حدود الحرية تقف أمام أبواب الثكنات... كيف تحوّل الجيش في تونس إلى مقدس؟

حدود الحرية تقف أمام أبواب الثكنات... كيف تحوّل الجيش في تونس إلى مقدس؟

تستطيع في تونس اليوم أن تتوجه بالنقد أو حتى أن تسخر من أي مسؤول، أو من أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، بما في ذلك الرئيس ورئيس الحكومة، دون خوف أو خشية من الملاحقة الأمنية والقضائية. لكنك لا تستطيع أن تتكلم بكلمة واحدة عن ضابط في الجيش.

فلو حدث ذلك، لن يتأخر القضاء العسكري في أن يوجه لك التهمة الجاهزة "المس بسمعة الجيش"، بالرغم من أن فعلك يقع في دائرة حرية التعبير المكفولة بالدستور.

حالات كثيرة

في أواخر يونيو الماضي، حكمت محكمة عسكرية على عضو في البرلمان التونسي بالسجن لمدة ثلاثة أشهر، بسبب منشور على فيسبوك ينتقد الجيش.

فقد اتُّهم النائب ياسين العياري بتهمة "المس من سمعة الجيش"، بموجب المادة 91 من قانون ''المرافعات والعقوبات العسكرية". وهذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها العياري القضاء العسكري، فقد قضت محكمة عسكرية في مارس 2015، بسجنه لمدة ستة أشهر بسبب منشورات على فيسبوك انتقد فيها الجيش وضباط برتب عليا، واحتُجز لمدة أربعة أشهر قبل أن تطلق السلطات سراحه مؤقتاً.

يقول العياري لرصيف22: "أنا المدني الوحيد الذي حوكم خمس مرات أمام القضاء العسكري في تاريخ تونس، فحتى الضباط المتورطين في محاولة انقلاب 1962 لم يتعرضوا لذلك. ومحاكمتي جاءت لأسباب سياسية بسبب مواقفي الناقدة للسلطة. فقد وجهت لي تهم تتعلق بـ’تحطيم معنويات الجيش’، وهذه تصل عقوبتها إلى الإعدام، و ‘المس من سمعة الجيش’".

قبل ذلك، كانت النيابة العسكرية قد اتهمت في سبتمبر 2016 الصحافي المستقل جمال العرفاوي بالتهمة نفسها بعد نشره مقالاً انتقد فيه تقصير الجيش في التحقيق في حادث تحطم طائرة عسكرية أودى بحياة ضابطين.

وطالت الملاحقة القضائية العسكرية مستشاراً للرئيس السابق منصف المرزوقي، في عام 2012. فقد وجّهت النيابة العسكرية تهمة "المس من سمعة الجيش" لأيوب المسعودي.

وكان المسعودي قد استقال من منصبه كمستشار للمرزوقي بعدما قامت تونس بتسليم رئيس وزراء ليبيا الأسبق بغدادي المحمودي إلى السلطات الليبية متهماً وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، وقائد القوات المسلحة الجنرال رشيد عمار، بأنهما أخلّا بواجبيهما ولم يُعلما الرئيس المرزوقي بعملية التسليم في الوقت المناسب.

المحاكم العسكرية سلاح بيد السلطة

يقول ياسين العياري: "هم يريدون رأسي، ويعلمون أنهم لن يستطيعوا إدانتي أمام القضاء المدني، ولذلك لم يبقَ لهم من حل إلا استعمال القضاء العسكري. فمنذ عهد (الرئيسين السابقين الحبيب) بورقيبة و(زين العابدين) بن عليّ، لا تجد السلطة إلا القضاء العسكري، لتصدر أحكاماً على مقاس أي معارض، وللأسف لم يتغير شيء حتى اليوم في هذا الاتجاه".

ويضيف: "على الرغم من أن الدستور واضح في مسألة محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، إلا أن السلطة تستغل ثغرة الأحكام الانتقالية التي تقضي بأن تظل محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية جائزة حتى تتم ملاءمة القانون العسكري مع أحكام الدستور الجديدة".

