قتل و"انتحار" وعزل رهبان وتبادل اتهامات... ماذا يحدث في الكنيسة القبطية المصرية؟

قتل و"انتحار" وعزل رهبان وتبادل اتهامات... ماذا يحدث في الكنيسة القبطية المصرية؟

وجوه طيّبة يعلوها الإيمان والتقوى، ثياب بسيطة وطعام أبسط، زهد يخيّم على المكان، ومظاهر محبة وتسامح لا تخطئها عين... هذه هي الصورة النمطية السائدة عن الأديرة والرهبان عموماً.

لم تأتِ هذه الصورة من فراغ. نظرياً، هذا ما يجب أن تكون عليه الأديرة والرهبان، فنحن أمام أناس تخلّوا عن ماديات العالم، وبدأوا حياة جديدة تتمحور حول المحبة.

لكن عملياً، الأمر ليس كذلك، أو لنكون أكثر دقة، هو لا يحدث بهذا الكمال، فالنفس البشرية تواقة للنعم والسلطة والنفوذ والشهوات، والمناصب الدينية تُكسب صاحبها حيثية ونفوذاً كبيراً، ومن هنا تبدأ الصراعات والصدامات بين رجال الدين، أي دين وكل دين، صراعات يختلط فيها الديني بالدنيوي وبالسلطوي وكثيراً ما تنتهي بالدم.

ما يحدث الآن في الكنيسة المصرية من جرائم قتل وانتحار واتهامات تطال الكل، هو أدق تجسيد لتلك الفكرة. هي نفوس بشرية بالأخير، تختلف رؤى أصحابها وتتعارض مصالحهم، وينقلب خلافهم إلى صراع يفضي إلى صدام وربما يُختتم بإسالة الدم.

تأصيل الأزمة

منذ أن عرفت مصر الرهبنة عام 285، على يد الأنبا أنطونيوس، الملقب بأبي الرهبنة، والكنيسة والأديرة تمر بمراحل قوة ومنحدرات ضعف. لكن ما يهمنا هنا هو الفصل قبل الأخير والذي نعيش انعكاساته اليوم، أي ما شهدته حقبة الستينيات من القرن الماضي وما تلاها.

في تلك الفترة، حين كان جمال عبد الناصر يحكم بثوريته وصداميته، وكان الصراع بين القادم والمستقر يشمل كل نقطة في مصر بل وكل نقطة في الإقليم بأسره.

وطبعاً، لم تكن الكنيسة المصرية بمعزل عما يدور في محيطها. داخلها، برز اسمان في تلك الفترة: الأب "متى المسكين" و"البابا شنودة" الذي لم يكن قد نُصّب بطريركاً بعد.

وبدون الدخول في تفاصيل لاهوتية معقدة، يمكن تلخيص الخلاف بينهما بأنه انعكاس للخلاف خارج أسوار الكنيسة إلى حد بعيد. ففي حين كان متى المسكين يرى أن دور الكنيسة يجب أن ينحصر في الشق الديني ومحاولة التقريب بين المسيحي والسماء، كان شنودة ابن عصره، يميل أكثر إلى فكرة الدولة ويؤمن بسلطة الكنيسة بمعناها الأوسع.

كما اختلفت نظرة كل من الشخصيتين حيال الكنائس الأخرى، فـ"متى" كان أكثر انفتاحاً وميلاً إلى التقارب في حين كان شنودة، ابن الحقبة الناصرية، على عكسه يخالف (ويمكن القول يعادي) الغرب وكنيسته.

ورغم أن "متى المسكين" أقدم من "شنودة"، إلا أن الأخير نجح في عام 1971 في أن يكون هو البابا الجديد للكنيسة، وذلك بعد أن تم استبعاد اسم "متى المسكين" نظراً لعدم انطباق شروط الترشح عليه، وهي شروط صادرة في لائحة 1957 لاختيار البابا.

