"في أيادي العساكر"... كاتب أمريكي يتهم نظام السيسي بإعادة البؤس والتطرف إلى مصر

"في أيادي العساكر"... كاتب أمريكي يتهم نظام السيسي بإعادة البؤس والتطرف إلى مصر

يعترف الصحافي الأمريكي ديفيد كيركباتريك في كتابه الجديد أن مصر بالنسبة إليه كانت لغزاً كبيراً احتاج الكثير من الوقت حتى يستطيع حله.

ففي كتابه الصادر بعنوان "في أيدي العساكر: الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط"، يقول كيركباتريك إن الغرب حتى الآن غير قادر على فهم الأوضاع في مصر، ويتهم نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإعادة البؤس والتطرف مرة أخرى إلى دولة كانت لديها فرصة للتحول إلى الديمقراطية بعد احتجاجات عام 2011.

ومن وجهة نظر بعض وسائل الإعلام المصرية المقربة من النظام، فإن ديفيد كيركباتريك، مدير مكتب نيويورك تايمز السابق في القاهرة، هو "عميل" و"يعمل لصالح جماعة الإخوان المسلمين".

ماذا جاء في كتاب كيركباتريك؟

في عرض حديث للكتاب نشرته مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية، نعود بالزمن إلى عام 2005، حين وصل ضابط في الجيش المصري في منتصف العمر إلى ولاية بنسلفانيا الأمريكية لحضور محاضرات في الكلية الحربية للجيش الأمريكي. كان هذ الضابط، وهو مسلم متدين، يؤدي أحياناً صلاة الجمعة في المسجد المحلي.

وخلال مناظرات داخل الحرم الجامعي، اختلف هذا الضابط مع مَن يزعمون أن الإسلام السياسي لا يتوافق مع الديمقراطية. وقبل تخرجه مباشرة، قال إن الديمقراطيات العربية يجب أن تشمل الإسلاميين، وحتى "المتشددين" منهم.

لم يكن الضابط المذكور سوى عبد الفتاح السيسي.

يقول كيركباتريك في كتابه الذي جاء في 384 صفحة إنه بعدما فاز الإخوان المسلمون، الحركة الإسلامية الرئيسية في مصر، في أول انتخابات حرة ونزيهة في البلاد إثر احتجاجات يناير 2011، كان الضابط عبد الفتاح السيسي حريصاً على العمل مع الجماعة.

هكذا، أصبح وزيراً للدفاع في عهدهم، وسرعان ما اكتسب ثقة الرئيس الجديد حينذاك، محمد مرسي، القادم من جماعة الإخوان.

لكن بعد أقل من عامين، عزل السيسي مرسي، وشنّ حملة ضد مؤيديه وضد قيادات الإخوان.

ويقول كيركباتريك إنه لم يكن يفهم الأوضاع في مصر جيداً في بداية عام 2011، وبدت له أقرب إلى لغز غير مفهوم، إذ لم يكن يدرك دوافع شخصيات مثل السيسي ومرسي، كما لم يكن قادراً على التنبؤ بالاتجاه الذي تسير فيه مصر.

والسبب كما يقول الكاتب هو أنه أحضر معه إلى القاهرة الافتراضات الغربية. لكنه يعترف أن هذا كان خطأ، ويقول إنه حاول من خلال كتابه فك شفرة الغموض، معتبراً أن الغرب حتى الآن، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، غير قادر على ذلك.

"اللغز الإسلامي"

يعتبر الكاتب أن الإخوان المسلمين هم أكبر لغز في مصر، ويقول إنه كان من الصعب تحديد نواياهم قبل الثورة. فعندما أسس حسن البنا الجماعة عام 1928، كان غير واضح ما الذي يريده: هل يريد أن يكون متشدداً، سلمياً، سياسياً، روحانياً، ديمقراطيا، أم مستبداً؟

لكن بعد الثورة، أصبح اكتشاف الإخوان أمراً سهلاً. نسبة كبيرة منهم في منتصف العمر ومن الطبقة المتوسطة أبقوا على لحاهم لكنهم هذبوها، وارتدوا ملابس عصرية.

أقوال جاهزة

شارك غردعام 2005، وصل ضابط في الجيش المصري إلى ولاية بنسلفانيا الأمريكية لحضور محاضرات في الكلية الحربية للجيش الأمريكي، واختلف مع مَن يزعمون أن الإسلام السياسي لا يتوافق مع الديمقراطية... لم يكن هذا سوى عبد الفتاح السيسي

شارك غرديعتبر ديفيد كيركباتريك، في كتابه "في أيدي العساكر: الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط"، أن الإخوان المسلمين هم أكبر لغز في مصر، ويقول إنه كان من الصعب تحديد نواياهم قبل الثورة

ويلفت الكاتب إلى أن معارضي الإخوان حذّروا الأجانب من أن الجماعة تريد "أسلمة" مصر، رغم أن الأخيرة قالت إنها تريد فصل الدين عن الدولة، ودعم حرية التعبير والمساواة بين الجنسين وبين المسلمين وغير المسلمين.

