطبع في صلب السباق على تعزيز النفوذ في هذه المحافظة شاسعة المساحة، والتي أبانت سنوات الحرب في اليمن أن في إمكان أطراف عدة مشتركة في الحرب إيذاء ظهر السعوديين من هناك".

ويضيف عبد الهادي: "للاقتراب من فهم المشهد في المهرة، لا بد من إلقاء نظرة أكثر اتساعاً على العناصر المغذية للمواجهة الباردة في المحافظة وهي: العلاقة المكدرة بين عمان وممالك الخليج المحاربة في اليمن؛ والعلاقة المتينة بين عمان وإيران؛ والعلاقة الجيدة بين عمان والحوثيين؛ ثم التقارير التي تتحدث عن منافذ ومسالك في المهرة لتهريب السلاح إلى الحوثيين".

ويقدّر أن "المتوقع أن عمان ستنظر إلى الحضور السعودي عند حدودها بريبة وتوجس خصوصاً أن لجيران السلطنة الخليجيين سوابق في إيذائها، ومن ثم سيكون للعمانيين تدابيرهم".

ماذا بعد؟

من الصعوبة التنبؤ بماذا سيحدث خلال الجولات القادمة من سباق النفوذ بين السعودية وعمان، لكن يمكن القول إن الطرفين يسعيان إلى أن يسبق أحدهما الآخر في الخطوة التالية.

وتبدو السعودية مصممة على المضي قدماً في أقاصي الشرق اليمني وتثبيت تواجدها هناك، وهذا سيأتي عبر إعادة تدعيم وجودها العسكري في المنافذ والمواقع التي جمدت نشاطاتها فيها بسبب التظاهرات، ولكن هذا يتطلب أن تطرق أبواب زعماء القبائل.

ولعمان تجربة جيّدة في تحريك الشارع المهري لصالحها، كما فعلت ضد الإمارات عندما حاولت الأخيرة تشكيل قوات أمنية موالية لها.
"السعودية والإمارات تجحظان بعينيهما بقوة على المهرة وحضرموت وكل الموانئ والجزر والمنافذ الاستراتيجية للاستحواذ عليها ولجعل الساحل الجنوبي على بحر العرب ممراً نفطياً للعمق الخليجي، لتفادي مضيق هرمز واختصار المسافة الى أسواق النفط"، يقول لرصيف22 الكاتب والصحافي اليمني صلاح السقلدي.

ويضيف السقلدي أن "هناك نية للالتفاف جنوباً على الخاصرة العمانية، خاصة أن بعض الدول الخليجية تنظر إلى عمان على أنها تغرّد خارج السرب الخليجي وتتجه صوب النفوذ الإيراني ويجب تأديبها".

ولكنه يشير إلى أن "هذا لن يمر بسهولة، فسلطنة عمان تمتلك من الدهاء والمرونة ما يجعلها تجهض كل المساعي لخنقها، برغم ما نراه من وضع لرأس الحربة في ظهرها اليوم".


صالح المحوري

صحافي يمني تخرّج من قسم الإعلام بكلية الآداب في عدن عام 2017.

التعليقات

المقال التالي