كان شنودة رجل سياسي بامتياز، له كل مواصفات الزعيم. كان خطيباً مفوهاً، لديه قدرة فائقة على الإقناع والتأثير في الجماهير، فضلاً عن تبنيه خطاباً يمكن وصفه بالقومي، يتسق مع خطاب ناصر، ويتضمّن الحديث عن الدفاع عن هويتنا وهوية كنيستنا، وهو ما مكّنه من تكوين شعبية طاغية والتأثير على الكثيرين.

في المقابل، كان "متى" على عكسه إلى حد بعيد. الرجل الذي يمكن وصفه بالصوفي والميّال إلى هجر العالم كان يحمل أفكاراً تقدمية ورغبة حقيقة في التقارب مع الآخر، وهو ما لم يكن يتسق بالقطع مع خطاب دولة ناصر المتشنج ذي النبرة العالية.

شنودة على رأس الكنيسة

مع تولي شنودة مقاليد البابوية، بدأ في ترسيخ أقدامه وبسط سيطرته ونفوذه على الكنيسة. عمل على ترسيم أكبر عدد ممكن من الأساقفة والرهبان ممّن يديونون له بالولاء ويحملون أفكاره.

وفي نفس الوقت، كانت الفجوة تزداد بينه وبين متى المسكين، وبدأت الحملة على الأخير تزداد شدة يوماً بعد يوم. ويمكن القول إنه تم العمل بدأب وتركيز على اغتياله معنوياً.

ركّزت الحملة على المسكين على اتهامه بالهرطقة (الكفر) مستندةً إلى تأويل كتاباته في بعض القضايا الدينية مثل الألوهية ورفض حرفية النص، والتي دفعت سابقاً البابا كيرلس السادس إلى عزله لمدة تسع سنوات وتجريده من ألقابه، قبل أن يعود إلى الكنيسة من جديد.

أدت هذه الحملة المنظمة والقوية إلى انحسار شعبية الرجل بين أغلب المسيحيين، ومعظمهم لم يقرأوا كتبه أو يفهموا مغزى حديثه. لكن الأبواق كان عالية والموج هادر.

لاحقاً، وصل أنور السادات إلى الحكم ومرّت أعوام وجرت مياه كثيرة في النهر، نجح خلالها شنودة في إحكام قبضته أكثر وأكثر على الكنيسة.

لكن شنودة لم يكن أكثر حظاً من أبناء الحقبة الناصرية الذين اصطدموا بالسادات في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، لتنتهي الأمور بعزله والتحفظ عليه في دير وادي النطرون من قبل الرئيس الذي وصف نفسه وقتها بأنه "رئيس مسلم لدولة مسلمة".

تزامن عزل شنودة مع تقارب بين السادات ومتى المسكين. ويقول أتباع الأخير إنه رفض منصب البابوبة الذي عرضه عليه السادات، وإنْ كان آخرون يردّون على ذلك بأنه لم يكن ممكناً كنسياً أن يتولى المنصب نظراً لوجود بطريرك آخر على قيد الحياة، هو شنودة، حتى وإن كان متحفظاً عليه.

اغتيل السادات وتبدّلت الأحوال وصعد محمد حسني مبارك إلى سدة الحكم. تبنى الرئيس الجديد سياسة تهدئة الأوضاع وأعاد شنودة إلى منصبه، وبقي متى المسكين في دير أبو مقار الذي يمكن وصفه بأنه مدرسة لأتباعه ومحبيه، مع استمرار حمله تشويه واغتيال معنوي ممنهجة ضده.

لم يُعِد مبارك شنودة فحسب، بل أجرى معه اتفاقاً ضمنياً فحواه أن يتحمل البابا أعباء الأقباط لترتاح الدولة من همهم، وهو ما وجد هوى لدى الجميع: مبارك الموظف خفّف أحماله، وشنودة الزعيم وجدها فرصة جيدة لترسيخ زعامته وإحكام قبضته.

كان اتفاقاً ضمنياً مرضياً للجميع، وتحولت الكنيسة على أثره إلى دولة مصغرة تتولى شؤون الرحلات والمدارس لأبناء "شعب" الكنيسة.

تواضروس و"تيار التجديد"

برحيل البابا شنودة عن عالمنا، فُتح باب الترشح لخلافته. ولأسباب معقدة لها علاقة بطريقة انتخاب البابا، نُصّب تواضروس بابا. ولأنه محسوب على "تيار التجديد" (ضمنياً تيار متى المسكين)، كان من الطبيعي أن تبدأ جولة جديدة من الصراع.

أقوال جاهزة

شارك غردظل الصدام مكتوماً داخل أسوار الكنيسة القبطية المصرية، وبعيداً عن أعين الإعلام وأغلب شعب الكنيسة لسنوات وسنوات، إلى أن فوجئ الجميع بخبر مقتل الأنبا إبيفانيوس، أسقف ورئيس دير أبو مقار للرهبان، ليتفجر الوضع

شارك غردأزمة حادة تعصف بالكنيسة القبطية المصرية... "الدير مش بس مكان للعبادة، لا ده تحوّل إمبراطورية اقتصادية"، يقول الباحث القبطي بيشوي القمص ويضيف: "هناك أديرة ثرية، أعني ثرية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ"

الشائع عن تواضروس أنه يؤمن بالتجديد إلى حد بعيد وبالتقارب مع الكنائس الأخرى، وهو ما بدا جلياً حين قام بزيارة البابا فرنسيس لأول مرة في 10 مايو 2013، لتقديم التهنئة له لجلوسه على كرسي القديس بطرس في الفاتيكان، ثم بدأ الحديث عن الاعتراف بتعميد الكنيسة الكاثوليكية، في خطوة وُصفت بأنها عظيمة للتقارب وإنهاء الخلاف بين الكنائس المتباعدة لسنوات.

التناحر والصدام

تحركات تواضروس صوب التجديد فاقمت الصدام داخل الكنيسة، فالرجل لا ينسف أفكاراً قديمة فحسب، وهو ما ينتج صداماً عقائدياً، بل يخصم من نفوذ قساوسة ورهبان أصبحت لهم سلطات دينية ويحققون مكاسب دنيوية كبيرة.

"الدير مش بس مكان للعبادة، لا ده تحوّل إمبراطورية اقتصادية". هكذا يصف الباحث القبطي بيشوي القمص الأزمة مضيفاً لرصيف22: "هناك أديرة ثرية، أعني ثرية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، فلديك مثلاً دير أبو مقار الذي يمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي تصدر منتجاتها 'الأورغانيك’ وعقارات وغيرها. حياة الرهبان نفسها لم تعد تلك الحياة الزاهده، ونظرة على قصر الدير المحرق في التجمع الخامس تخبرك بالكثير. فنظرياً هذا مسكن متواضع للرهبان، ولكن عملياً نحن أمام قصر مهيب".

الصدام لا يقف إذن عند الإشكاليات اللاهوتية. بالعكس، نحن نتحدث عن نفوذ وثروات وعلاقات معقدة، محاولة فك طلاسمها كفيلة بإشعال ألف حرب.

مصرع الأنبا إبيفانيوس

ظل الصدام مكتوماً داخل أسوار الكنيسة، وبعيداً عن أعين الإعلام وأغلب شعب الكنيسة لسنوات وسنوات، إلى أن فوجئ الجميع بخبر مقتل الأنبا إبيفانيوس، أسقف ورئيس دير أبو مقار للرهبان، ليتفجر الوضع وينقسم المجتمع القبطي على نفسه، بين مَن يرون أن مصرع إبيفانيوس أتى على خلفية الصدام بين قوى التجديد والقوة المحافظه، مشيرين إلى أن الرجل من أهم رجال تواضروس وصاحب مكانة رفيعة يمكن وصفه من خلالها برأس حربة التيار المجدد، وبين مَن يعتبر أن الرهبان لا يمكن أن يتورطوا في جرائم الدم، وأن الصراع رغم وجوده إلا أنه لا يعدو كونه إشكالية لاهوتية بين رجال الدين وليس صداماً دامياً بين حفنة من القتلة.

عقب وفاة إبيفانيوس، وقبل أن تمضي أيام معدودات، كان المجمع المقدس (بقيادة تواضروس) يتحرك سريعاً معلناً قرارت (ليست بالهينه) لعل أبرزها: أمر الرهبان بالامتناع فوراً عن التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي؛ وقف قبول رهبان جدد أو ترقية الرهبان الحاليين لمدة ثلاث سنوات، وأخيراً حظر التعامل المالي على أي راهب.

هذه القرارت يراها الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في ملف حرية الدين والمعتقد، إسحق ابراهيم، جيدة، ويقول لرصيف22: "التوسع في قبول الرهبان كان الهدف منه تكوين فريق داعم لطرف على حساب طرف، والأمور كادت أن تخرج عن السيطره، إضافة إلى أن فكرة أن يتعامل الرهبان مادياً أو أن تكون لهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، تتنافى بالأساس مع فلسفة الرهبنة المبنية على ترك الحياة الدنيا".

يرى إسحق أن المجمع المقدس أراد بتلك القرارت أن يرسل رسالة واضحة مفادها أنه ماضٍ قدماً في مساره، فضلاً عن أنها خطوة جيدة لإعادة الأديرة إلى دورها.

ولم يقف البابا تواضروس عند هذا الحد. فلم يمضِ يومان حتى كان قد اتخذ قراراً آخر، عبر المجمع المقدس، بتجريد الراهبيْن يعقوب المقاري وأشعياء المقاري من الرهبنة والكهنوت وعزلهما نهائياً، وهو قرار أثار بدوره لغطاً.

فالبعض اعتبره إشارة غير معلنة إلى تورّط الرجلين في جريمة القتل الشنعاء، في حين تعالت أصوات أخرى تؤكد أن مخالفات الأول المالية ومخالفات الثاني الإدارية هي السبب وراء القرار الذي جرى التباحث فيه طويلاً وما توقيته إلا مصادفة.

موجة أعتى

قبل أن تنتهي موجة القرارت والعزل، ضربت الكنيسة موجة أعتى، مع الإعلان عن محاولة الراهب فلتاؤس المقاري الانتحار.

انتقلت الأزمة إلى مربّع أكثر دراماتيكية خصوصاً أن الصحف المقرّبة من السلطة مثل اليوم السابع كانت مربكة جداً. فوفقاً لما نشرته، حاول الرجل الانتحار بقطع شرايين يديه داخل مسكنه في الدير، وحين فشل قام باستقلال سيارته وتوجه إلى مبنى العيادات الطبية، وصعد إلى الطابق الرابع وقفز من أعلاه!

هذه الرواية شبه الرسمية جعلت أصواتاً أخرى تتعالى قائلة إن الراهب المحسوب على فريق شنودة تم تعذيبه وأجبر على الانتحار، وإن كان أنصار هذا الطرح لم يقدموا تفسيراً متماسكاً حول سبب ما حصل وصاحب المصلحة منه.

على أطراف المشهد، كانت هناك تسريبات هنا وهناك تشير إلى أن الكنيسة لا يمكنها التكتم على الموضوع، ليس لأنه شديد الحساسية فحسب، بل لأن الأمن المصري لم يسمح منذ البداية بأن تُسوّق قصة أن الجاني في مقتل الأنبا إبيفانيوس إرهابي أو مجنون، لما تحمله هذه الرواية له من إدانة له بالتقصير.

ولذلك، بحسب هذه التسريبات، ضغط الأمن بقوة للإفصاح عن الحقيقة، لكن مرة أخرى تظل هذه سردية منتشرة في أوساط قبطية، دون دليل ملموس عليها ودون تصريح واضح يؤكدها.

يبقى المؤكد أن الكنيسة المصرية تشهد الآن صداماً داخلياً وانقسامات عنيفة لم تشهدها من قبل، وأن زلزال متى المسكين لم يخمد، وأن تبعاته ما زلنا نعيش فيها حتى الآن، ومَن يدري؟ ربما يكون تواضروس هو النقلة النوعية الأكبر في التاريخ المعاصر للكنيسة القبطية المصرية.


ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

كلمات مفتاحية
الأقباط الكنيسة

التعليقات

المقال التالي