الإخوان المسلمون قبل وأثناء نكبة فلسطين... بين نصرة القضية وبين استثمارها سياسياً

الإخوان المسلمون قبل وأثناء نكبة فلسطين... بين نصرة القضية وبين استثمارها سياسياً

"قضية فلسطين والقدس هي قلب أوطاننا وفلذات كبد أمتنا وخلاصة رأس مالنا". مقولة شهيرة أطلقها مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنا، عكست اهتمام الجماعة بهذه القضية.

وكان احتلال أرض فلسطين عام 1948 واحدة من أهم المحطات التاريخية في تعاطي الجماعة مع "قضية" أكسبتها مكانة سياسية مهمة وخبرة عسكرية وهالة شعبية.

يقول الباحث في التاريخ معصوم مرزوق لرصيف22 إن "الإخوان شاركوا بشكل ملموس في الحرب، وكانوا من أوائل الفصائل المقاتلة في فلسطين، بالتعاون مع جماعات مفتي القدس أمين الحسيني".

قبل البدء... تشكيلات الإخوان المسلحة

يتحدث الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد بان عن بداية ظهور التشكيلات المسلحة للإخوان، ويقول لرصيف22: "هذه الميليشيا تشكّلت عام 1940، وتحركت على الساحة المصرية على مدار ثماني سنوات قبل اكتشافها عبر قضية السيارة الجيب، فعندما حاول التنظيم نقل بعض مستنداته وذخائره من مخبأ إلى آخر، اكتُشف الأمر بالصدفة، لتجد الحكومة المصرية نفسها في مواجهة ميليشيات لديها خطط لاغتيال شخصيات مثل حكمدار القاهرة والقاضي أحمد الخازندار ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي".

ويقول إن "الجماعة كانت تؤمن بالعمل المسلح منذ نشأتها رغم أنّ أدبياتها تميل إلى سياسات المراوغة، بحيث تستخدم القوة وتغلق بابها في نفس الوقت، فنجد حديثاً للبنا يشدّد على استخدام القوة حين لا يحقق الهدف غيرها، وحديثاً آخر يدعو إلى عدم الوقوع في وهم الصدام".

الإخوان وفلسطين

يروي الدكتور صفوت حسين في دراسته "الإخوان المسلمون والقضية الفلسطينية" أن "دعم الإخوان العسكري للقضية تركّز في إمداد الفلسطينيين بالأسلحة منذ 1946، ومع تبني الأمم المتحدة مشروع التقسيم دعا الإخوان للجهاد وفتح الباب أمام المتطوعين".

ويضيف أنه "رغم إعلان الإخوان منذ الثورة الفلسطينية (1936- 1939) أنّ الجهاد هو الطريق العملي لحل المشكلة إلا أنّ الوضع العام مصرياً وعربياً لم يسمح لهم بإعلان الجهاد، كما لم يسمح وضع الجماعة بإرسال أعداد كبيرة للاشتراك في الثورة".

وفي 29 نوفمبر 1947، صدر القرار الأممي رقم 181 الذي نص على تقسيم فلسطين إلى ثلاثة كيانات: الأول، دولة عربية تبلغ مساحتها حوالي 4300 ميل مربع (42.3% من مساحة فلسطين)؛ ودولة يهودية تبلغ مساحتها حوالي 5700 ميل مربع (57.7%)؛ بينما توضع والقدس وبيت لحم والأراضي المجاورة تحت وصاية دولية.

كان من المتوقع أن يثير ذلك موجة غضب كفيلةً بإشعال مواجهات، وكان اليهود مستعدين لذلك. يذكر كامل الشريف في كتابه "الإخوان المسلمين في حرب فلسطين" أنّ اليهود كانوا يمتلكون عدة منظمات عسكرية شُكّلت على أساس خوض حرب العصابات لتقاوم الهجمات العربية.

ويذكر الشريف أنّه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، اتخذ الإخوان خطوات لدعم القضية الفلسطينية، فأرسلوا وفوداً لحث العرب على الكفاح، وتولى نفرٌ منهم تدريب الشباب الفلسطيني سراً.

ركّزت الجماعة على تشكيل المنظمات العسكرية، ونجحت في توحيد أكبر منظمتين شبه عسكريتين في فلسطين، وهما النجادة والفتوة، واختير وكيل الإخوان للشؤون العسكرية محمود لبيب مسؤولاً عن تنظيم هذه التشكيلات، وتوحدت تحت اسم "منظمة الشباب العربي"، وفقاً لدراسة أعدّها محسن صالح بعنوان "الإمام حسن البنا والقضية الفلسطينية".

عقبة الجيش المصري

كان يلزم الإخوان الحشد للقبول بفكرة الحرب، وحث الجيش المصري على المشاركة، وفق الرغبة الشعبية. وعليه، نظّمت تظاهرات لـ"إنقاذ فلسطين"، واعتمدت في الحشد على خطباء راحوا يدعون إلى الجهاد.

وفي التاسع من أكتوبر 1947، أعرب البنا عن استعداده لإرسال عشرة آلاف إخواني إلى فلسطين، كدفعة أولى، لكن حكومة النقراشي رفضت عرضه.

وفي 15 ديسمبر، نظّم الإخوان تظاهرة كبرى، وخطب البنا: "الإخوان المسلمون تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في فلسطين... وهم على أتم استعداد لتلبية ندائكم"، وفقاً لدراسة صالح.

ووضعت الإخوان مجموعة شروط للتطوع، أوردها الدكتور صفوت حسين، وهي أن يكون المتطوّع غير متزوج، وألا يكون مسؤولاً عن إعالة أسرة، وألا يقبل من الأسرة إلا فرد واحد، وإحضار موافقة مكتوبة من الوالدين، وعدم قبول التطوع من طلبة الثانوية إلا باستثناء من المرشد العام، وأن تقرر اللجنة الصحية التي شكلها الإخوان لياقة المتطوع.

التوجّه إلى فلسطين

بدأ الإخوان التوجه إلى فلسطين منذ أكتوبر 1947، وسافرت أول كتيبة بإمرة محمد فرغلي وبقيادة محمود لبيب، لكنّ تضييق الحكومة المصرية جعل مشاركتهم محدودة، واضطروا للتحايل فاستأذنوا بتنظيم رحلة علمية إلى سيناء، فأذنت لهم الحكومة بعد إلحاح شديد، ومن هناك انطلقوا إلى فلسطين.

هكذا، تسلل الإخوان سراً وتجمعوا في معسكر النصيرات، وأخذوا يقومون بعمليات جهادية في صحراء النقب، وانضم إليهم مقاتلون من عرب فلسطين، فتضاعف عددهم، إلا أنّ الحكومة المصرية طالبتهم بسحب قواتهم، وبعد رفضهم قطعت عنهم الإمدادات والتموين وراقبت الحدود.

أقوال جاهزة

شارك غرديعتبر البعض أن حلَّ جماعة الإخوان المسلمين في الثامن من ديسمبر 1948 واغتيال مؤسسها حسن البنا في 12 فبراير 1949، كانا مرتبطين بـ"جهاد الإخوان في فلسطين"

شارك غردالإخوان المسلمون وحرب فلسطين عام 1948... في التاسع من أكتوبر 1947، أعرب مؤسس الجماعة حسن البنا استعداده لإرسال عشرة آلاف إخواني إلى فلسطين، كدفعة أولى، لكن الحكومة المصرية رفضت عرضه

ويذكر صالح أنّ سقوط قتلى وجرحى من الإخوان أدّى إلى نقص عدد مقاتليهم، ورفضت الحكومة السماح لآخرين بدخول فلسطين لتعويض هذه الخسائر، وشددت رقابتها على الحدود أكثر، فاضطر بعضهم للذهاب سيراً، بينهم 15 شاباً من طلبة الثانوية استطاعوا بعد انتهاء امتحاناتهم مغافلة الأمن وقفزوا إلى قطار بضائع، وساروا مسافات شاسعة في صحراء سيناء حتى وصلوا إلى فلسطين.

ولما اشتد الضغط على الحكومة، سمحت للمتطوعين بالمشاركة تحت راية الجامعة العربية، وتدرّبوا في معسكر "الهايكستب"، وكان يشرف على التطوع محمود لبيب، وتشكلت ثلاث كتائب.

قاد الكتيبة الأولى البكباشي أحمد عبد العزيز، ودخلت فلسطين في الخامس من مايو 1948، أما الكتيبة الثانية فقد كانت بقيادة البكباشي عبد الجواد طبالة ورافقت الجيش واشتركت معه في الدفاع عن غزة وتولت مهمة محاصرة مستعمرات يهودية، وحراسة نقاط هامة على خطوط مواصلات الجيش المصري.

وعقب مقتل عبد العزيز، استقرت الكتيبة الثانية مع الأولى في بيت لحم وتولى طبالة قيادتهما معاً.

وبحسب دراسة "الإخوان المسلمون والقضية الفلسطينية"، لم يكفِ المعسكر لاستيعاب المتطوعين، فأرسل الإخوان 100 من أفرادهم ليتدربوا في معسكر "قطنا" في سوريا، واستقبلوا استقبالاً شعبياً.

في معسكر الهايكستب، ضمّت الكتيبة الأولى أربع سرايا، وكل سرية ضمت فصيلتي مشاة وثلاث فصائل مفرقعات وأسلحة "مضادة للدبابات" ومدفعية هاون، وتكوّنت كل فصيلة من 21 فرداً وثلاثة برتبة أمباشي وكان مساعد قائد الفصيلة برتبة جاويش فيما كان قائد الفصيلة برتبة ملازم ثانٍ، هذا بالإضافة إلى مجموعتين لأعمال التليفونات واللاسلكي والإشارة، ليكون مجموعها 231 فرد مشاة، و14 فرد لاسلكي، و33 أومباشياً، و11 جاويشاً، و11 ملازماً ثانياً.

الإخوان في ميدان القتال

يذكر صفوت حسين في دراسته أن "أول مَن دخل من الإخوان كان عبد المنعم النجار، ثم جاء اليوزباشي كمال صدقي، وعادا إلى مصر ليأتيا بالمتطوعين من الإخوان ثم جاء حسني المنياوي، فتولى قيادة المناضلين الغزيين وعرقلة القوافل اليهودية، وكان له الفضل في تخريب الأنابيب التي توصل الماء من بيت حانون إلى المستعمرات اليهودية في الجنوب".

ويوضح الشريف أنّه حاول دخول فلسطين في نوفمبر 1947، لكنّه أرغم على العودة أكثر من مرة، فاضطر إلى قطع مسافات طويلة مشياً، وظلّ يتنقل بحذر حتى استقر في مدينة يافا، ووقع في الأسر أثناء قيادة إحدى الدوريات، لكنّه استطاع الفرار.

تعددت عمليات الإخوان في فلسطين، وكان أولها في 10 أبريل 1948، في معركة كفار داروم الواقعة على الطريق الرئيسي بين رفح وغزة، وكانت القيادة الصهيونية قد اهتمت بهذه المستعمرة وأحاطتها بألغام وموانع سلكية شائكة.

ويذكر حسين في دراسته: "هاجم 23 شاباً المستعمرة انتقاماً لمذبحة دير ياسين، وقسّموا أنفسهم إلى فريقين، الأول يتولى الحراسة ويضم 11 مجاهداً، والثاني 12 مجاهداً".

وقع الخلاف بين الفريقين، فكلاهما أراد المشاركة في عمليات "النسف"، فاتبعوا خيار المناطق، حيث اختير ثلاثة من مديرية الشرقية، وثلاثة من المنوفية، وثلاثة من الدقهلية، واثنان من القاهرة، وواحد من الإسكندرية.

استمرت المعارك من خلال فوج الإخوان بقيادة محمود عبده، واشتبكوا مع 18 سيارة مصفحة من اليهود في غزة، وبعد ذلك تصدّت كتيبة أحمد عبد العزيز في خان يونس، في التاسع من مايو 1948، لدورية يهودية مصفحة كانت تطلق النار عشوائياً على الأهالي.

ويذكر صالح أنّ الإخوان كان لهم دور مشهود في غزة ورفح وبئر السبع، بمهاجمة المستعمرات وقطع مواصلات اليهود، ومن أبرز المعارك التي شاركوا فيها، معركة التبة 86، ومعركة كفار داروم، واحتلال مستعمرة ياد مردخاي وغيرها.

كما كانت للإخوان مشاركة فعالة في معارك القدس وبيت لحم والخليل وخصوصاً معركة صور باهر، ومن أبرز المعارك التي شاركوا فيها معركة رامات راحيل، وعملية استرجاع مار الياس، وتدمير برج مستعمرة تل بيوت قرب بيت لحم، والدفاع عن "تبة اليمن" التي سميت تبة الإخوان.

ووفق الدراسة نفسها، كانت وطأة الإخوان شديدة على اليهود. وتنسب إلى موشي ديان أنه سُئل بعد الحرب عن سبب تجنب محاربة المتطوعين في بيت لحم والخليل والقدس، فأجاب: "الفدائيون يحاربون بعقيدة أقوى من عقيدتنا. يريدون الاستشهاد ونريد أن نبني أمة. جرّبنا قتالهم فكبدونا خسائر فادحة".

وكانت نقطة التحوّل في حرب 1948 عندما دخلت الجيوش العربية. وذكرت دراسة "الإخوان المسلمون والقضية الفلسطينية" أنّ البنا كان يرى أنّ "الحكومات لا ينبغي أن تشارك في القضية إلا دبلوماسياً، وينبغي أن تترك العمل العسكري للفلسطينيين لتفويت الفرصة على الغرب لعرقلة سير الحرب".

وبحسب الدراسة، رأى البعض أنّ دخول الجيوش العربية كان خطأ أوصل إلى الهزيمة، وكان يجب الاكتفاء بـ"حرب عصابات" تعمل بحرية ولا تتقيد بالقرارات الدولية.

ماذا بعد المشاركة؟

يقول الباحث المختص في الصراع العربي الإسرائيلي الدكتور خالد سعيد إن "الجماعة استفادت سياسياً من الحرب، ولا أظن أنّها كانت واجهة مقصودة لتحسين صورتها، لكن أظن أنّ النزعة القومية كانت دافعاً لها إلى ضرورة دحر الاحتلال".

ويضيف لرصيف22 أن الكتابات الإخوانية السابقة لتلك الفترة كانت تمهّد لها، فكتابات البنا في عامي 1946 و1947 كانت تحذّر من الخطر الصهيوني، سياسياً ودينياً وأمنياً وثقافياً.

ويتابع: "بعد الحرب، نجحت الجماعة في توسيع علاقاتها وفتح قنوات اتصال كبيرة قادت إلى انتشار أفكارها بينما لم تكن معروفة قبل ذلك، كما اكتسبوا خبرة قتالية وميدانية عسكرية كبيرة".

ويوضح أنّ الجماعة استفادت أيضاً في صنع هالة حولها ووسعت قاعدتها الشعبية، وإنْ كان ذلك بطريقة غير مباشرة.

يتفق مرزوق مع سعيد على أنّ تلك المشاركة صنعت للجماعة هالة كبيرة، لا سيّما أنّها كانت في طليعة الجماعات غير النظامية المشاركة في الحرب، ومثّل ذلك للرأي العام أمراً مهماً.

ويوضح صالح في دراسته أنه "من الصعب الادعاء بأن حلَّ الجماعة في الثامن من ديسمبر 1948 واغتيال البنا في 12 فبراير 1949، لم يكن لها علاقة بجهاد الإخوان بفلسطين".

ويضيف: "ربما لا تكون مشاركتهم هي السبب الوحيد، لكن القدرة العالية على الحشد أثارت مخاوف أطراف خارجية وأقلقت العائلة الحاكمة في مصر".

وبعد الثورة على الملكية يقول مرزوق: "حدثت تفاهمات بين الإخوان والضباط الأحرار، وكان عبد الناصر على تواصل مع المرشد العام للجماعة حسن الهضيبي، وجرت توافقات في حكومة الثورة".

ويؤكد أنّ الجماعة حاولت في الخمسينيات من القرن الماضي الحصول على مواقع في السلطة، على اعتبار أنّ ذلك يعطيها فرصة للتمكين، لكنّها سرعان ما اصطدمت بالضباط الأحرار.


كلمات مفتاحية
النكبة

التعليقات

المقال التالي