خروج خطير: من يتحكم في كيفية عودة السوريين من لبنان إلى بلادهم؟

خروج خطير: من يتحكم في كيفية عودة السوريين من لبنان إلى بلادهم؟

في وقت يقترب نظام بشار الأسد، بدعم روسي، من استعادة السيطرة على معظم الأراضي السورية من مجموعات المعارضة المُسلحة، تُثار التساؤلات حول مصير اللاجئين السوريين، لا سيما من الدول المجاورة.

شارلوت ألفريد، الصحافية في موقع "نيوز ديبلي" الأمريكي، تتبعت في تحقيق مُطول، سيناريوهات العودة وكيف استخدمت الحكومة السورية "لجان المصالحة" كآلية "خضوع للمنتصر"، الذي يفرز من يمكنهم العودة إلى وطنهم من عدمه. وكيف أجاد نظام الأسد، بمظلة روسية، استخدام عودة السوريين من لبنان كـ"تكتيك حرب" أكثر من كونه "علامة للسلام"، واستغلاله "المناطق الآمنة" في شل حركة المجتمع الدولي أمام شنه هجمات على المدنيين في مناطق أخرى. عدا تسييس النظام لقضية اللاجئين، كوسيلة لإعادة العلاقات مع النظام، وكيف استفاد حزب الله سياسيًا وعسكريًا من عودة بعض السوريين، ومساعي لبنان "الرسمية" إلى الحصول على دعم دولي لعودة اللاجئين لبلادهم باللعب على وتر المعاداة الأوروبية لهم.

وفي ثنايا التحقيق، تتناثر قصص من لديهم حنين لبيوتهم وقراهم ومُدنهم المُهدمة، بين المُفرقة أسرهم شطرين، الشطر الأول في سوريا يخاطر بحياته "دون ضمانات"، ليكون مصيره الدفع إلى جبهات القتال، والشطر الثاني يعيش نار الغربة والحرمان من وداع جثامين ذويهم في لبنان، بينما يبحث فريق آخر عن طريق ثالث يرى في البقاء بلبنان خطورة تتزايد وتيرتها بمرور الوقت.

"سأعود إلى أرضي"

حينما صعدت حليمة بصعوبة إلى شاحنة تاركة لبنان في أواخر يونيو، قالت لنفسها إنه إذا تم إلقاء القبض على من يقودونها على الحدود السورية، فإنها ستخرج وتعود إلى قريتها وحدها.

لم تر الجدة، البالغة من العمر 66 عامًا، ابنها وابنتها اللذين تركتهما في سوريا منذ 5 سنوات. كانت ترتدي ثوبًا أسود مُطرّزًا وغطاء رأس تراثيًا. وقتها لمعت عيناها المُتعبتان، وقالت في حزم: "سأعود إلى أرضي".

وبعد أن توسلتا إليها ألا تغادر، بكت ابنتا حليمة اللتان عاشتا في كنفها وبقيتا في لبنان. وقالت شريفة، 42 عامًا، بصوت حزين: "إننا نخشى ألا تعود". ولا تستطيع اللحاق بوالدتها إلى سوريا، لأن ابنها الأكبر، معيل الأسرة الوحيد الذي يعمل في وظائف مختلفة بسبب عجز والده، سيتم إرساله إلى الحرب إذا رافقوا جدته مع بقية العائلة.

عائلات أخرى تجمعت عند نقطة التفتيش الحدودية في شمال شرق لبنان. وهناك ركعت فتاة في سن المراهقة على الطريق الترابي، وتشبثت بقدمي شقيقها، 19 عامًا، رافضة مغادرته. والدتها، نوال، منعتها من الوقوف في طريقه بينما كان يتجه إلى شاحنة على الحدود، لكنها قالت "لا أعرف كيف سيعيش بمفرده في سوريا. إن الله وحده يعلم ما سيحدث له. لم أكن أعتقد أنه سيغادر بالفعل. كل شيء حدث بسرعة كبيرة".

على كل السوريين الذين يريدون العودة إلى ديارهم تقديم أسمائهم للحصول على موافقة الاستخبارات اللبنانية والسورية. ولم يتم الموافقة للجميع من قبل السلطات السورية.

قبل بضعة أشهر، قام 3 آلاف سوري في بلدة عرسال الحدودية اللبنانية بتسجيل أسمائهم مع وكالات الاستخبارات السورية واللبنانية للعودة إلى قراهم الكائنة على الجبال في منطقة القلمون السورية. وعندما تمت الموافقة على مغادرة المجموعة الأولى المؤلفة من مئات الأشخاص في 28 يونيو تفرق العديد من العائلات، لأن بعض أفرادها لم يسجلوا أو بسبب عدم موافقة السلطات السورية.

"نحن بحاجة إلى حل سياسي لهؤلاء الناس للعودة، لكن السياسة لا تظهر هنا في لبنان"، قالها رجل مخابرات لبناني، عندما اندلعت مشاجرة في صباح يونيو الحار بين رجل سوري اندفع إلى خالد عبد العزيز، وهو رجل أعمال في قطاع العقارات، كان قد تم تكليفه بإشراك زملائه اللاجئين في العودة.

كان الأخير يجري مقابلات تليفزيونية مع المحطات عند نقطة التفتيش، مكررًا أن السوريين لديهم بلد يعودون إليه. وهو ما دفع الأول إلى الصياح قائلًا "أنت تحمي الجيش، لا تحمي نفسك"، قبل أن يتم سحبه بعيدًا.

في حين تجمعت عشرات الشاحنات والجرارات مع الأخشاب وخزانات المياه وأقفاص الدجاج، التي تحركت برفقة الجيش إلى الحدود السورية بعد فحصها من رجال المخابرات اللبنانية.