ويقول الكاتب إن هذه الآراء بدت وقتها أكثر ليبرالية من آراء المصريين العاديين.

ويضيف أنه لتجنب الانتفاضة ضدها، قالت الجماعة إبان أحداث يناير إنها لن تسعى للحصول على أكثر من ثلث مقاعد البرلمان، كما قالت إنها لن تقدّم مرشحاً للرئاسة.

لكن عندما جاءت الانتخابات، نافس الإخوان على معظم المقاعد، وفازوا بما يقرب من نصفها، ثم فازوا بالرئاسة. وبعد فوزه، قام مرسي بتثبيت عناصر من الإخوان في مناصب قوية. وبعد عدة أشهر، أصدر مرسوماً يجعل قراراته فوق المراجعة القضائية، كما قدم دستوراً يعارضه الليبراليون.

خرج الملايين إلى الشوارع عام 2013 مطالبين الرئيس مرسي بالرحيل. ووصف الليبراليون تلك الاحتجاجات بأنها أقرب إلى عملية إعادة ثورة 2011، وأنها فرصة أخرى للديمقراطية.

لكن الكاتب يقول إن الليبراليين المصريين لم يستردوا البلد، فالجيش هو مَن فعل ذلك، واصفاً ما حدث في مصر بأنه انقلاب بطيء الحركة، بدأ منذ انتخاب مرسي.

فبرأيه، لم يرغب جنرالات مصر منذ البداية في الاعتراف بانتصاره، كما أن القضاة ومسؤولين وأجهزة الاستخبارات عملوا سراً لإفشاله وإفشال جماعته.

ويزعم الكاتب أن الإمارات دفعت ملايين الدولارات للمعارضة الشعبية لمرسي، والكثير منها مرّت عبر وزارة الدفاع التي كان يقودها السيسي.

ويكمل أن ما حدث في مصر لم تفهمه أمريكا جيداً، مضيفاً أن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عارض استيلاء الإخوان على السلطة وطالب مرسي بتقديم تنازلات، رغم أن الكاتب يقول إن مرسي دعا بالفعل المعارضة إلى محادثات لكنها رفضت.

ويقول كيركباتريك في كتابه إن العديد من المسؤولين الأمريكيين شجعوا الجيش على الاستيلاء على السلطة، مذكّراً بأن وزير الدفاع الأمريكي في ذلك الوقت تشاك هيغل قال للسيسي: "أنا لا أعيش في القاهرة، أنت تفعل، يجب عليك حماية الأمن وحماية بلدك"، كما قال وزير الخارجية الأمريكي حينذاك جون كيري إن الجنرالات في مصر "كانوا يستعيدون الديمقراطية".

يقول الكتاب إن المسؤولين الأمريكيين لم يحصلوا على الحقائق الصحيحة لما يحدث على أرض الواقع، ويضيف أن دستور الإخوان الذي واجه معارضة قوية لا يختلف كثيراً عن ذلك الذي يحكم بموجبه السيسي مصر الآن.

ويختلف الكاتب مع بعض المسؤولين الأمريكيين الذين يضعون الإخوان المسلمين في نفس السلة مع جهاديي تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية، زاعماً أن الإخوان قد أدانوا عنف هذه الجماعات مراراً وتكراراً.

ويقول الكتاب إن جذور القاعدة والجماعات الجهادية الأخرى يمكن إرجاعها إلى السجون المصرية التي كانت مليئة بالإسلاميين الغاضبين في الستينيات من القرن الماضي، مضيفاً: "الآن تنفجر السجون بأعدادهم مرة أخرى، إلى درجة أن مصر بنت سجوناً جديدة".

ويقول الكتاب إن هناك حوالي 30000 سجين سياسي في مصر، منهم العديد من الصحافيين، وإن "الانقلاب" غذّى تمرداً جهادياً في سيناء، رغم أن مسؤولين أمريكيين يقولون إن الاستقرار عاد إلى مصر.

ويتناول الكتاب أيضاً دعم الإدارة الأمريكية الحالية للنظام المصري الحالي، ويعتبر أنها ترى في السيسي شخصاً يقوم بكل الأشياء الصحيحة، فهو يريد أن يطور الإسلام ويصلح الاقتصاد... ويصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه "شخص رائع".

ويختم كيركباتريك بقوله إن الإدارة الأمريكية الحالية، مثلها مثل غيرها، لا تعترف بأن حكم الفرد سيولّد مرة أخرى البؤس والتطرف في مصر.


رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي