الصراع على الهويّة في تونس... قضايا مؤجّلة وجدل سياسي متواصل

الصراع على الهويّة في تونس... قضايا مؤجّلة وجدل سياسي متواصل

في 11 أغسطس، شهدت العاصمة التونسية مسيرات مناهضة لتقرير لجنة "الحريات الفردية والمساواة" الذي يقترح المساواة بين الجنسين في الإرث وأمور أخرى تثير حفيظة الإسلاميين.

دعت إلى تلك المسيرات التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة، وشارك فيها علماء دين وأكاديميون وأئمة مساجد وحقوقيون إلى جانب مواطنين توافدوا عبر الحافلات من مناطق مختلفة من البلاد.

ويطرح ملف الهوية في تونس جدلاً كبيراً منذ وقت طويل وتنامى هذا الجدل بعد ثورة 2011، مع تحرّر الفضاء العام بما يسمح لكل طرف بأن يعبّر عن تطلّعاته في ما خص مستقبل البلد.

ويحتدم صراع شديد بخصوص النموذج المجتمعي التونسي، ما خلّف تحشيداً وتحشيداً مضاداً بين المعسكر الذي يوصف بـ"التقدمي" والمعسكر المحافظ.

ولجنة الحريات الفردية والمساواة هي لجنة شكّلها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في 13 أغسطس 2017، وكلّفها بإعداد تقرير عن إصلاحات تشريعية ضرورية لتحقيق المساواة بين الجنسين، وفق دستور 2014.

وأصدرت اللجنة في يونيو الماضي تقريرها النهائي وأوصت فيه بالمساواة في الإرث بين الجنسين وبإلغاء المهر وبإلغاء العدة بالنسبة للمرأة المطلقة أو الأرملة، كما أوصت بأمور أخرى مثل إلغاء عقوبة الإعدام وعدم تجريم المثلية الجنسية.

وبعد يومين من تظاهرات مدينة تونس العاصمة، أعلن الرئيس التونسي أنه سيتقدّم بمشروع قانون "يضمن المساواة في الإرث بين الجنسين".

وقال في كلمة بمناسبة العيد الوطني للمرأة إن إقرار مثل هذا القانون يتوافق مع "احترام إرادة الأفراد الذين يختارون عدم المساواة في الإرث"، مضيفاً أن "مَن يريد تطبيق أحكام الدستور فله ذلك ومَن يريد تطبيق أحكام الشريعة فله ذلك".

وأكد السبسي "ضرورة مراجعة مجلة الأحوال الشخصية (قوانين أُقرّت عام 1956 لضمان احترام المساواة بين الجنسين) لمواكبة تطور المجتمع وملاءمة التشريعات الجاري بها العمل مع ما نص عليه دستور الجمهورية الثانية".

كرورنولوجيا التحركات الهووية بعد الثورة

شهدت تونس بعد ثورة 14 يناير 2011 فائضاً من التحركات الاحتجاجية التي خرجت بهدف ما تقول إنه الدفاع عن هوية الشعب التونسي العربي المسلم.

وكانت البداية في شهر يونيو 2011، عندما منع سلفيون عرض فيلم "لا ربي لا سيدي" للمخرجة التونسية نادية الفاني التي سبق أن صرّحت لقناة تلفزيونية محلية بأنها لا تؤمن بوجود الله، وبأنها متمسكة بحرية الفكر والتعبير، واقتحموا قاعة عرضه وكسروا بعض محتوياتها واعتدوا على بعض الموجودين.

وبعد ثلاثة أشهر من تلك الحادثة، وقبل أيام من الانتخابات التشريعية التي شهدتها تونس في أكتوبر 2011، بثت قناة نسمة الخاصة لصاحبها رجل الأعمال نبيل القروي، فيلم "بيرسيبوليس" الذي يجسد الذات الإلهية، ما تسبب في خروج تظاهرات غاضبة في عدد من المدن التونسية.