"العودة ليست شُرب كوب من الشاي ثم يُقال بعد 7 سنوات عُد إلى بيتك"

مع قيام الحكومة السورية وحليفها اللبناني (حزب الله) بقتال فصائل المعارضة في المنطقة الحدودية الجبلية، تدفق حوالي 50 ألف لاجئ على بلدة عرسال اللبنانية، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف عدد سكانها.

في اليوم التالي، على الجانب الآخر من عرسال، نظمت مجموعة صغيرة من اللاجئين اعتصامًا، إلى حد أقل ضجيجًا. وظهرت لافتة كُتب عليها "بضمانات من المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة: "إننا نطلب العودة بكرامة".

خالد رعد، أحد المنظمين للاعتصام، قال: "لسنا ضد العودة، لكننا نريد شروطًا، وضمانات". شكّل خالد لجنة للاجئين وقدم التماسًا إلى الأمم المتحدة والسياسيين اللبنانيين المتعاطفين من أجل وجود حماية دولية للسوريين العائدين لمدة عام. "أعني، هذا لا يشبه شرب كوب من الشاي أو القهوة ليقال بعد سبع سنوات امض قدمًا وعُد إلى بيتك. هذا ليس بالأمر السهل".

في غضون ذلك، عادت حليمة إلى سوريا. وبصرف النظر عن بعض الجرارات التي تتعطل في الطريق، لم يكن لديهم مشكلة في عبور الحدود. ذهبت حليمة لتبقى مع ابنها بينما كانت تنتظر معرفة الوضع في بلدتها، قرية فليتة التي تقع على قمة الجبل. ترعرعت حفيداتها بسرعة أثناء وجودها في لبنان، وكانت تحب قضاء الوقت معهم في المدينة المجاورة.

أقوال جاهزة

شارك غردحينما صعدت حليمة بصعوبة إلى شاحنة تاركة لبنان في أواخر يونيو، قالت لنفسها إنه إذا تم إلقاء القبض على من يقودونها على الحدود السورية، فإنها ستخرج وتعود إلى قريتها وحدها.

شارك غرد لم تر الجدة، البالغة من العمر 66 عامًا، ابنها وابنتها اللذين تركتهما في سوريا منذ 5 سنوات. كانت ترتدي ثوبًا أسود مُطرّزًا وغطاء رأس تراثيًا. وقتها لمعت عيناها المُتعبتان، وقالت في حزم: "سأعود إلى أرضي".

شارك غردمع قيام الحكومة السورية وحليفها اللبناني (حزب الله) بقتال فصائل المعارضة في المنطقة الحدودية الجبلية، تدفق حوالي 50 ألف لاجئ على بلدة عرسال اللبنانية، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف عدد سكانها.

لكن مع عودة المزيد من أصدقائهم وأقاربهم إلى فليتة، مع مغادرة مجموعات لاحقة لبلدة عرسال في يوليو الماضي، تعرفت العائلة على القرية السورية بمنازلها الخالية، والقليل من الماء والكهرباء. وتلقت شريفة، ابنة حليمة، رسائل من أقاربها الذين عادوا إلى فليتة بأنهم يريدون الهروب مرة أخرى إلى لبنان، لا سيما مع عدم وجود طريقة سهلة للعودة بشكل قانوني، حيث خططوا للهروب بأنفسهم عبر الحدود.

مع فقدان شريفة لأمها، والأخبار السيئة القادمة من فليتة أصبحت أكثر يقينًا من أي وقت مضى بعدم عودتها إلى سوريا، لكنها غرقت في الاكتئاب وأصبحت يائسة بشكل متزايد، فزوجها غير قادر على العمل لأسباب صحية. وقالت: "بالله، الموت أفضل من العيش... أعوذ بالله من هذه العودة".

حنين إلى الوطن.. وخوف من العودة

وتعد العودة إلى سوريا خلال هذا العام الثامن من الصراع بمثابة قرار شخصي مُؤلم وحساب سياسي، سواء من قبل اللاجئين، والحكومة في سوريا، ودول أخرى لها مصلحة في الحرب.

وبينما تستعيد الحكومة المزيد من الأراضي من فصائل المعارضة، وتقمع في بعض المناطق، يفكر بعض اللاجئين بالعودة، في حين يخشى آخرون من الضغط المتزايد للعودة. وبعد أن بدأ لبنان تنظيم مجموعات صغيرة هذا العام للعودة، بما في ذلك عرسال، أصبحت هذه المعضلات أكثر إلحاحًا.

وفي هذه الظروف تصبح العودة كمقامرة سياسية، فيجب على اللاجئين أن يزنوا مخاطر البقاء مقارنة بمخاطر الذهاب. وأن يحاولوا معرفة من يمكن الوثوق به لإخبارهم بالحقيقة، فهم يجمعون مقتطفات من المعلومات من مدنهم وبلداتهم وقراهم حول ما يحدث للأشخاص الذين يعودون. إنهم يناضلون من أجل فك رموز نوايا السلطات السورية الزئبقية متعددة الطبقات وحلفائها الأجانب.

ومن بين مخاطر العودة، أنه خلال الحرب في سوريا، قُتل نصف مليون شخص، بما في ذلك آلاف القتلى في هذا العام. ونحو مليون شخص أُجبروا على ترك منازلهم هذا العام وحده، وثلث المنازل ونصف المدارس والمستشفيات تضررت أو دمرت في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. فضلًا عن التجنيد الإلزامي الذي يلاحق الرجال تحت سن 43 سنة، والخوف من الاعتقال والتعذيب، وصعوبة إعادة الاندماج في مجتمع واقتصاد مزقته الحرب.

