مكافحة الفساد في تونس... سياسة جادة أم ممارسة تستهدف الخصوم السياسيين فقط؟

مكافحة الفساد في تونس... سياسة جادة أم ممارسة تستهدف الخصوم السياسيين فقط؟

يشكّل الفساد قوة مزعزعة للاستقرار في تونس، تُلقي بظلالها على الاقتصاد والأمن والنظام السياسي. ولذلك رفعت حكومة يوسف الشاهد في خطابها السياسي شعار الحرب على الفساد، ونفّذت بالفعل حملة توقيفات واسعة طالت رجال أعمال.

وتثير السياسة الوطنية لمكافحة الفساد ردود فعل متباينة داخل الطبقة السياسية بين مساندين لها وبين آخرين يعتبرون أنها مجرد أداة دعائية توظفها السلطة في خدمتها.

"دك حصون الفساد"

يقول عضو مجلس شورى حركة النهضة ضرار طعم الله لرصيف22 إن "حركة النهضة تعتبر مكافحة الفساد عماد تحقيق أهداف الثورة في تنمية عادلة وتوزيع متكافئ للثروة بين جميع المواطنين، وتشجع كل حملة جدية تخوضها الحكومة أو منظمات المجتمع المدني على رؤوس الفساد، أشخاصاً كانوا أو منظمات ومؤسسات".

بحسب طعم الله، سارت حركة النهضة منذ عام 2012 في مسار مكافحة الفساد و"أكبر دليل على ذلك عزل زمرة من القضاة الفاسدين (أكثر من ثمانين قاضياً) وإحالتهم على التقاعد الوجوبي في خطوة جريئة ومغامرة كانت ضرورية لتطهير الجهاز القضائي"، وذلك عندما كانت الحركة رأس الحكومة.

ولضمان نجاعة ونزاهة أية حملة ضد الفساد، يتحدث طعم الله عن أمرين ضروريين هما: "الالتزام بالاجراءات القانونية وتطبيقها حتى لا نكافح الفساد بفساد آخر وحتى نضمن شفافية هذه الحملات؛ وتفادي الانتقائية والمزاجية السياسية في حملات مكافحة الفساد، إذ يجب أن يكون هذا الجهد ممأسساً ومتواصلاً ومصوباً نحو كل الفاسدين دون استثناء".

ويشير طعم الله إلى أهمية دور "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" برئاسة شوقي الطبيب، ويعبّر عن ثقة حركة النهضة "في قدرتها على دك حصون الفساد في كل القطاعات"، كما يعرب عن حرصها "على توفير الدعم اللازم لها من خلال حكومة الوحدة الوطنية والبرلمان".

وفي 14 نوفمبر 2011، في أجواء "ثورية"، تم تأسيس "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد"، وهي مؤسسة ذات صبغة دستورية تعمل على إرساء سياسات مقاومة الفساد في القطاعين العام والخاص، وخلفت لجنة تقصي الحقائق عن الفساد والرشوة التي أُنشئت بعد الثورة التونسية.

وتتنوّع مهمات الهيئة بين "نشر الوعي الاجتماعي بمخاطر الفساد"، وإحداث قاعدة بيانات عن هذه الظاهرة، وإصدار مبادئ توجيهية لمنع الفساد، واقتراح سياسات لمكافحته ومتابعتها، وإبداء الرأي في مشاريع القوانين ذات الصلة، وصولاً إلى "الكشف عن مواطن الفساد في القطاعين العام والخاص" و"تلقي الشكاوي والإشعارات حول حالات الفساد والتحقيق فيها وإحالتها على الجهات المعنية بما في ذلك القضاء".

ودعمت حركة النهضة حكومة الوحدة الوطنية في سياستها الآيلة إلى مكافحة الفساد، ورأت فيها "واحداً من أهم استحقاقات الثورة".

ويشير طعم الله إلى أن "حركة النهضة تعتبر أن حكومة الوحدة الوطنية كانت جريئة وحاسمة واتخذت خطوات في الطريق الصحيح في هذا الموضوع لكن هذا الجهد توقف وتلكأ ربما لتداخل الأولويات".

ويضيف أن "النهضة تدعو رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى استئناف الحرب على الفساد بوتيرة أعلى لتطهير النسيج الاقتصادي والإداري والأمني التونسي من هذه الآفة التي تكبّل مقدرات الوطن".

"حملة إعلامية لا غير"

في المقابل، يرى حزب التيار الديمقراطي المعارض أن مكافحة الفساد لم تكن خياراً للحكومة، بل ضرورة فرضها المانحون الدوليون كشرط لمواصلة تقديم المساعدات لها.

ويقول عضو المكتب السياسي في الحزب حسام الرحماني لرصيف22: "بعد أن أضعنا سنوات في التجاذبات الهوياتية، صارت مكافحة الفساد أولوية فرضت نفسها بقوة على الحكومة والبرلمان وأصبحت واحدة من الشروط الرئيسية للجهات المانحة حتى تواصل تمويل الاقتصاد المنهك".

ورفعت الحكومة الحالية شعار محاربة الفساد وشرعت في اتخاذ خطوات ملاحقة بعض الفاسدين، ولكن برأي الرحماني، "تبيّن لاحقاً أنها مجرد حملة انتقائية لغايات إعلامية تندرج ضمن صراع أجنجة الحكم".

ويعتبر الرحماني أن "الموافقة على قانون المصالحة مثّلت انتكاسة لمقاومة الفساد، لأنه سمح باستفادة سارقي المال العام ومستغلي النفوذ داخل الإدارة من عفو عام عن الجرائم المرتكبة في العهد السابق".

أقوال جاهزة

شارك غردترفع الحكومة التونسية شعار محاربة الفساد ولاحقت بالفعل بعض الفاسدين، ولكن برأي معارضيها "تبيّن لاحقاً أنها مجرد حملة انتقائية لغايات إعلامية تندرج ضمن صراع أجنجة الحكم"

شارك غردعن الفساد ومكافحته في تونس... "الإجراءات السياسية الجوفاء الخالية من الإرادة السياسية الحقيقية لا يمكنها ضمان نجاح الحرب على المفسدين، إذ لا فائدة من إصدار قوانين إذا كان مصيرها البقاء على رفوف المكتبات"

وأقرّ مجلس النواب التونسي في 13 سبتمبر 2017 "قانون المصالحة الإدارية" الذي اقترحه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي وينص على العفو العام عن الموظفين الذين ساهموا في أعمال فساد إداري قبل الثورة، بحال لم تكن تهدف إلى تحقيق منفعة شخصية.

وفي حين رأى مؤيدو هذا القانون فيه خطوة لطي صفحة الماضي والاستفادة من كفاءات ليست لها انتماءات حزبية ولم تنتفع من الفساد بل كانت تطبق تعليمات فقط، رأى معارضوه أنه خطوة في "ثورة مضادة" و"تطبيع" مع الفساد.

لمكافحة الفساد حالياً، يرى الرحماني أنه يجب اتخاذ مجموعة خطوات "تحصّن مؤسسات الحكم من اختراق الفاسدين" و"ترسي قواعد الشفافية ومحاربة الفساد"، بما يعكس صورة جيّدة عن البلاد ويخلق مناخ استثمار صحي يساهم في "تحقيق نهوض اقتصادي واجتماعي".

نشاط مؤسساتي متعثر

يعتبر المستشار القانوني في هيئة مكافحة الفساد مازن كورشيد أن "الانتقال السياسي الذي عرفته البلاد في يناير 2011 كان بحاجة إلى إرادة سياسية واضحة من أجل القضاء على آفة الفساد".

ويقول لرصيف22 إن "الدولة بذلت جهوداً من أجل تحقيق ذلك، إلا أن هذه الجهود لم تستمر بزخم بل بدأت تتراجع شيئاً فشيئاً، خاصة في ظل عدم الاستقرار السياسي والتغيير المتواتر للحكومات وتركيز السلطة السياسية على ملفات أخرى كمحاربة الإرهاب".

يتحدث كورشيد عن عراقيل يتعرّض لها عمل الهيئة ويقول: "بالرغم من أنّ الحرب على الفساد تحظى بحيّز مهم على مستوى الخطاب السياسي، إلا أنها بقيت محدودة على المستوى الإجرائي، إذ إن الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2012 لم تولِ الاهتمام الكافي بالمؤسسات المعنية بمكافحة الفساد مثل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والقضاء الاقتصادي والمالي، إضافة إلى البطء في إصدار التشريعات الكفيلة بتدعيم آليات مكافحة الفساد والوقاية منه".

ويلفت كورشيد إلى نوع من إزدواجية تمارسها السلطة في عملها على مكافحة الفساد ويتهم "بعض الأحزاب السياسية" بأنها "توفر غطاء للفاسدين".

ويشير إلى أن الحملة التي قام بها يوسف الشاهد ضد مجموعة من الفاسدين لم تتواصل كما يجب، و"من جانب آخر استهدفت فقط أصدقاء رئيس حزبه السياسي ومنافسه على الترشح للرئاسة"، في إشارة إلى حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس التونسي.

ويتخوّف كورشيد من "نية التخلي عن النقطة المتعلقة بمكافحة الفساد في وثيقة قرطاج 2"، وهي الوثيقة التي تناقشها الأحزاب التونسية لتتبناها الحكومة بعد إحداث تغييرات وزارية فيها قد يكون الشاهد ضمنها. وبرأيه، هذا "مؤشر خطير على عمق الأزمة السياسية وارتباطها بالفساد، وعلى عدم جدية الأحزاب الحاكمة في مكافحة هذه الآفة".

في المقابل، يطالب كورشيد بـ"الاستثمار في مكافحة الفساد"، لأن "كل جهد تبذله الدولة في سبيل القضاء عليه، سيدر عليها أرباحاً مختلفة، فعلاوة على السلم الاجتماعي الذي يختلّ بسبب نهب كبار الموظفين ورجال الأعمال للثروات، ستساعد مكافحة الفساد في تقليص خسائر المؤسسات العامة وستقلل من ثقل الإدارة وبالتالي ستساعد في عدم تعطيل نشاط المستثمرين على مستوى الإجراءات".

وفي ظل كل الظروف الملتبسة التي تحيط بسياسة مكافحة الفساد في تونس، تحاول هيئة مكافحة الفساد المضي قدماً في عملها "رغم كل العراقيل الذي تضافرت مع قلة الإمكانيات البشرية والمادية المرصودة لها"، بحسب كورشيد.

ويشير كورشيد إلى أن الهيئة نجحت في الكشف عن قرابة 250 حالة فساد وإحالتها على القضاء، كما تمكّنت من إبرام اتفاقية مع مؤسسات عمومية من أجل دعم التنسيق في إرساء قواعد الحوكمة وتطوير آليات مكافحة الفساد، إضافة إلى إبرام اتفاقيات مع أطراف دولية من أجل تبادل الخبرات.

ويضيف أن الهيئة عملت أيضاً على نشر ثقافة مكافحة الفساد والتبليغ عنه والوعي بمخاطره، من خلال حملات إعلامية ومن خلال إشراك المجتمع المدني في أغلب أنشطتها والمساهمة في تشكيل ائتلاف لمكافحة الفساد.

ويلفت إلى أن المواطنين التونسيين راضون عن عمل الهيئة، وأظهرت ذلك نتائج استطلاعات رأي بيّنت تقدّم الهيئة على مستوى ثقة المواطنين.

ضغوط أجنبية أم إرادة سياسية؟

قبل فترة، أصدرت "بوابة مكافحة الفساد في مجال الأعمال"، وهي منصة معلوماتية، تقريراً عن الفساد في تونس وأثره على الاستثمارات الأجنبية في البلاد.

لاحظ التقرير أنه "على الرغم من أن القوانين التونسية تجرم العديد من أشكال الفساد، مثل الرشوة وإساءة استعمال السلطة، والابتزاز، وتضارب المصالح، إلا أن السلطات لا تنفّذ بفعالية الإطار القانوني لمكافحة الفساد".

وأضاف أن "الشركات المستثمرة في تونس تواجه الابتزاز من عدة إدارات تونسية مثل مصالح الشؤون العقارية والجباية، وتجد نفسها مضطرة، عند التعامل مع تلك الإدارات، إلى دفع رشاوي أو تقديم هدايا لمسؤولين".

ويقول الباحث في الحوكمة في جامعة باريس12 ريان بن مصطفى لرصيف22 إن تردي الأوضاع الاقتصادية وأزمة المالية العامة "مردها تفشي الفساد في مفاصل الدولة".

وعلى شعار مكافحة الفساد الذي لم تتخلّ عنه الحكومة التونسية، يعلّق: "لا يمكن إنكار عامل الضغوطات الأجنبية، خاصة تلك الصادرة من قبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. كيف لا وهي تُعتبر من أكبر الجهات المانحة".

ويؤكد أن "الإجراءات السياسية الجوفاء الخالية من الإرادة السياسية الحقيقية لا يمكنها ضمان نجاح الحرب على المفسدين، إذ لا فائدة من توفّر وتكثيف القوانين إذا كان مصيرها البقاء على رفوف المكتبات".

وبرأيه، فإن "مكافحة الفساد، وبالرغم من الهالة التي تحظى بها، إلا أنها لا زالت لم تُمسِ أولوية الأولويات، ويظهر ذلك جلياً من خلال تعامل القضاء مع الملفات التي ترصدها هيئة مكافحة الفساد وتحيلها إليه".


باحث في جامعة اللوران الفرنسية ومهتم بشؤون الجاليات العربية والمسلمة في الغرب وبمسألة الانتقال السياسي في تونس وليبيا.

التعليقات

المقال التالي