وزير خارجية كوريا الشمالية في إيران... ماذا تعني الزيارة للبلدين ولأمريكا؟

وزير خارجية كوريا الشمالية في إيران... ماذا تعني الزيارة للبلدين ولأمريكا؟

بعد انتهائه من اجتماع رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" في سنغافورة، يتوجه وزير خارجيّة كوريا الشماليّة ري يانغ هوو يوم الثلثاء (7 أغسطس) إلى طهران من أجل لقاء نظيره الإيراني محمد جواد ظريف.

عاملان قد يجعلا توقيت الزيارة ملفتاً للانتباه إلى حدّ كبير: 1- يتزامن اللقاء مع التصعيد الأمريكي الأخير ضدّ إيران - الذي لم يغيّره على ما يبدو عرض ترامب لقاء نظيره حسن روحاني "من دون شروط"- إذ أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن البيت الأبيض سيصدر بياناً (ليل الاثنين) يذكر فيه بالتفصيل إعادة فرض عقوبات على إيران كان الرئيس قد أصدر أمراً بها. 2- يأتي اللقاء بعدما شهدت العلاقات بين واشنطن وبيونغ يانغ تطوراً ملموساً أسهم في تحرير الأخيرة من عزلتها الدولية، وذلك إثر القمة التاريخية التي عقدها ترامب مع كيم جونغ أون شهر يونيو الماضي حيث اتفق الطرفان على "نزع الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية".

 

المصدر الإيراني المطلع، الذي نقلت عنه وكالة "فارس" الإيرانية خبر الزيارة المرتقبة، لم يذكر تفاصيل المواضيع التي سيناقشها ظريف وري، ولكن ثمة الكثير مما يمكن قوله حول رسائل الزيارة وخلفياتها وتوقيتها ودلالاتها بالنسبة للعلاقات بين البلدين كما لعلاقتهما بالولايات المتحدة- ما قد يساعد على استشراف ما سيخرج به البلدان من الزيارة.

زيارة تستكمل زيارات

بعد انتشار خبر الزيارة، أعربت لجنة خبراء أممية عن قلقها من التعاون بين كوريا الشمالية وإيران و"العلاقة المشبوهة بين البلدين"، بحسب موقع "إن كي نيوز" الأمريكي المعني بأخبار كوريا الشمالية.

واللقاء، بحسب المتداول، لن يكون الأول بين الإيرانيين ووزير خارجية كوريا الشمالية، إذ التقى الأخير في أبريل الماضي وفداً إيرانياً رفيع المستوى على هامش اجتماع لحركة "دول عدم الانحياز" في باكو، وفق ما نقلته حينها وكالة الأنباء الكورية الشمالية.

لقاء آخر حصل في أغسطس من العام الماضي كان قد أثار قلقاً عالمياً. حينها عمد كيم يونغ نام، الزعيم السياسي الثاني في كوريا الشمالية ورئيس الهيئة التشريعية، إلى مغادرة بيونغ يانغ لزيارة مطوّلة إلى إيران قيل إن السبب الرسمي لها حضور تنصيب الرئيس حسن روحاني للمرة الثانية.

لكن، وبحسب تقرير لـ"معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" كتبه جاي سولومون، فإن "الزيارة طالت ودقّت ناقوس الخطر في واشنطن والعواصم الحليفة. وقالت وسائل الإعلام الحكومية في كوريا الشمالية إن الرحلة دامت لأربعة أيام، لكنّ وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية أفادت بأن الرحلة دامت لعشرة أيام، وبأن وفداً كبيراً من كبار المسؤولين الآخرين كان يرافق كيم.

وكان كيم نفسه، وفق سولومون صاحب كتاب "حروب إيران: ألعاب التجسس، معارك المصارف، والعروض السرية التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط"، هو من زار طهران للمرة الأخيرة سنة 2012 لحضور اجتماع خاص بـ"حركة بلدان عدم الانحياز"، غير أنه فوّت معظم الأحداث المرتبطة بذلك المؤتمر، وركّز على توقيع اتفاق تعاون علمي ثنائي مع الرئيس محمود أحمدي نجاد.