وحتى الآن، اعتبر عدد قليل من اللاجئين أن هذا الأمر يستحق المخاطرة. وفي عام 2017، قالت منظمة الأمم المتحدة أن 77,300 لاجئ قد عادوا طوعًا إلى سوريا، من أصل 5.6 مليون كانوا قد فروا من البلاد. وقد أخبرت الغالبية العظمى من اللاجئين السوريين الأمم المتحدة ودراسات استقصائية مُستقلة أنهم كانوا يأملون في العودة إلى بلادهم في يوم من الأيام، لكنهم لم يشعروا بالأمان بعد للقيام بذلك.

هناك أيضًا مخاطر للبقاء. أكثر من 80% من اللاجئين السوريين لا يزالون في ثلاثة بلدان مجاورة، تركيا ولبنان والأردن. وهناك يواجهون الفقر المدقع، وسنوات من العمل أو الدراسة، ونقص الوثائق الرسمية، وخطر الاعتقال، وفوق كل شيء، تصاعد المطالب للسوريين بالعودة.

وفي لبنان، حيث لجأ 1.5 مليون سوري على الأقل - مما زاد عدد سكان البلد بمقدار الربع - أصبح الضغط على مغادرتهم هو الأشد طلبًا، فالقليل من السوريين لديهم وضع قانوني، وقليلون منهم يمكن أن يعملوا.

وفرضت العديد من المدن اللبنانية حظر التجول أو قامت بعمليات إجلاء جماعية للسوريين. وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام الماضي، قال الرئيس اللبناني ميشال عون، "إن الادعاء بأنهم لن يكونوا آمنين في حالة عودتهم إلى بلدهم هو ذريعة غير مقبولة".

من الإخلاء للمصالحة.. العودة من لبنان "تكتيك حرب" أكثر من كونه "علامة سلام"

لدى الحكومة السورية حساباتها السياسية الخاصة حول العائدين: من الذي سيسمح بالعودة؟ وما هو الثمن السياسي الذي يمكن استخلاصه من عالم متحمس لإرسال اللاجئين السوريين إلى بلادهم؟ في حين أن الرئيس بشار الأسد لا يزال معزولاً عن المجتمع الدولي، في لبنان لديه حليف وشريك مُحارب متمثلًا في الحزب السياسي وميليشيا حزب الله، التي تدعمها إيران أيضًا.

على مدار العام الماضي، بدأت الحكومة السورية وحلفاؤها اللبنانيون بتنظيم عمليات عودة جماعية صغيرة إلى مواقع مختارة استراتيجيًا في سوريا. ساعدت عمليات الإعادة في دعم التصور بأن حرب سوريا قد انتهت وأن الوقت قد حان الآن لعودة السوريين، التي استفاد منها نظام الأسد وحليفته، روسيا.

ألكسندر لافرينتيف، المبعوث الرئاسي الروسي الخاص لسوريا، قال إن العودات من لبنان كانت "علامة جيدة" و"مجرد البداية"، حيث أطلق حملة موسكو لإعادة السوريين في أواخر يوليو. "إنها مثل كرة الثلج التي تأتي من الجبل، مع حساب كل عابر يصبح أكبر وأكبر". لكن مثل العديد من انعكاسات الواقع في الحرب السورية، فإن تنظيم العودة من لبنان هو تكتيك حرب أكثر من كونه علامة على السلام.

على الحدود الشمالية الشرقية لجبال لبنان مع سوريا، حتى اندلاع الانتفاضة السورية في عام 2011، اشتهرت جبال القلمون بالتهريب وبساتين الكرز. لكن مع تحول الانتفاضة السورية إلى حرب عالمية بالوكالة، أصبحت الجبال بمثابة جائزة استراتيجية، فهي توفر اتصالاً بين العاصمة السورية دمشق ومدن رئيسية أخرى، فضلاً عن كونها خط إمدادات من لبنان وإليه.

وفي عام 2013، أعلن حزب الله تدخله في الحرب السورية بإعادة السيطرة على مدينة القصير، على الطرف الشمالي من القلمون. ومع مطاردة مقاتلي المعارضة جنوبًا، تدفق 50 ألف لاجئ سوري إلى عرسال اللبنانية.

وفي 2014، هددت حرب سوريا بالانتقال إلى لبنان عندما قام مقاتلو داعش والقاعدة باجتياح عرسال لفترة وجيزة واختطفوا العديد من الجنود اللبنانيين. وتم عزل المدينة بشكل فعال عن بقية البلاد.

واستغرق الأمر 3 سنوات من حزب الله والجيش اللبناني لطرد المقاتلين المتبقين المحصورين في الكهوف حول عرسال. كما تفاوض حزب الله على صفقات الاستسلام مع عدة مجموعات، بما في ذلك إجلاء المقاتلين وعائلاتهم وغيرهم من المدنيين. وبحلول نهاية صيف 2017، غادر حوالي 10000 سوري عرسال، معظمهم لاجئون.

وكانت عمليات العودة في الصيف الماضي أكثر تشابهًا مع صفقات استسلام مقاتلي المعارضة من إعادة اللاجئين إلى أوطانهم. لم يعد معظم اللاجئين إلى ديارهم، بل إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في محافظتي إدلب وحلب. ناضل البعض للعثور على سكن والعمل عند العودة. ونزح آخرون مرة أخرى بسبب القتال الدائر في مناطقهم.

وفي هذا العام، أخذت صفقات العودة شكلاً جديدًا، لم يتم التفاوض على صفقات الإخلاء مع قوى المعارضة، بل في شكل صفقات "مصالحة" توافقت فيها مجموعات صغيرة من السوريين على الخضوع لفحص من قبل الاستخبارات السورية، بالتنسيق مع وكالة المخابرات العامة اللبنانية، للعودة إلى الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة وحزب الله على طول الحدود اللبنانية.

من جهته، قال الصحافي السوري عبد الرحمن المصري في وقت سابق: "إن حزب الله لديه مصلحة في إعادة إعمار مناطق القلمون بشكل استراتيجي، وهذا يساعد على تعزيز سيطرتهم على المنطقة مع ضمان الفوز (بانطباعات) عامة في لبنان من خلال إرسال اللاجئين إلى بلادهم".

وعاد بين 3000 و 5000 لاجئ من لبنان في إطار صفقات المصالحة هذا العام. وقال ناصر ياسين: "هذه الصفقات قليلة العدد نسبيًا، لكنها ترسل رسالة إلى الصحافة والعامة تقول إنه من الآمن العودة".

ياسين، الأستاذ في مركز الفكر السياسي في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهو معهد عصام فارس، وهو محور للمناقشات الدولية واللبنانية حول سياسة اللاجئين في لبنان، قال "لكننا لا نعرف ما يحدث على الجانب الآخر".

ماذا يحدث في الجانب الآخر (سوريا)؟

صالحة، وهي سيدة سورية عاصرت مواطنتها حليمة، لكنها تتحلى بإصرار شديد على العودة، كانت تستعد لمغادرة عرسال في يونيو الماضي عندما طلب منها ابنها، محمد، البقاء.

السيدة، 65 عامًا، كانت لا تطيق صبرًا حتى تعود إلى قرية فليتة لإعادة بناء منزل العائلة، بحيث يكون جاهزًا لمحمد وأطفاله الخمسة عندما يعودون إلى سوريا. عُمر ابنها حوالي 45 سنة، كان مُهربًا ناجحًا في السابق، لكن صالحة ربته بمفردها ولا تدري أنه عليها التوقف عن الاعتناء به بعدما كبر.

توفي والد محمد عندما كان عمره 5 أشهر. ليس لديه أشقاء، لذلك اعتاد هو وأمه البحث أحدهما عن الآخر. لم يستطع محمد تحمل فكرة عودتها إلى سوريا وحدها، حيث كان يحتاج إلى طبيب وليس لديه من يتصل به، لذلك وافقت صالحة على الانتظار حتى يتمكن محمد من إقناع جميع أفراد الأسرة بالعودة معًا.

وفي المنزل المؤقت في مزرعة أحد الأصدقاء في عرسال، استمرت العائلة جيئة وذهابًا في اتخاذ القرار. وبينما كان يدخن سيجارته، شعر محمد أنه في مأزق، أصبحت صالحة أكثر ضعفًا وأكثر حنينًا للوطن، في حين يريد محمد أن يلبي رغبتها.

"الجميع يريدون أن يموتوا في قريتهم،" قالها. لكن أبناءه، الذين تراوح أعمارهم بين 18 و20 عامًا، يرفضون العودة. إنهم مرعوبون من التجنيد الإجباري، لكن محمد قلق أيضًا من وقوعهم في مشكلات في لبنان.

وقال: "من الخطر العودة، ولكن من الخطورة البقاء هنا أيضًا".

في منتصف يوليو، غيّر محمد رأيه مرتين خلال أسبوعين حول ما إذا كان سيعود عندما سمع عن وفاة صهره حسن. عاد الشاب البالغ من العمر 40 عاماً إلى مدينة فليتة في بداية الشهر مع مجموعة أخرى من عرسال. وبعد ثلاثة أيام، أطلق رجال ملثمون النار عليه عند مدخل منزله.

الحرب في سوريا قسمت فليتة، مثل العديد من المدن الأخرى. الآن تحت سيطرة القوى الموالية للحكومة، يواجه الأشخاص الذين فروا من القرية، وأولئك الذين ينحدرون من عائلات معينة، الاشتباه في ارتباطهم بجماعات المعارضة والانتقام المُحتمل من خصوم سابقين.

وقد سمع محمد شائعات عن تعرض أقاربه للضرب لدى عودتهم إلى فليتة، لكن وفاة حسن كانت صدمة "الناس الذين يعودون إلى سوريا يخشون التحدث عما يحدث بالفعل، حتى لأسرهم".

ومع حيرة محمد تجاه ما يجب عليه فعله، كان أكثر قلقًا من أن القرار سيخرج عن يديه. وكنوع من التأمين، في حالة اضطرار العائلة إلى العودة، طلب من أحد أصدقائه في ميليشيا موالية للأسد العودة إلى دياره إذا كان يستطيع توفير الحماية لهم.

"نحن خائفون في المستقبل أن نُجبر على العودة. لذا، من الأفضل أن تعود من تلقاء أنفسنا"، قالها محمد، وهو يزن مخاوف العائلة مقابل احتمال أن يكون انضمامهم إلى حليمة والعائلات الأخرى العائدة من لبنان بمثابة تأمين باعتبارهم يشكون عددًا (كبيرًا) "إذا كان هناك لاجئون آخرون".

خيارات إجبارية.. وفوضى منظمة

تركت الحرب في سوريا العديد من المعايير الدولية المنهارة في أعقابها. لقد تعرضت مرارًا وتكرارًا لانتهاكها، مثل استخدام الأسلحة الكيميائية واستهداف الصحفيين والمدارس والمستشفيات.

إن الطريقة التي يعود بها السوريون إلى ديارهم تهدد بتآكل قاعدة أخرى في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي أنه يجب على الدول ألا تجبر اللاجئين على العودة إلى الخطر.