وعلى الرغم من أن السلطات التونسية قد قامت بإجراء إصلاحات جزئية طالت القانون العسكري في المرسوم عدد 69 المؤرخ في 29 يوليو 2011، إلا أنها لم تُلغِ ولاية المحاكم العسكرية على المدنيين وعلى الجرائم غير العسكرية التي يرتكبها عسكريون، وأبقت الباب مفتوحاً أمام المؤسسة العسكرية لتستدعي مَن تشاء ليمثل أمام قضائها.

واللافت أن القوى السياسية في السلطة وفي المعارضة لم تصدر أية بينات أو انتقادات تجاه هذه المحاكمات التي تهدد حرية التعبير والصحافة، باستثناء نقابة الصحافيين التي اعتبرت أن تدخّل النيابة العامة العسكرية في تناول وسائل الإعلام لملفات مرتبطة بالأمن القومي "مؤشر خطير".

ويرى الباحث القانوني محمد العفيف الجعيدي أن الثورة هي التي أعادت القضاء العسكري إلى واجهة المشهد القضائي بعدما أسندت له مهمة النظر في قضايا شهداء وجرحى الثورة. ولم يجد ذلك معارضة من الطيف السياسي والحقوقي، الذي كان تحت تأثير حالة الاحتفاء الشعبي بدور المؤسسة العسكرية التونسية في إنجاح الثورة.

أقوال جاهزة

شارك غردتستطيع في تونس أن تتوجه بالنقد أو حتى أن تسخر من أي مسؤول، أو من أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، بما في ذلك الرئيس ورئيس الحكومة، دون خوف... لكنك لا تستطيع أن تتكلم بكلمة واحدة عن ضابط في الجيش

شارك غردلو انتقدت الجيش أو أحد ضباطه في تونس، لن يتأخر القضاء العسكري في أن يوجه لك التهمة الجاهزة "المس بسمعة الجيش"، بالرغم من أن فعلك يقع في دائرة حرية التعبير المكفولة بالدستور

استفاد بالتالي القضاء العسكري من مصداقية الجهاز الذي ينتمي إليه. كما استفاد من ضعف الثقة العامة في القضاء العدلي. وقد لزمت الطبقة السياسية الصمت حيال تسلط القضاء العسكري على المدنيين، متجاهلة الانتقادات الحقوقية في هذا الخصوص.

وتطالب المنظمات الحقوقية السلطات التونسية بمراجعة مجلة (قانون) المرافعات والعقوبات العسكرية لضمان عدم محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.

حبيس الثكنات

كان الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة واعياً منذ البداية إلى خطورة الزج بالجيش في لعبة السياسة. عاش الرجل فترة من حياته في المشرق، وعايش كارثية الأوضاع التي خلفتها الانقلابات العسكرية هناك. كما ساهمت خصومته التاريخية مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر في نفوره من منح الجيش نفوذاً داخل الدولة والمجتمع.

فالجيش التونسي بقي خارج دائرة الضوء وبعيداً عن أية مشاركة سياسية، وزادت عزلته بعد المحاولة الانقلابية في عام 1962، باستثناء حالات الاستنجاد به لقمع حركات المعارضة الشعبية، كما حصل في يناير 1978 في مواجهة الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي يناير 1984 في مواجهة انتفاضة الخبز، أو لمواجهة حركات المعارضة المسلحة كما حصل في أحداث مدينة قفصة عام 1980.

لكن بورقيبة الذي همّش الجيش أطلق في المقابل يد الأجهزة الأمنية. فعلى مدى أكثر من نصف قرن، شكلت وزارة الداخلية، رمزاً للخوف وسطوة النظام وشوكة الدولة القاسية.

ومع وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة عام 1987، بدا واضحاً أن النظام أصبح أكثر اعتماداً على وزارة الداخلية، بالرغم من أن ابن علي جاء بالعديد من ضباط الجيش الكبار إلى وظائف سياسية وأمنية.

فقد تم تعيين الحبيب عمّار وزيراً للداخلية عام 1987، وعبد الحميد الشيخ وزيراً للخارجية عام 1988 ومن ثم للداخلية عام 1990، ومصطفى بوعزيز وزيراً للعدل عام 1989 ثم وزيراً لأملاك الدولة عام 1990، وعلي السرياطي مديراً عاماً للأمن الوطني عام 1991، كما تم تعيين عدداً من ضباط الجيش الآخرين في أعلى الوظائف الأمنية.

هذه التعيينات عنت أن الأغلبية في مجلس الأمن القومي كانت لضباط الجيش في أواخر الثمانينيات، وكان لهم رأي مهيمن في السياسة.

لكن هذه التعينات لم تكن لتؤثر على مكانة الداخلية عند بن علي، خاصة بعد عمليات الاختراق المتتالية التي تعرض لها الجيش من طرف الإسلاميين بين عامي 1987 و1991. وقد أعطى ذلك قوة إضافية للداخلية التي ظهرت بمظهر خط الدفاع الأول على مصالح النظام.

وأدرك بن علي أن صراعه مع الحركة الإسلامية لا تحسمه الجيوش، فهو بحاجة إلى جهاز مخابرات نافذ وقوي وواسع الانتشار وأجهزة أمنية صلبة قادرة على صد المد الإسلامي في الشوارع والجامعات.

لذلك أغدق دعماً وفيراً لهذه الوزارة، فقد قفزت ميزانية الداخلية التي كانت أقلّ من ميزانية وزارة الدفاع، في معظم عهد بورقيبة، إلى 165 في المئة من ميزانية الدفاع في عام 1992، وظلت قرب هذا المستوى على مدى العقدين التاليين، ليبقى الجيش حبيس ثكناته.

نفوذ متزايد

في يناير 2011، وفي أعقاب سقوط نظام بن علي، وصفت جريدة نيويورك تايمز رئيس أركان القوات البرية التونسية الجنرال رشيد عمار بأنه الرجل الأقوى والأكثر شعبية في تونس.

في ذلك الوقت، سرت شائعات كثيرة بأن عمار رفض أوامر بن علي بإطلاق النار على المتظاهرين. كان انحياز الجيش إلى جانب التحركات الشعبية قد تحول إلى رأسمال رمزي كبير، جعل صورته شديدة البياض لدى الرأي العام، وحتى لدى كثير من القوى السياسية.

لعب عمار دوراً كبيراً خلال الفترة الانتقالية بين هروب بن علي وصولاً إلى انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر 2011، وكان الرجل القوي في الدولة، فقد كانت قوات الجيش منتشرة في المدن والقرى وقامت بتأمين العملية الانتخابية.

وتعزز دورها لاحقاً، بعد انطلاق المواجهات مع الجماعات الجهادية على طول الشريط الحدودي مع الجزائر، منذ أواخر عام 2012 وحتى اليوم. كما أصبحنا نشهد تعيينات في الوظائف الحكومية السامية لأشخاص من ذوي الخلفية العسكرية، خاصة في مناصب الولاة (حاكم ولاية).

وخلال هذه الفترة، نمت ميزانية وزارة الدفاع بسرعة أكثر من أية وزارة أخرى من العام 2011 إلى العام 2016، وزادت بمعدل 21 في المئة سنوياً. كما بدأت الهوة بين الجيش والأمن في التناقص من حيث القدرات المالية.

فبينما لا يزال الجيش يحصل على نسبة أقل من الميزانية العامة، نمت حصته بسرعة أكبر من حصة وزارة الداخلية. في العام 2011، بلغت ميزانية الدفاع 56 في المئة فقط من ميزانية وزارة الداخلية، ولكن بعد خمس سنوات فقط زادت نسبة إلى 72 في المئة، وفقاً لدراسة نشرها مركز كارنيغي عام 2016.


أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

التعليقات

المقال التالي