أقوال جاهزة

شارك غردعاملان قد يجعلا توقيت الزيارة ملفتاً للانتباه إلى حدّ كبير: تزامنها مع التصعيد الأمريكي الجديد ضد إيران، وحصولها بعد التقارب الأمريكي - الكوري الشمالي التاريخي في يونيو الماضي

شارك غردأشار محللون إلى أن الزيارة تعني عدم ثقة بيونغ يانغ بمضيّ واشنطن قدماً في الاتفاقيات التي تعقدها، فضلاً عن توجيهها رسالة لأمريكا بأنها لن تتخلى عن حلفائها الأصليين

 

والجدير بالذكر هو أنّ أحد المسؤولين الإيرانيين الذين حضروا اجتماع 2012 مع كيم كان رئيس "منظمة الطاقة الذرية" فريدون عباسي دوائي الذي عاقبته واشنطن والأمم المتحدة بسبب دوره المزعوم في تطوير الأسلحة النووية.

وبحسب مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية، بدا الميثاق بين الطرفين شبيهاً جداً بالميثاق الذي وقّعته بيونغ يانغ مع سوريا عام 2002؛ وبعد خمس سنوات، دمّرت الطائرات النفاثة الإسرائيلية مبنى شرقي سوريا تعتقد الولايات المتحدة والأمم المتحدة أنه كان مفاعل نووياً بنته كوريا الشمالية.

ماذا يمكن أن تعنيه الزيارة؟

في العودة إلى العاملين المذكورين أعلاه اللذين جعلا الزيارة وتوقيتها محط اهتمام عالميين، نحاول استعراض ما يمكن أن تعنيه في سياق العلاقات الإيرانية - الكورية الشمالية وبشكل أساسي العلاقة مع أمريكا.

في هذا الشق ثمة سيناريوهين، الأول مفاده أنها - وبسبب تزامنها مع الدعوة التي أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبوع الماضي لعقد قمة مع روحاني وتشابه الدعوة مع السيناريو الذى تبناه ترامب مع بيونغ يانغ - تفتح الباب أمام المسؤول الكوري الشمالي للقيام بدور "الوسيط" بين طهران وواشنطن لإنهاء الأزمة الإيرانية وتمهيد الطريق أمام المفاوضات بين الجانبين فى المرحلة المقبلة.

ولكن هذا السيناريو يُعدّ أقل ترجيحاً، في وقت لا تزال كوريا الشمالية نفسها محط تشكيك أمريكي فيما تستمر واشنطن بالتلويح بمواصلة الضغط على بيونغ يانغ وعدم رفع العقوبات عنها فى المرحلة الراهنة. وقد حذّر مسؤولون في الأمم المتحدة قبل أيام من أن كوريا الشمالية لم توقف برنامجها النووي والصاروخي بعد، كما تمعن بخرق العقوبات وتستمر بالتعاون العسكري مع سوريا ومدّها بالأسلحة الخفيفة كما تفعل مع الحوثيين في اليمن ومع جماعات أخرى في ليبيا والسودان.

في المقابل، أشار محللون إلى أن الزيارة تعني عدم ثقة بيونغ يانغ بمضيّ واشنطن قدماً في الاتفاقيات التي تعقدها، لا سيما في عهد ترامب، وهي إذ تضع أمام أعينها انسحاب الأخير من الاتفاق النووي مع إيران في مايو الماضي، لن تخاطر بالتخلي عن إيران أو أقله عدم تقديم الدعم لها.

 

وفي هذا السياق، توجه كوريا الشمالية رسالة إلى أمريكا بأنها لن تتخلى عن حلفائها الأصليين، خاصة في ظلّ استمرار حاجتها لهم مع استمرار العقوبات عليها. وتشبه هذه الرسالة تلك التي بعثها كيم جونغ أون بزيارته للصين، لا سيما وأنها أتت بعد أسبوع من لقائه بترامب الذي كان يتجه بدوره لفرض إجراءات تجارية تصعيدية ضد بكين.

من جهتها، تحاول إيران أن تستخدم ورقة كوريا الشمالية للتغلب على العقوبات المفروضة من خلال مجالات التسليح التاريخية بين الطرفين وكذلك النفط الذي يمكن أن تكون كوريا الشمالية منفذاً لبيعه في شرق آسيا، فضلاً عن توجيه رسالة لواشنطن بأنها لا يمكن أن تسحب بساط "الحلفاء" من تحت طهران بهذه السهولة.  

وفي خبر لافت، لا يغيّر كثيراً في التحليلات الواردة لكن يمكن استخدامه لفهم علاقات المنفعة بين الدول عموماً، نذكر هنا ما كشفته صحيفة "وول ستريت جورنال" الشهر الماضي عن صفقة بين إسرائيل وكوريا الشمالية، لم يكتب لها النجاح، طلبت بموجبها بيونغ يانغ من تل أبيب مليار دولار أميركي مقابل وقف تزويد إيران بتكنولوجيا الصواريخ.

ويعود تاريخ الصفقة إلى عام 1999، عندما قدّم سفير كوريا الشمالية لدى السويد آنذاك، اقتراحاً إلى نظيره الإسرائيلي، بينما رفضت الحكومة الإسرائيلية الطلب وعرضت عوضاً عن الدفع تقديم مساعدات غذائية إلى بيونغ يانغ. توقفت المحادثات بين الطرفين عند هذه النقطة، وانتهت من دون اتفاق.  

العلاقات بين البلدين… صاروخيّة بامتياز

بحسب تقرير لـ"أنباء كوريا الشمالية" فإن الزيارة المرتقبة تثير القلق بسبب التاريخ الطويل من التعاون بين البلدين في المجال العسكري وفي تكنولوجيا الصواريخ.    

ولفت التقرير إلى زيارة مسؤولين كوريين لإيران بين عامي 2012 و 2016، وهؤلاء كانوا ممثلين معروفين عن اثنتين من مؤسسات الأسلحة الكورية الشمالية وهما "كوريا لتنمية تجارة المناجم" (Korea Mining Development Trading Corporation) و"غرين باين أسوشيتد كوربوريشن" (Green Pine Associated Corporation) المُدرجتان على لائحة العقوبات لدى الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

وأشارت تقارير أخرى في عام 2017 إلى وجود مهربي أسلحة كوريين شماليين يعيشون في طهران، كما رصدت وجود تشابه كبير بين تصاميم الصواريخ في البلدين، وتحديداً بين "شباب 3" و"خرمشهر" في إيران وبين "رودونغ" و"موسودان" في كوريا الشمالية.

وكانت الاستخبارات الأمريكية والخاصة بكوريا الجنوبية رصدت نشاطاً منتظماً للزيارات بين مسؤولي إيران وكوريا الشمالية في محاولةٍ للاشتراك في تطوير أنظمتهما الدفاعية. وينتمي عدة كوريين إلى القطاع الدفاعي أو إلى هيئات مالية سرية تُسأل مباشرة أمام كيم جونغ أون، بما فيها "المكتب 39" و"المكتب 99" لـ"حزب العمّال الكوري" الحاكم.

أشارت تقارير في عام 2017 إلى وجود مهربي أسلحة كوريين شماليين يعيشون في طهران، كما رصدت وجود تشابه كبير بين تصاميم الصواريخ في البلدين، وتحديداً بين "شباب 3" و"خرمشهر" في إيران وبين "رودونغ" و"موسودان" في كوريا الشمالية

وفي السنة الماضية، نقلت السلطات الأمريكية كذلك أن تقنيي قذائف من إحدى أهم شركات الدفاع في إيران، وهي "مجموعة الشهيد همّت الصناعية"، سافروا إلى كوريا الشمالية للمساعدة في تطوير معزّز صاروخي للقذائف التسيارية يزن ثمانين طناً.

وفي السياق، لفت موقع "الدبلوماسي" المتخصص بالشؤون الآسيوية إلى أنه في مايو 2017 أجرى الجيش الإيراني تجربة صاروخية من غواصة من طراز غدير في مضيق هرمز. على الرغم من فشل اختبار الصواريخ، فإن التشابه الوثيق بين الغواصة الإيرانية والغواصة المصغرة من طراز يونو في كوريا الشمالية أثارت قلق صانعي السياسة الغربيين.