المبدأ القائل بأن اللاجئين يجب أن يعودوا طواعية، بالفعل تحت التهديد، فالصراعات الحديثة تدوم لفترة أطول، وتوسيع ميزانيات المساعدات - مع توطين الدول الغنية عدد أقل من اللاجئين - والضغط على البلدان المجاورة للحرب، كل هذا يجعل اللاجئون في الغالب لا يملكون سوى بدائل قليلة، فيعودون إلى ديارهم، سواء كانت آمنة أم لا.

تقول مها يحيى، مديرة مركز كارنيجي للشرق الأوسط في بيروت، الذي أنتج مؤخراً واحدة من أكثر الدراسات الشاملة للاجئين السوريين، "إن مفهوم العودة الطوعية يفقد المعنى ببطء... يتم وضع العديد من اللاجئين في وضع يمكنهم فيه اختيار العيش في بؤس في بلد مضيف يرفضهم؛ أو المخاطرة بحياتهم بالعودة إلى وطنهم، وهذا ما لا يريدونه بالضرورة".

القشة الأخيرة لعبدالرحمن، وهو سائق حافلة سابق يبلغ من العمر 48 عامًا من حلب، كانت موت والده. ست سنوات من الفقر والاستغلال في لبنان قد أنهكته بالفعل. يقود شاحنة رافعة شوكية في مصنع لتعليب الطعام في وادي البقاع الأوسط لساعات طويلة وأجور قليلة. وقال: "كل صباح أذهب للعمل وأشعر أنني سأذهب إلى السجن".

أنه يمكن أن يتحمل ما يعانيه، لكن أن تفوته جنازة والده كان أمرًا كبيرًا. أصيب والده المسن بالمرض أثناء عاصفة شتوية في نهاية 2015. ومثل معظم السوريين في لبنان، لا يتمتع عبدالرحمن بوضع قانوني في البلاد. أمر لبنان منظمة الأمم المتحدة بالتوقف عن تسجيل اللاجئين في 2015 ولا يستطيع العديد من السوريين تحمل تكاليف الإقامة أو استيفائها.

وعندما توفي والده، أحضر عبد الرحمن جثته إلى المستشفى. اتصل الموظفون بالشرطة، وطلبوا منه على الفور إثباتًا للوضع القانوني في البلاد. وقال: "أخذوني إلى السجن بينما كان جثمان والدي في المستشفى... أردت فقط أن دفن والدي باحترام"، وبينما كان ينتظر في السجن، تولى أصدقاؤه أمر الجنازة.

هذا العام، قرر عبدالرحمن أن يأخذ منزل عائلته. لقد كان يبيع ممتلكاته لدفع ثمنها إلى مٌهرب. كثير من اللاجئين، من اليأس يدفعون لمهربين لإعادتهم إلى سوريا، لتجنب الغرامات اللبنانية على تجاوز الحدود في البلاد والتحايل على الاستجواب على الحدود السورية.

"نحن لا نعرف ما ينتظرنا هناك في حلب، لكنني لا أستطيع تحمله بعد الآن"، يقول عبدالرحمن مُضيفًا: "سأبدأ حياة جديدة مع العائلة. على الأقل بهذه الطريقة أستطيع إنقاذ ما تبقى من كرامتنا".

لا رؤية بديلة.. من يضع الأجندة؟

من دون رؤية بديلة واضحة لكيفية عودة السوريين إلى ديارهم، تُركت المساحة مفتوحة للأصوات السلطوية للسيطرة على مسارات الأمور.

في الجامعة الأميركية في بيروت، قام ناصر ياسين بتغريد "حقيقة اليوم" حول اللاجئين باللغتين العربية والإنجليزية لأكثر من عام، وجهوده الشخصية لإدخال الحقائق في النقاش اللبناني حول اللاجئين. كان مُحبطًا له أن يشاهد وزير الخارجية، جبران باسيل، يأخذ موقفًا (سيئًا من اللاجئين)، بينما المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في موقع دفاعي.

وأضاف ياسين: "لا يمكنك التراجع عن القيم الإنسانية، مثلما كان في الخمسينيات. لقد تغير العالم.. مع كل القومية اليمينية في جميع أنحاء العالم. نحن (لبنان) نتفاعل لكننا لا نضع الأجندة المناهضة للاجئين".

في يوليو، استولت روسيا على جدول الأعمال، التي أدى تدخلها في 2015 إلى ردة الحرب لصالح الحكومة (السورية)، ولكن يُنظر إليها الآن على أنها حريصة على الخروج من ساحة المعركة. بعد أن التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أرسلت وزارة الدفاع الروسية خطة عمل مشتركة مقترحة إلى واشنطن العاصمة لإعادة 1.7 مليون لاجئ سوري، بما في ذلك 889.031 ألفًا من لبنان. والنتيجة رحب السياسيون اللبنانيون بالفكرة.

في أعقاب الإعلان الروسي، كررت وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قائمة شروطها للبدء بتسهيل العودة إلى جزء أو كل المناطق في سوريا، التي أوجزتها بشيء من التفصيل في وقت سابق من هذا العام.

ومن بينها تحسين الأمن، وعدد كبير من اللاجئين الذين يطلبون العودة، وعفو عن العائدين، بمن فيهم أولئك الذين يتهربون من الخدمة العسكرية، ووصول مفوضية اللاجئين إلى العائدين... والتي يحتمل أن تكون مضمونة بموجب اتفاق رسمي.