وفي يونيو 2012، أقدم عشرات السلفيين على اقتحام معرض العبدلية في مدينة المرسى بضواحي العاصمة، للمطالبة بسحب بعض اللوحات الفنية التي اعتبروا أنها تتضمن إساءة إلى المقدسات، ما أسفر عن اندلاع اشتباكات بين المنظمين والمحتجين.

وفي نفس السياق، شارك ثمانية آلاف شخص على الأقل في تظاهرة وسط تونس في شهر مارس 2012 للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية. وهتف المتظاهرون الذين قدّر ضابط في الشرطة عددهم بما بين ثمانية وعشرة آلاف "الشعب يريد دولة إسلامية" و"الشعب يريد الشريعة الإسلامية".

ثورة على النظام السياسي أم ارتداد مجتمعي؟

مباشرةً بعد إسقاط نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي سنة 2011، تتالت الدعوات إلى "الدفاع عن جذور الشعب التونسي المسلم" في حين كان متابعون يظنّون أن هذه القضايا محسومة وأن السياق هو لتكريس الحريات والدفع نحو تثوير المنظومة القانونية، بعد رحيل نظام الاستبداد.

ويقول الكاتب والباحث في القانون في الجامعة التونسية أنس كدوسي لرصيف22: "لم يكن ممكناً الدفع بالمنظومة التشريعية نحو التحرر والتقدم وتعزيز الحقوق منذ النصف الثاني من القرن الماضي إلا عبر نظام سياسي قوي وكان ذلك زمن الديكتاتورية".

يوضح كدوسي أن عملية التحرّر مرّت بمراحل عدّة، إذ "لم يستسغها المواطنون بدءاً ثم كادوا يهضمونها بعد أن صارت واقعاً معاشاً، لكن بدأ النكوص عندما دخلت إلى البيوت جملة من الفضائيات والبرامج الدينية التي تؤسس لمرجعية تقليدية تستند إلى أكثر القراءات الدينية تخلفاً ورجعية".

أقوال جاهزة

شارك غردبرغم أن شعارات الثورة التونسية كانت اجتماعية واقتصادية بالأساس، إلا أن مسألة الهوية عادت إلى السطح باسم عطش التونسيين للدين وجرى استثمارها سياسياً، ما أدى إلى انزياح مطالب الناس عن بعدها الدنيوي اليومي

شارك غردظلّت الدولة الوطنية الحديثة في تونس تؤجل حسم مسألة الهوية، بينما ظلّ استثمارها متواصلاً لتسجيل النقاط السياسية والاجتماعية على الخصوم

و"لأن الخطاب الديني أكثر تأثيراً ودغدغة للمشاعر"، برأي الباحث، "بات المواطن يشعر ببون شاسع بين ‘منظومة قانونية علمانية فاسدة تنظم شؤونه’ وبين ‘شرع رباني متروك ومهمش’".

يلفت الكاتب إلى سلطوية النظام التي حالت دون إثارة هذه الإشكاليات سابقاً، ويقول: "هذه المفارقة تغذت مع الأيام ولكن الخوف من النظام القمعي حال دون تأسيس تحركات جماهيرية ونداءات علنية لمراجعة ترسانة قانونية حديثة مقارنة بمثيلاتها في الدول العربية".

ويشير إلى أن هذا الخوف انتهى بمجرد اندلاع الثورة، ويتابع: "هذا الخوف تلاشى بفضل ثورة الحرية والكرامة التي من بين شعاراتها حرية التعبير. وعلى حد سواء بات الحديث ممكناً ومتاحاً في الفضاء العام لكل من الفئتين: تلك التي ترنو إلى مزيد من التحديث وتلك التي تدعو إلى المحافظة بل الرجوع عن المكتسبات التي تحققت، وهذه الأخيرة جيّشت كل إمكانياتها المادية ومنابرها، في ظل تنامي قوة الحركات الإسلاموية".

يعتبر كدوسي أن ما يحدث هو ردّة حضارية، ويقول: "إن المجتمعات العربية وخاصة المجتمع التونسي تشهد ردة حضارية وتقهقراً سببته عوامل خارجية واستقالة النخب من الاشتباك الثقافي"، محذراً من "إجهاض المشروع الحداثي لفائدة نمط مجتمعي قروسطي".

العداء الإسلامي لبورقيبة

لطالما اعتبر التيار الإسلامي الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة أب "المشروع التغريبي" الذي أبعد تونس عن هويتها العربية والإسلامية.

في الفصل الأول من كتابه عن تجربة الحركة الإسلامية في تونس، حمّل زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي ما أسماه "التيار التغريبي" بزعامة بورقيبة المسؤولية عن إجهاض "تجربة التحديث الإسلامي" بانتهاجه "سياسة الإلحاق الحضاري بالغرب".

يقول الباحث ضو الصغيّر لرصيف22: "قدّمت الحركة الإسلامية نفسها على أنها المدافع عن الهوية الإسلامية لتونس والساعي إلى إعادة ترميمها بعد ما قام به بورقيبة من إصدار لمجلة الأحوال الشخصية، المتعارضة في تقديرهم مع أحكام الإسلام وتعاليمه، واستهداف للتعليم الزيتوني، وبالتالي كانت هي النقيض لمشروعه التحديثي".

ويشرح أنه "من الطبيعي أن تكون العلاقة بين الطرفين متوترة، خاصة وأن ظهور طروحات الحركة الإسلامية تزامن مع ما عُرف بالصحوة الإسلامة التي اكتسبت قاعدة جماهيرية تنافس قاعدة الحزب الحاكم بزعامة بورقيبة".

اصطدم الطرفان، و"حوكم العديد من قيادات الحركة الإسلامية وقواعدها وبلغ التوتر بينها وبين السلطة درجات متقدمة من التصادم تخللتها محطات هدنة ومغازلة قصيرة كان يعلم الجميع أنها مجرد استعدادات لجولات لاحقة من الصراع اللاسلمي واللاديمقراطي بين الطرفين"، يتابع الصغير.

ويشير الباحث التونسي إلى أن العلاقة تغيّرت بعد ثورة 2011، فقد انتُخب مجلس تأسيسي ليتولى صياغة دستور، كانت أغلبيته من حركة النهضة الإسلامية.

ويشير إلى أن "الحركة المذكورة وافقت على الإبقاء على الفصل الأول من الدستور وفيه أن تونس عربية إسلامية بنفس الصياغة التي وُضعت في عهد بورقيبة، كما اعتبرت أن مجلة الأحوال الشخصية وما تحتويه من تشريعات مكسب لا بد من المحافظة عليه، ووافقت على عدم اعتبار الشريعة مصدراً أساسياً للتشريع".

ويعلّق: "هنا لنا أن نتساءل: لماذا كانت تعارض بورقيبة؟ ولماذا اتهمته بطمس الإسلام ومحاربته إذا كانت إصلاحاته الكبرى، محل الخلاف وقتها، صارت اليوم مكاسب ومنجزات يجب الحفاظ عنها؟ ثم أن خطاب قياداتها ومنهم راشد الغنوشي رئيس الحركة ونائبه عبد الفتاح مورو لم تعد تجد حرجاً في الدفاع عن سيرة بورقيبة ومنجزاته".

يلفت الصغيّر إلى أن الصراع في الأساس هو صراع على الحكم، ويقول: "طبعاً، فإن الحركة، حتى نكون منصفين، تصف هذا التغيير في موقفها بأنه نتيجة لتطورها ولمراجعات قامت بها. ولكننا كمتأملين محايدين لا يمكننا كبح ظنوننا بأن القضية وما فيها لم تكن سوى سوى صراع حام حول الحكم، واعتقد الإسلاميون أنهم لا بد أن يقدموا أنفسهم على نقيض ما هو سائد ليحشدوا جماهيرهم ضد السلطة".

ويشير إلى "أن معظم مخالفي بورقيبة السابقين اعترفوا لاحقاً بأن هناك منجزات في عصره تستحق التثمين".

الهوية وسوق السياسة

ألقت مسألة الهوية بظلالها على الحياة السياسية التونسية إذ تم توظيفها بشكل كبير خلال أبرز المحطات السياسية في تاريخ البلاد وكانت محلّ مزايدات سياسية.

يؤكّد المحلل السياسي حمزة عبد القوي لرصيف22 أن مسألة الهوية كانت ولا زالت ورقة سياسية ويقول: "يمكن القول إن مسألة الهوية ورقة سياسية جرى توظيفها سلباً وايجاباً في تاريخنا السياسي التونسي المعاصر من معركة التجنيس عام 1930، وصولاً إلى لحظة الثورة".

ويضيف: "قبل الاستقلال استخدمت الهوية كوسيلة تحريض وتجييش للجهاد ضد المحتل، ومع الاستقلال استخدمها بورقيبة كأداة للبناء والتعمير (حديثه عن الجهاد الأكبر والأصغر) إلا أنّ خصومه اعتبروه تغريبياً ومعادياً للدين ولهوية الشعب، فتكوّنت معارضة هوويّة في وجهه".

وفي عهد بن علي، اشتدّ استثمار ورقة الهوية، بحسب عبد القوي الذي يتابع: "اشتدّ الصراع على استثمار هذه الورقة بين السلطة ومعارضة طرفها القوي حركة النهضة التي قدّمت نفسها كحركة إسلامية تدافع عن ضمير المجتمع، فكان الصدام وانتصر بن علي بقوّته الأمنية".

وفي الحقبة التالية، لم تُبعد شعارات ثورة 2011 الاجتماعية هذا الملف عن السطح. ويعتبر عبد القوي أن شعارات الثورة "برغم أنها كانت اجتماعية واقتصادية بالأساس، إلا أن مسألة الهوية عادت إلى السطح باسم عطش التونسيين للدين وجرى استثمارها في الحملات الانتخابية وفي تسيير شؤون الدولة من طرف حركة النهضة التى حاولت دائماً أن تقدّم نفسها، إما تلميحاً أو تصريحاً، كحركة حامية للدين ومعادية لأيتام فرنسا والعلمانيين المتطرفين".

برأيه، أدى هذا إلى "انزياح مطالب الناس عن بعدها الدنيوي اليومي الراهن إلى ما هو هووي وروحي وسماوي، ما عطّل أية عملية نهوض وإصلاح في تونس".

ويشير المحلل السياسي إلى أن هذا الوضع أدى إلى ردات فعل سياسية تمثلت في تأسيس حركة نداء تونس "التي جاءت كاستجابة لنداءات خافت على النمط التونسي".

ولكي لا يصطدم بمنافسيه الإسلاميين، حرص مؤسس نداء تونس، الباجي قائد السبسي، بشكل دائم على الاستشهاد بآيات من القرآن في أحاديثه، حتى يسحب البساط من تحت خصومه ويبعد "شبهة" العلمانية المتطرفة واليسارية عن حركته الفتيّة.

وبرأي عبد القوي، ظلت مسألة الهوية دائماً مؤجّلة في تونس، ويقول: "لم تنجح الدولة الوطنية الحديثة في حسم مسألة الهوية وظلت تؤجل الحسم فيها إما باسم الرهان السياسي وإما باسم الخوف من غضب الشارع، بينما ظلّ استثمارها متواصلاً لتسجيل النقاط السياسية والاجتماعية على الخصوم".


باحث في جامعة اللوران الفرنسية ومهتم بشؤون الجاليات العربية والمسلمة في الغرب وبمسألة الانتقال السياسي في تونس وليبيا.

التعليقات

المقال التالي