ولفت كاتب التقرير صمويل راماني إلى أنه في حين أن التغطية الإعلامية للتعاون العسكري بين إيران وكوريا الشمالية ركزت بشكل أساسي على التبادلات الفنية بين البلدين والتعاون النووي، كان تطوير الصواريخ الباليستية هو المجال الأكثر تناغماً للتعاون التكنولوجي بين طهران وبيونغ يانغ منذ توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015. وهذا يشرح أوجه التشابه اللافتة بين صواريخ EMAD الإيرانية وصواريخ Rodong الكورية الشمالية.

بالإضافة إلى المنافع الإستراتيجية للتوافق مع بيونغ يانغ، فإن تعاون إيران العسكري المستمر مع كوريا الشمالية يقوم على تضامن معياري عميق الجذور بين الدولتين باعتبارهما "محور مقاومة" حسب توصيفهما و"محور شر" حسب تسمية الرئيس الأسبق لأمريكا جورج بوش. هذا التضارب متجذر في الإيمان المشترك بأن الدول لها الحق في تقرير مستوى القدرة الدفاعية المناسبة لها، دون تدخل خارجي أو ردع عدواني.

وكان موقع "ويكيليكس" قد نشر عام 2010 وثائق تؤكد بيع بيونغ يانغ لشحنات من الصواريخ لإيران، كاشفاً عن بعض التفاصيل الخاصة ببرنامج كوريا الشمالية لتخصيب اليورانيوم، وجاء في تفاصيل وثيقة من الوثائق أن الشحنات المكونة من الصواريخ الباليستية وبعض مكوناتها قد عبرت من كوريا الشمالية إلى إيران عبر الصين.

يُذكر أنه رغم كل التقارير التي خرجت، لم يكن لدى أمريكا ولا لدى "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" دليل حاسم يثبت  التعاون النووي المباشر بين إيران وكوريا الشمالية، في حين بدأت العلاقات بين الطرفين بعد سقوط حكم الشاه عام 1979 واختيار طهران معاداة أمريكا وبعض دول الجوار بمقابل سعيها لتعزيز قواتها العسكرية، فلجأت للسوق السوداء من أجل التزود بالأسلحة الثقيلة وتدعيم قواتها العسكرية. بدورها، كانت كوريا الشمالية تعاني الظروف نفسها في علاقاتها مع أمريكا وجيرانها، وتحديداً كوريا الجنوبية.

… والميزان الأمريكي

بعد الإعلان عن الزيارة، لفت موقع "بلومبرغ" إلى التشابه الكبير في تعامل ترامب مع البلدين. فهو قد هدّد وتوعّد وأخرج مصلحات القاموس البذيء قبل لقاء كيم جونغ أون، ليتبخّر العداء المستعر مع لقاء الاثنين. وكذلك الحال، إذ استعرت التصريحات خلال الأسبوع الماضي بينه وبين إيران، ليعود جو "النار والغضب" إلى الهدوء ويتخلله دعوة ترامب للقاء روحاني.  

هذا الأمر، أشارت إليه تقارير أخرى باعتباره ضغطاً أمريكياً يستبق المفاوضات مع إيران، كما كان الحال مع كوريا الشمالية. لكن في المقابل، ثمة فارقاً أساسياً بين طهران وبيونغ يانغ في الميزان الأمريكي. الأولى محاطة بأطراف (السعودية وإسرائيل مثلاً) ترى أنها تمثل خطراً عليها، وبالتالي لا تحبذ التقارب الأمريكي - الإيراني، على عكس كوريا الجنوبية التي لعبت دوراً بناءاً في تقارب بيونغ يانغ وواشنطن.

كما أن ترامب لا يستطيع أن يقدم نفسه بطلاً في حال تقارب مجدداً مع إيران، على عكس ما فعله مع كوريا الشمالية، وأقصى ما يمكن الوصول إليه هو عودة الستاتيكو الذي كان قبل انسحابه من الاتفاق النووي.

من جهته، لفت بول بيلار في مجلة "ناشيونال إنترست" إلى الاختلاف بين إيران وكوريا الشمالية لجهة طبيعة النظام، ولجهة محاولة واشنطن سدّ الطريق أمام الأولى لامتلاك البرنامج النووي وسحب البرنامج المكتمل نسبياً من الثانية. وفي المجمل، اعتبر بيلار أن الأمرين ليسا بالسهولة التي تعتقدها الإدارة الأمريكية.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي