حلف الناتو العربي... هل ينجح ترامب في ضرب طهران بأيادٍ عربية؟

حلف الناتو العربي... هل ينجح ترامب في ضرب طهران بأيادٍ عربية؟

تُجري الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الحالية مناقشات مع "الدول العربية المعتدلة" لإنشاء نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي، أطلق عليها الإعلام مسمى "ناتو عربي"، وتجمع دولاً مسلمة سنّية تحت راية مواجهة التهديدات المشتركة.

وكانت الكويت أول دولة عربية تعلن ترحيبها بمقترحات تلقتها وتتعلق بإنشاء تحالف استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وذلك على لسان نائب وزير خارجيتها خالد الجار الله الذي كشف أن اتصالات ستجري مع واشنطن بهدف الحصول على المزيد من الإيضاحات حول تشكيل هذا الحلف.

من هي "الدول المعتدلة"؟

أطلق مصطلح "الدول العربية المعتدلة" أو "دول الاعتدال" إعلاميا من قبل مراكز الأبحاث الغربية، في نهاية فترة الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، على دول الخليج ومصر والأردن. وأتى هذا المصطلح في مواجهة مصطلح "دول الممانعة" الذي يجمع إيران وحلفاءها.

وبات هذا الوصف مستخدماً رسمياً من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بداية من حكومة إيهود أولمرت في أعقاب انتهاء حرب تموز 2006 على لبنان، في محاولة للتمييز بين الدول العربية بحسب سياساتها الإقليمية.

وعقدت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس أول اجتماع لدول الحلف المذكور تحت اسم "محور الاعتدال"، في أكتوبر 2006 في القاهرة، بحضور دول الخليج الست ومصر والأردن، لكنه كان تحالفاً سياسياً فقط، دون أي تفكير في عسكرته.

ما هي أهداف الناتو العربي؟

ذكرت أربعة مصادر أمريكية وعربية لوكالة رويترز أن البيت الأبيض يريد تعزيز التعاون مع البلدان التي ستنضوي في حلف الناتو العربي بخصوص الدفاع الصاروخي والتدريب العسكري ومكافحة الإرهاب، وقضايا أخرى مثل دعم العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الإقليمية.

وقال متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي للوكالة إن هذا التحالف "سيشكل حصناً في مواجهة العدوان والإرهاب والتطرف الإيراني وسوف يرسي السلام في الشرق الأوسط".

وكشف البيت الأبيض أنه يعمل على فكرة التحالف مع "شركائنا الإقليميين الآن ومنذ عدة أشهر"، كما قال مصدر أمريكي إن مسؤولين سعوديين طرحوا فكرة إقامة حلف أمني قبيل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السعودية العام الماضي، لكن الاقتراح ظل يرواح مكانه.

صحيح أن كافة وسائل الإعلام الدولية نقلت، في البداية، خبر تشكيل الحلف عن رويترز، إلا أن هناك تقريراً نُشر قبل تقرير الوكالة بساعات قليلة، في أهم مركز بحثي إسرائيلي وهو "مركز بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية" بعنوان "هل نتجه نحو ناتو عربي؟"، كشف تفاصيل تشكيل الحلف وأهدافه.

ناقش تقرير المركز الإسرائيلي أسباب ضرورة قيام هذا الحلف، خصوصاً في البحر الأحمر، إذ حذّر من انتقال عناصر حزب الله اللبناني إلى اليمن لقيادة الحرب ضد السعودية وللسيطرة على الممرات الملاحية.

وذكر أن نخبة مدربة من ضباط حزب الله في اليمن مكلفة بتحويل الحوثيين إلى جيش متوسط الحجم قادر على القيام بعمليات متطورة "في جميع أنحاء العالم".

وأضاف أن محاربة حزب الله باتت أولوية لإدارة ترامب، خاصة بعد أن تبيّن وجود عناصره بشكل واسع في أمريكا اللاتينية، وتعاونه مع عصابات المخدرات، وتسلله إلى الولايات المتحدة، ودوره المحوري في سوريا، بحسب التقرير الذي يحذّر من أن البحرين ليست محصنة ضد تسلل عناصر حزب الله إليها.

وزعم التقرير أيضاً أن حزب الله نجح في الاستفادة من سلاح الجو اللبناني، وهو سلاح أمريكي، لخدمة أجندته، مضيفاً أن الولايات المتحدة وحلفاءها العرب يمكنهم توحيد جهودهم لمكافحة هذا التهديد، وبذلك، يمكنهم توجيه ضربة قاصمة لإيران نفسها، تضمن قطعها التمويلات إلى "وكلائها" في المنطقة.

وذكر أن زيادة الوجود العسكري الأمريكي لمحاربة الحوثيين "بشكل مباشر" قد يُعتبر عملاً من أعمال الحرب، ما قد يتطلب تفويضاً جديداً من الكونغرس.

من جانبها، كشفت شبكة "سي أن أن" الأمريكية أن إدارة ترامب تدرس خيارات عسكرية لإبقاء الممرات المائية الحيوية في الشرق الأوسط مفتوحة في أعقاب الهجمات على ناقلات النفط السعودية من قبل الحوثيين المدعومين من إيران في 25 يوليو الماضي.

وأكد مسؤولان في الإدارة الأمريكية للشبكة أنه إذا تم اتخاذ أي إجراء عسكري، سيتم تنفيذه من قبل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مثل السعوديين، وليس من قبل القوات الأمريكية.

من جانب آخر، كشفت صحيفة التايمز البريطانية أن المفاوضات الجارية حول تشكيل الحلف تركز على التدريب العسكري والدفاع، وأشارت إلى أن أحد الخيارات المطروحة للنقاش هو نصب درع صاروخي إقليمي مماثل لنظام القبة الحديدية في إسرائيل.

وذكرت الصحيفة أنه جرى اختيار اسم مؤقت للتحالف وهو "التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط" MESA، وسيعقد أعضاؤه اجتماعاً في واشنطن في أكتوبر المقبل، للاتفاق على تفاصيل عمله وصياغتها.

الحلف الجديد يفكك التحالفات الأخرى

عام 2015، دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال القمة العربية التي عُقدت في مدينة شرم الشيخ إلى تشكيل قوة عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب، واجتمع رؤساء أركان الدولة الأعضاء في القوة، في القاهرة، عدة مرات، لكن هذه المحاولة فشلت، بسبب خلافات مصرية سعودية.

أقوال جاهزة

شارك غرد"حلف الناتو العربي"... إذا تم اتخاذ أي إجراء عسكري، سيتم تنفيذه من قبل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مثل السعوديين، وليس من قبل القوات الأمريكية

شارك غرد"حلف الناتو العربي"... جرى اختيار اسم مؤقت للتحالف وهو "التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط MESA، وسيعقد أعضاؤه اجتماعاً في واشنطن في أكتوبر المقبل، للاتفاق على تفاصيل عمله وصياغتها

وفي نهاية العام ذاته، أعلن وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان فجأة تشكيل تحالف إسلامي، مقره الرياض، بهدف مكافحة الإرهاب أيضاً، وهو ما كان بمثابة شهادة وفاة رسمية للجهود المصرية لتشكيل قوة عربية مشتركة.

ولكن السعودية لم تنجح في تشيكل هذا التحالف على الأرض، رغم أنها أعنلت تعيين جنرال عسكري لقيادته، وذلك بسبب مخاوف الدول التي أُعلنت مشاركتها فيه، ومنها باكستان، من أن يؤدي إلى حرب مستقبلية سنية-شيعية.

هكذا، تراجعت فرص نجاح تشكيل التحالف الإسلامي بقيادة السعودية، وحتى "التحالف العربي" الذي يشنّ حرباً ضد الحوثيين في اليمن صار على وشك الانهيار لعدة أسباب منها فوز مهاتير محمد في الانتخابات الماليزية وإعلان وزير دفاعه سحب قوات بلاده من أرض المعركة.

الانتكاسة الثانية لتحالفات السعودية تمثّلت في فوز حزب الانصاف المقرّب من إيران، بقيادة عمر خان، بالانتخابات المحلية في باكستان. كما أن خلافات السعودية مع المغرب، عضو التحالف، بدأت تتصاعد في أعقاب دعم الرياض لملف واشنطن لإقامة كأس العالم 2026 على حساب ملف المغرب.

وفي مؤشر واضح على حجم التوتر المتصاعد بين الرياض والرباط، ألغى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز عطلته السنوية في مدينة طنجة المغربية واختار وجهة أخرى.

مصر متمسكة بالقوة العربية المشتركة

يؤكد المدير السابق لإدارة الشؤون المعنوية في القوات المسلحة المصرية اللواء سمير فرج أن لا وجود لما يُسمّى بـ"الناتو العربي" حتى الآن، ويقول إن هناك قراراً من الجامعة العربية بإنشاء القوة العربية الموحدة تحت قيادة رئيس أركان الجيش المصري، ولا نيه مصرية لوجود بديل لهذه القوة.

وأضاف لرصيف22 أن القوة العربية الموحدة تستطيع أن تحفظ المصالح العربية والمصرية في البحر الأحمر، ومواجهة التهديدات الإرهابية في تلك المنطقة، مؤكداً أن هذه القوة التي تشكلت بالفعل قانونياً، ستعلب دوراً كبيراً للغاية في عملية مرتقبة لحفظ أمن الملاحة وعبور السفن في مضيق باب المندب والمياه الدولية في اليمن.

وأكد فرج أن مصر تتمسك بالقوة العربية التي تتبناها الجامعة العربية، إلا أن القوة المذكورة يشارك فيها العراق ولبنان، وهما يرفضان أي تدخل في الأزمة اليمنية، كما أن واشنطن لا ترغب في تقديم دعم عسكري لحلف تشارك فيه 22 دولة، ضمنها السودان التي تخضع لعقوبات أمريكية.

السعودية تدرس التمويل والقواعد

يعتبر الكاتب والمحلل السعودي ورئيس تحرير صحيفة عكاظ السعودية جميل الذيابي أن نجاح تشكيل "ناتو عربي" لمواجهة التهديدات الإيرانية لا بد أن يعتمد أولاً على تطابق رؤى أعضاء التحالف وإدراكها مخاطر تلك التهديدات على البلاد العربية والمنطقة برمتها.

وقال الذيابي لرصيف22 إن القرار الأهم في تشكيل الناتو العربي سيكون للسعودية ومصر والإمارات والأردن، مضيفاً أن هذه الدول تعرف جيداً حجم الخطر الإيراني و"حجم جرائم ميليشياتها وعصاباتها المسلحة التي تنشرها في المنطقة".

وأكد أن التحالف العربي بقيادة السعودية لإعادة الشرعية في اليمن حقق نجاحاً ملموساً وأفشل المخطط الإيراني هناك، وهذا يمكن القياس عليه.

وكشف أن فكرة قيام "ناتو عربي" لم تتبلور بالشكل النهائي، وأن هناك مَن يدرسها ويدرس تداعياتها وأبعادها العسكرية والجيوسياسية، والتمويل، والقواعد.

وأكد أن الأساس من وراء طرح هذه الفكرة هو "تحصين البلاد العربية والحفاظ على أمنها واستقرارها ومواجهة العدوان والإرهاب الإيراني"، في ظل "اختطاف طهران للإرادة السياسية في عدة بلدان عربية ونشرها الإرهاب في المنطقة".

التحالف الجديد... هل ينتج تقارباً بين قطر والسعودية؟

يؤكد الذيابي أن دول الخليج ليست كلها على خصومة مع إيران، مضيفاً أن قطر تصطف معها ويمكن أن يُقال إن الكويت على علاقة جيدة معها أيضاً.

وأشار تقرير مركز "بيغن – السادات" إلى هذه النقطة، وقال إنه يجب صرف الانتباه عن الاختلافات والأهداف قصيرة المدى والضيقة التي تخلق صراعات بين الأعضاء وإيلاء الاهتمام لمصالحهم الإستراتيجية وأمنهم.

وأضاف أن الحلف الجديد هو تحالف عسكري وأمني مخصص للدفاع ومعزول عن النزاعات الاقتصادية أو الدبلوماسية أو السياسية، في إشارة إلى إبعاد الأزمة القطرية وغيرها من الأزمات عن الحلف.

لا شك أن قبول قطر بالدخول في الناتو العربي بجانب السعودية والإمارات، يعني انتهاء الأزمة الخليجية، ودخولها في خصومة مع إيران التي سمحت لها باستخدام مجالها الجوي للتغلب على الحصار الخليجي لها.

ولكن الحلف الجديد يضع قطر، بحال قبولها به، في مأزق لأنها ستكون تحت نفوذ السعودية والإمارات، وبحال اختلفت معهما مجدداً سيعودان إلى مقاطعتها، وعندها ستكون الأجواء مغلقة من كافة الجهات، ولن تتعاطف طهران معها بفتح أجوائها لها.

هجوم إعلامي تركي على الفكرة الأمريكية

من الجانب التركي، انتقد كتاب أتراك في وسائل الإعلام المقرّبة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية الفكرة، واعتبروا أنها خطأ جديد للمملكة العربية السعودية، وأن مَن طرحها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

يرى الكاتب التركي في صحيفة "ديلي صباح" حقي أوجال أن هذا التحالف سيكون دمية تساعد فقط الولايات المتحدة وحليفتها التقليدية إسرائيل على إطلاق أيديهم في المنطقة بأكملها.

ونشرت وكالة بلومبرغ تقريراً دعت فيه إلى إنشاء حلف استخبارتي بدلاً من الحلف العسكري، محذرة من أن إيران لديها العديد من الوسائل لإحداث الأذى، من بينها الهجمات السيبرانية واستخدام الميليشيات "الوكيلة"، كما دعت إلى احتواء هذه التهديدات، وتوسيع دائرة هذا الحلف الاستخبارتي ليشمل تركيا ومصر والأردن وحلف شمال الأطلسي مع احتمال دعوة تل أبيب إليه.


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

التعليقات

المقال التالي