وقد تأخرت السلطات السورية مرارًا وتكرارًا في السماح لمفوضية اللاجئين بدخول المناطق التي عاد إليها الناس. وفي يوليو، قال مسؤول في المفوضية إنهم لم يتمكنوا من التحقق من اللاجئين الذين غادروا شبعا وجنوب لبنان إلى بيت جن في أبريل. وقال عامل إغاثة تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته إن العديد من العائلات استخدمت منذ ذلك الحين المهربين للعودة من هناك.

لبنان: صورة مُصغرة لمعضلة عالمية

عندما يعود اللاجئون تحت الضغط أو لأنهم يفتقرون إلى البدائل، غالباً ما ينتهي بهم المطاف بالفرار مرة أخرى.

"إن العودة تعمل بشكل أفضل عندما يختار الناس العودة، وهي غالبًا عملية تدريجية جدًا"، قالت الباحثة كاتي لونج، التي كتبت دراسة مستقلة في 2013 حول سياسة الإعادة إلى الوطن لصالح مفوضية اللاجئين، "لكن في أغلبية حالات اللجوء، هناك الكثير من الضغوط السياسية بإعلان الدول عودة الناس".

في الربيع الماضي، أصبحت "شبعا" عن غير قصد نقطة انطلاق لحملة سياسية ضد المفوضية. وقام حوالي 500 سوري يعيشون في شبعا والقرى المجاورة في جنوب لبنان بالانتقال بالحافلات إلى بلدتهم في بيت جن بعد فحصهم من قبل المخابرات السورية. وعلى بعد 10 كيلومترات فقط من الجبل، استعادت قوات موالية للحكومة مجددًا بيت جن. كانت هذه أول صفقة مصالحة عبر الحدود تحصل على دعاية كبيرة في لبنان.

وأصدرت مفوضية اللاجئين بيانًا أكد مجددَا أنه لم يشارك في تنظيم عودة اللاجئين. وتتمثل سياسة الوكالة في أن الأوضاع في سوريا ليست جاهزة لاستعادة اللاجئين لسلامة مضمونة وحياة كريمة، لذلك لا يمكنها "تشجيع أو تسهيل" العودة. معظم الحكومات تتبع هذا الخط.

مع انتخابات لبنان التي تأجلت طويلًا بعد أسابيع قليلة، تصدى المتشددون المسيحيون في لبنان للقضية. وبعد بضعة أيام من مغادرة اللاجئين لشبعا في أبريل، أمر وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل المفوضية بعدم إصدار أي بيانات أخرى حول العودة. وادعى في وقت لاحق أن وكالة الأمم المتحدة تخيف اللاجئين من العودة وجمد تصاريح الإقامة لموظفي المفوضية في لبنان.

وحذر باسيل من "مؤامرة دولية" لإبقاء اللاجئين في لبنان لإضعاف البلاد، محاولًا أن يحصل على دعم دولي لإعادة السوريين، من خلال اللعب على المعاداة الأوروبية تجاه اللاجئين. وفي زيارة إلى المجر العام الماضي ، طلب وزير الخارجية اللبناني من رئيس وزراء مكافحة الهجرة في البلاد، فيكتور أوربان، مساعدة بلاده على إعادة السوريين.

الرئيس اللبناني، الذي هو أيضًا والد زوجة باسيل، وجه نفس النداء إلى وفد من البرلمانيين الأوروبيين المتطرفين في يونيو، مُحذرًا من أن السوريين "ربما يهرعون إلى أوروبا".

وقال ناصر ياسين، الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت: "باسيل يستخدم نفس الخط الفكري الذي تراه، واشنطن وبودابست وبيروت، ومانيلا وميلان... كل واحد يستخدم أسلوبه الخاص، لكنهم جميعًا يتخذون مواقف ضد اللاجئين... مستخدمين الخوف من أن يصبح الآخرون أغلبية".

السلام هو الحرب.. والمصالحة "خضوع"

في العام 2011، شهدت بلدة معضمية الشام الزراعية السورية، الواقعة على مشارف دمشق، بعض الاحتجاجات المناهضة للحكومة. كان الكثيرون قد وجهوا في البداية غضبهم لرئيس البلدية حسن أبو زيد. ومع تأجج الثورة، هرب أبوزيد. وفي الشهر الماضي، عاد أبو زيد إلى المعضمية مع مجموعة من لبنان.

وشهدت المعضمية بعض من أحلك تكتيكات الحرب. حاصرت القوات الحكومية البلدة، وبحث السكان الجائعون عن الطعام ليبقوا على قيد الحياة. وفي 2013، قُتل ما يقدر بنحو 1500 شخص في هجوم بالأسلحة الكيميائية على المعضمية وضاحية مجاورة. وبعد فترة وجيزة، وافقت المدينة على واحدة من أولى اتفاقيات وقف إطلاق النار المحلية للحكومة.

لم يدم الاتفاق، أعادت الحكومة فرض حصار خانق. وفي النهاية استعادت القوات الموالية للحكومة المدينة في 2016. وتم منح السكان خيارًا: إخلاؤهم إلى محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة أو قبول اتفاق مصالحة مع الحكومة. كما عاد بعض اللاجئين في لبنان إلى المعضمية بموجب شروط اتفاق المصالحة.

في هذا العام، ساعدت الحكومة السورية على توسيع عملية المصالحة لتشمل مجموعات صغيرة في لبنان.

وكان محمد حمرا، وهو سُنَي في الثلاثين من العمر، من المعضمية، على صلة جيدة بالفرقة الرابعة المدرعة بالجيش السوري، التي يشرف عليها شقيق الرئيس ماهر الأسد ومقرها في ضواحي المعضمية.

في أواخر 2016، قال حمرا إنه تلقى اتصالاً من غسان بلال، مدير الفرقة الرابعة المدرعة، طالبه بتسجيل اللاجئين الذين يريدون العودة إلى المدينة. وفي يونيو، جاء مسؤول من لجنة المصالحة الحكومية إلى منزل حمرا في لبنان للقاء اللاجئين.

وبعد فحصهم من قبل المخابرات السورية، عاد حمرا إلى المعضمية في أوائل يوليو مع 50 آخرين، بمن فيهم العمدة السابق للبلدة. و"أعرف أن كل ما يحدث لهم هو مسؤوليتي"، قال حمرا. "لكنني لا أشعر بالخوف لأن الناس طلبوا مني مساعدتهم على العودة، ولدينا ضمانات من النظام السوري".

اللغة المكتوبة من قبل المُنتصر.. إستراتيجيات حرب بـ"لغة السلام"

بينما تمدد الحكومة وحلفاؤها سيطرتهم على سوريا، فإنهم يحددون أيضًا شروط مستقبل البلاد. روسيا هي الراعي الرئيسي لأجندة المصالحة داخل سوريا.

في 2016، أنشأت روسيا مركزًا للمصالحة في سوريا لتنسيق الصفقات. وفي يوليو الماضي، أعلنت عن إنشاء مركز جديد لاستقبال اللاجئين وتخصيصهم وإقامتهم لتنسيق إعادة اللاجئين إلى أوطانهم.

وبعد بضعة أسابيع، زار المبعوث الرئاسي الروسي الخاص لسوريا، الأردن ولبنان لإنشاء مجموعات عمل مشتركة لتنظيم العودة. وفي أوائل أغسطس، أعلنت الحكومة السورية عن لجنة لتنسيق عمليات العودة مع "الدول الصديقة".

وطوال الصراع، طبقت الحكومة السورية وروسيا "لغة السلام" على إستراتيجيات الحرب. إن وقف إطلاق النار المحلي كذلك الموجود في المعضمية "يشل المجتمع العالمي من خلال تقديم وهم بالتقدم إلى ما هو في الواقع هجمات على المدنيين"، وفقاً للأكاديمي السوري محمد علاء غانم.

كان اتفاق عام 2017 الخاص بالمناطق الآمنة في سوريا بمثابة "إستراتيجية لإدارة الحرب"، مما سمح للقوات الموالية للحكومة بتسلسل معاركها مع تقليد الرغبة في السلام، كما قال محللون لـ"سوريا ديبلي".

الآن، قد توفر عودة اللاجئين لروسيا وللحكومة السورية فرصة لكسر الجمود الدولي حول مستقبل الأسد في سوريا.

يقول ناصر ياسين: "إنهم يبقون الأمر لتحقيق فوز كبير... سيكون هناك ثمن سياسي: لا يوجد غداء مجاني للأسد، ولم يكن هناك يومًا. إنهم يريدون كسب شيء من هذا: إعادة بشار إلى المجتمع الدولي".

وفي لبنان، استخدم حزب الله تنظيم عملياته لزيادة الضغط على الحريري لإعادة فتح العلاقات مع الأسد بشكل رسمي، وهو ما قاومه حتى الآن، حسبما قالت مها يحيى، مدير مركز كارنيجي. وتساءلت: "ما هي أفضل طريقة لاستئناف العلاقات من تنسيق عمليات عودة اللاجئين؟" وتابعت: "إن النظام يدرك تمام الإدراك كيف تم تسييس قضية اللاجئين... إنهم يستغلون قضية عودة اللاجئين كوسيلة لجذب الدول ومن ثم التعامل مع (إزالة) العقوبات و(بداية) إعادة الإعمار".

السيطرة على العودة

تُمكّن اتفاقيات المصالحة الحكومة السورية من التحكم في من يسمح لهم بالعودة وكيف. السوريون الذين سجلوا  للعودة يخضعون للاستجواب من السلطات لدى قدومهم. مع وعد للرجال ممن دون سن الـ44 بإعفاء من التجنيد لمدة 6 أشهر، وبعد ذلك يجب عليهم الانضمام إلى الجيش أو إلى مجموعة أمنية محلية.

ويأمل العديد من اللاجئين في لبنان الانتظار طويلاً بما فيه الكفاية للتحقق مما إذا كان سيتم احترام هذه الاتفاقات قبل عودتهم.

وفي معضمية الشام، قال مقاتلون سابقون في المعارضة لـ"رويترز" إنه تم إلغاء خيار الانضمام إلى مجموعة أمنية محلية مقابل تجنيدهم لمحاربة حلفائهم السابقين. وفي داريا المجاورة، تم نقل الأشخاص إلى "مركز الإخلاء" الحكومي بعد توقيع اتفاق المصالحة في المدينة 2016، حيث ألقي القبض عليهم في وقت لاحق، وفقاً لمنظمة العفو الدولية.

"نحن ندخل الآن في المرحلة الثانية من الحرب. لقد انتهى الصراع الرئيسي وهم يقومون بفرز ما سيحدث في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة والمناطق الكردية... سيتمكن بعض الأشخاص من العودة، وبشكل أساسي الأفراد المؤيدون للنظام، وأفراد من مناطق لم تكن في طليعة الاحتجاجات، وعائلات ليس لديها شخص مطلوب"، تقول مدير مركز كارنيجي.

وبين الموالين المتشددين ونشطاء المعارضة المعروفين، يحاول العديد من اللاجئين معرفة مكانهم في سوريا التي يسيطر عليها الأسد اليوم. إنهم يبحثون عن أسمائهم على قوائم المطلوبين المختلفة - أوامر التجنيد التي تنشرها السلطات أو أوامر الاعتقال التي تسربت من قبل المنشقين - وتحاول التحقق من المعلومات من خلال الاتصالات بالوطن.

صُدمت مريم بالعثور على اسمها في إحدى القوائم. في العام الماضي، بدأت هي وزوجها في مناقشة ما إذا كان بإمكانهما العودة إلى المعضمية بموجب اتفاق المصالحة.

بصفتها مديرة مدرسة سابقة، لم تستطع أن تتحمل مشاهدة بناتها ينشأن بدون تعليم رسمي في لبنان. كما سمعوا أن الرجال العائدين إلى المعضمية يتم إرسالهم مباشرة إلى الخطوط الأمامية للمعركة. لذلك قرروا أنها ستعود وحدها مع بناتها.

وقالت مريم: "غادرنا سوريا لأننا كنا خائفين على سلامة أطفالنا من القصف، لكنهم هنا دون تعليم أو مستقبل أو أمل... بالطبع، سيكون من الصعب علينا تفرق (الأسرة)، لكنني سأضحي، وسيضحي زوجي، من أجل إنقاذ أطفالنا وتعليمهم".

ثم علمت مريم أنها كموظفة حكومية سابقة لم تعد يومًا منذ عطلة عام 2012 - فقد توقعت فقط البقاء في لبنان بضعة أشهر - لكن تم إدارجها كـ"مُنشقة". وخوفًا من القبض عليها، تأخر سفرهم.

"لا أحد يفضل دولة أجنبية على بلده، لا أحد.. لن أغادر سوريا إذا عرضت عليّ أي بلد في العالم"، قالت. "لكن، من ناحية أخرى، إذا كان هناك تهديد لحياتي أو لأطفالي، فأنا مضطر لتحمل آلام العيش في الخارج".

وأصدرت الحكومة قانونًا في ربيع العام الجاري يطلب من السوريين إثبات ملكية ممتلكاتهم في غضون 30 يومًا من تعيين مدينتهم كإحدى مناطق إعادة الإعمار. وخوفًا من أن تمنع مصادرة جماعية لمنازل اللاجئين السوريين من العودة، احتجت ألمانيا ولبنان. وأكد لهم حينها وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن الفترة ستمتد إلى عام، لكن القانون لم يتم تعديله بعد.

ويحذر المحللون من أن نهج الحكومة في المصالحة والعودة وإعادة الإعمار، بدعم من روسيا، يخاطر بتوطيد الديناميات التي تسببت في انتفاضة عام 2011. فلم تعالج القضايا التي دفعت المحتجين إلى الشوارع، وفي المقام الأول - الاحتجاز والتعذيب، ومصادرة الأراضي، والتشريد - بل جعلتها أسوأ.

"لدينا شكوك جدية حول نوايا النظام السوري وما إذا كان يريد عودة 13 مليون شخص إلى ديارهم"، يقول نديم مُنلا، مستشار رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، الذي ما زال يدفع باتجاه مراقبة الأمم المتحدة للعائدين.

"إذا كان النظام يريدهم حقًا، فدعهم يعلنون سياسة (واضحة لذلك). دعهم يقدمون لهم الحوافز. دعهم يقولون أولئك الذين دُمرت منازلهم، نحن سنساعدهم".

لا طريق للعودة.. "لن أعود لمكان أرى فيه صورًا في الشوارع والمكاتب، للأسد الذي قتل أصدقائي وأقاربي"

في الوقت الذي يتنازل يسارع فيه سوريون للعودة، يبحث الآخرون المطلوبون من الحكومة عن مخرج آخر. في لبنان، لديهم خيارات قليلة. أما أماكن إعادة التوطين في الخارج فنادرة. وقليل منهم لديه الموارد اللازمة للحصول على التأشيرات أو المنح الدراسية.

"أنا لن أعود إلى المكان الذي يجب أن أرى فيه صورًا للأسد في الشوارع والمكاتب، الشخص الذي قتل أصدقائي وأقاربي"، يقول محمد، وهو مدرس من مدينة القصير، يبلغ من العمر 32 عامًا.

كانت سنواته الأخيرة في سوريا تتخللها الخسائر، تم تعذيب ابن عمه الذي لديه مشاكل في صحته العقلية، حتى الموت في السجن. وقتل صديقه المقرب من قبل قناص موال للحكومة. واختفى عمه وهو يفر من المدينة.

محمد، وهو ناشط سابق في مجال الديمقراطية، ينشر رسومًا كاريكاتيرية ساخرة على فيسبوك، واثق من أن اسمه على قوائم النظام.

حتى وقت قريب، كان محمد مُترددًا في ترك أصدقاء جدد له في وادي البقاع في لبنان، لكن مع كل مكسب عسكري من قبل الأسد، انحسر إيمانه بدعم المجتمع الدولي للمعارضة السورية.

وهو الآن يخطط للذهاب إلى اليابان للحصول على درجة الماجستير في دراسات السلام والصراع. أما زوجته فقررت العودة إلى سوريا بمفردها، إلى أن أُلقي القبض على أمها عند الحدود واحتُجزت لمدة شهرين.

"المشكلة هي أن لا أحد مسؤول عن اللاجئين في لبنان. نحن الآن في غاية الضعف، نستمع فقط إلى الشائعات، ونسمع عما يحدث في مدينتنا من الأخبار... لا يوجد أحد يفاوض بطريقة جيدة لنا"، بحسب محمد.

في هذه الأثناء، لا يزال السوريون يصلون إلى لبنان، على الرغم من إغلاق الحدود أمام معظم اللاجئين منذ 2015.

وخلال شهر يوليو، تم اعتقال ما لا يقل عن 200 سوري لدى عبورهم الحدود من لبنان إلى سوريا.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي