نقاش يُفتح بين حين وآخر... هل تصنّف واشنطن الإخوان المسلمين جماعة إرهابية؟

نقاش يُفتح بين حين وآخر... هل تصنّف واشنطن الإخوان المسلمين جماعة إرهابية؟

عاد الحديث من جديد في الولايات المتحدة عن تصنيف الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، بعد أن عقدت لجنة فرعية في مجلس النواب جلسة استماع حول خطر الجماعة على الأمن القومي الأمريكي، وسط شكوك في جدية الكونغرس باتخاذ قرار حول ذلك.

وردّت الإخوان على الجدل الذي أثير في أعقاب عقد هذه الجلسة، ببيان قالت فيه إنه "لا يجب أن يثير هذا الإجراء قلق أحد... ولا يعني أن هذا هو ما تعتمده السياسة الخارجية للدولة... وهو إجراء عادي متعارف عليه في المجال البرلماني في الأنظمة الديمقراطية... وتستخدمه جماعات الضغط المعادية... وسياسة الدول لا تتغير بمثل هذه الضغوط".

حال الثقة التي أظهرتها الجماعة في ردها المطمئن لأنصارها، ينبع أساساً من أن هذه ليست المرة الأولى التي تنعقد فيها جلسة في الكونغرس حول الحركة.

شكوك في نوايا الكونغرس

يشكك كثيرون من الخبراء في جدية الكونغرس أو المؤسسات الأمريكية، سواء وزارة الخارجية أو أجهزة الاستخبارات، في تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً، لأسباب كثيرة، أولها أن لجنة الأمن القومي التي عقدت الجلسة مؤخراً هي فرعية وبرئاسة عضو شاب فيها، ولم تكن برئاسة رئيسها أو نائبه، وانتهت إلى إصدار توصية، لا بالتصديق على أي مشروع قانون.

أما السبب الثاني، فهو أن اللجنة الفرعية اختارت مجموعة من الخبراء، معظمهم مقرّبون من المعسكر اليميني المعادي للمسلمين ولجماعات الإسلام السياسي مثل الباحث في معهد "هدسون" هيلي فرادكين، ونائب رئيس الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات جوناثان شانزر، ومؤسس ورئيس المنتدى الأمريكي الإسلامي للديمقراطية زهدي ياسر. لذا ظهرت المناقشة كما لو أنها عُقدت بترتيب من قبل إحدى جماعات الضغط ولإرضائها.

تاريخياً، في يوليو 2014، قدّمت العضوة الجمهورية في مجلس النواب ميشيل باكمان مشروع قانون أحيل على لجان القضاء والأمن الداخلي والحدود، ولم يُناقَش، حتى انقضت مدة الدورة.

وفي مارس 2015، قدّم السناتور الجمهوري البارز تيد كروز مشروع قانون لمجلس الشيوخ من أجل تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً، وأحيل طلبه إلى لجنة الشؤون الخارجية والقضائية.

وفي فبراير 2016، وافقت اللجنة القضائية في مجلس النواب على مشروع القانون المقدم من كروز، وطلبت من وزارة الخارجية الرد على اعتبار جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية" خلال 90 يوماً، ولم تردّ الوزارة في ذلك العام حتى انتهت الدورة التشريعية 2015-2016.

وفي الأول من سبتمبر 2017، تقدّم العضو الجمهوري في مجلس النواب ماريو دياز بالارت بمشروع قانون جديد إلى الجنة القضائية، للمطالبة بتصنيف الإخوان جماعة إرهابية، كما تقدّم السناتور تيد كروز من جديد بمشروع قانون آخر في ذات اليوم إلى لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ من أجل التصديق عليه في الدورة التشريعية 2017-2018.

وتتولى مجموعات الضغط المعادية لجماعات الإسلام السياسي في كل دورة الترويج والحشد، كي تعتمد اللجان مشاريع قوانين ضدها، وتنشر البيانات وتخاطب أعضاء الكونغرس كي يتحدثوا في هذه القضية، ومن الأمثله عن ذلك ما تفعله مجموعة "مشروع كلاريون".

و"مشروع كلاريون" هو منظمة يمينية متشددة، وأشبه بمجموعة ضغط تركز نشاطها على الدعاية والحشد ضد ما تسميه "الإسلام الراديكالي".

هدية أمريكية... الجماعة تحصل على ترخيص إعداد أئمة

في الوقت الذي كانت لجنة الكونغرس تناقش خطر الإخوان، أعلنت قيادات من الجماعة أن معهد المنارة، الذي أسسوه في نيوجيرسي عام 2016، حصل على الترخيص الرسمي من قسم التعليم العالي في إدارة الولاية، كمؤسسة تعليمية متخصصة في الدراسات الإسلامية.

ويسمح الترخيص للمعهد بمنح شهادات الدبلوم والبكالوريوس والماجستير في الدارسات الإسلامية وشهادة الدراسات الإسلامية/ تخصص إعداد الأئمة، وشهادات لتدريس اللغة الإنكليزية كلغة ثانية واللغة العربية كلغة أجنبية وشهادة تأهيل الأئمة، وهي المجالات التي يتسبب نشاط الجماعة فيها باتهامها بالتشدد والإرهاب.

ويرأس هذا المعهد الدكتور الفلسطيني الأصل محمد قطناني المعروف بانتمائه للإخوان، وينوب عنه القيادي في الجماعة الدكتور محمد البر، أما أمينه العام فهو الدكتور محمد موسى.

لماذا لا تصنّف الخارجية الإخوان جماعة إرهابية؟

يستبعد المحلل الأمريكي والمدير التنفيذي لمركز تحليلات دول الخليج العربي، جورجيو كافييرو، أن تقرر وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية بسبب مصالح الولايات المتحدة، موضحاً أن الجماعة تُعَدّ حركة دولية لها فروع عديدة في بلدان مختلفة حول العالم العربي، وهناك اختلافات كبيرة بين العديد من هذه الأجنحة، ما يجعل تصنيفهم كإرهابيين بشكل شامل أمراً صعباً من منظور الولايات المتحدة.

أقوال جاهزة

شارك غردفي سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لعبت الاستخبارات الأمريكية على فكرة استخدام حركات مثل الإخوان المسلمين لموازنة نفوذ بعض القادة الوطنيين العلمانيين

شارك غرد"الأرشيف الأسود لعلاقة أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية مع الإخوان يمنع واشنطن من معادة الجماعة"

ويضيف المحلل الأمريكي لرصيف22 أن الخارجية ترى أن هناك حلفاء مقربين للولايات المتحدة، بما في ذلك بعض دول الخليج العربية مثل البحرين والكويت، يسمحون للأجنحة السياسية لفروع للإخوان المسلمين فيها بالترشح في البرلمان والمشاركة في حكومات، لذا فإن قراراً بتصنيف الإخوان جماعة إرهابية بشكل شامل سيخلق مشاكل دبلوماسية لواشنطن مع حلفاء عرب غير مصر والإمارات اللتان قررتا تصنيف الجماعة منظمة إرهابية. ويتساءل: "كيف تتعامل واشنطن مع الحكومات التي يشارك بها الإخوان؟".

وشدد كافييرو على أن موقف المؤسسات الأمريكية لن يتغير من الإخوان، سواء حصل الديمقراطيون أو الجمهوريين على أغلبية الكونغرس، بموجب الانتخابات النصفية القريبة.

كيف تستفيد أمريكا من الإخوان؟

عرض تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية واقع أن واشنطن وضعت استراتيجية لاحتواء المد الشيوعي عام 1947 استمر تطبيقها حتى عام 1990، وتقوم على أساس التصدي لنفوذ القوى الثورية العلمانية في "العالم الثالث" من خلال الجهود الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية وصولاً إلى العمليات السرية والتدخلات العسكرية، لأنها اعتبرت أن هذه القوى من السهل أن تتأثر بنفوذ السوفييت.

ويوضح التقرير أن جهود بعض "الإصلاحيين" في دول "العالم الثالث" شكلت تحدياً لمصالح الشركات الغربية كما في حالة شركة النفط الأنكلو-إيرانية وفي حالة سعي قوى عسكرية إلى التواجد في مواقع استراتيجية مثل قناة السويس.

ويقول التقرير: "بعيون واشنطن، ظهر زعماء قوميون مثل محمد مصدق في إيران، وجمال عبد الناصر في مصر، وسوكارنو في إندونيسيا كأشخاص سينقلون النفوذ السوفياتي إلى بلادهم. ورداً على ذلك، أطلق قادة الولايات المتحدة انقلابات وعمليات سرية وسياسات خارجية مصممة لسحق هؤلاء الوطنيين العلمانيين المزعجين".

ويضيف: "في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لعبت الاستخبارات الأمريكية على فكرة استخدام حركات مثل الإخوان المسلمين لموازنة نفوذ بعض القادة كعبد الناصر".

ويشرح أن الحركات الإسلامية الشبابية لعبت دوراً أساسياً في إبادة الحزب الشيوعي الإندونيسي عام 1965، ما أفضى إلى إرساء حكم سوهارتو المقرّب من الولايات المتحدة.

أتت هذه السياسات في إطار دعم أمريكا لكل السياسات التي تستهدف العلمانيين. ويقول التقرير إن دعم الولايات المتحدة لقيام حليفها الشاه محمد رضا بهلوي بسحق القوى الليبرالية العلمانية ترك في الساحة فقط القوى الإسلامية التي قامت بثورة عام 1979. ويتابع أنه "خلال الثمانينيات، تعاونت إدارة الرئيس رونالد ريغان مع الاستخبارات السعودية والباكستانية من أجل تنفيذ برنامج مساعدات سري واسع لمقاتلي المقاومة الأفغانية ضد الجيش السوفياتي".

أين مصلحة واشنطن الآن؟

يرى القيادي الإخواني السابق مختار نوح أن تصنيف الولايات المتحدة للجماعة ككيان إرهابي لا يصب في مصحلتها، وخصوصاً مصلحة الأجهزة الاستخباراتية التي تستفيد من الإخوان في مناطق الصراع، فهم برأيه "ذراع واشنطن في محاربة التنظيمات الإسلامية الأخرى".

وأوضح لرصيف22 أن واشنطن لن تصنف الإخوان تنظيماً إرهابياً حتى لو انتهت الحرب السورية، كي تمنع مقاتلي الجماعة من الانضمام إلى تنظيمي القاعدة وداعش وغيرهما، وتريد احتواءهم لخدمة أهدافها، خصوصاً التصدي للنفوذ الروسي المتزايد في المنطقة.

وأشار العضو السابق في الجماعة إلى عمليات الإنزال التي نفّذتها الاستخبارات الأمريكية في معقل الجماعة في مدينة مصراتة الليبية عام 2017، بالتعاون مع الإخوان المسلمين، لاعتقال المدعو مصطفى الإمام، وقبلها لاعتقال أحمد أبو ختالة في بنغازي عام 2014 وأبو أنس الليبي في طرابلس عام 2013.

وكشف مختار لرصيف22 أن "الأرشيف الأسود" لعلاقة أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية مع الإخوان يمنع واشنطن من معادة الجماعة، كما أن تصنيف التنظيم ككيان إرهابي، يتطلب تجميد أموالهم وهي مسألة معقدة.

اللوبي الإخواني يحمي الجماعة في أمريكا

يؤكد سفير مصر السابق في الولايات المتحدة حسن هريدي أن جماعات الضغط (اللوبيات) تلعب الدور الأكبر في مشاريع القوانين التي تُقدَّم للكونغرس.

ويضيف أن بعض جماعات الضغط تعلب دوراً معاكساً لدور الجماعات المتشددة القلقة من تزايد الوجود الإسلامي على الأراضي الأمريكية، وتحمي الإخوان، مشيراً إلى أن الجماعة باتت تشكل ثاني أقوى لوبي بعد اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، وأصبحت نافذة ومن أهم المتبرعين للمرشحين إلى الانتخابات.

وأكد هريدي لرصيف22 أن بريطانيا وأجهزتها الأمنية ستعرقل أية محاولة لتصنيف الإخوان كياناً إرهابياً، لأن لندن، "الراعي التاريخي للإخوان"، لها مصالح في بقاء الجماعة، وتركيا العضو في حلف الناتو سيصعب التعامل معها في ظل وجود حكومة الرئيس أردوغان المحسوبة على الإخوان والتي تقدّم لقيادات الجماعة المأوى والملاذ.

وشدد هريدي على أن تصنيف الإخوان حركة إرهابية يتوقف على موافقة الاستخبارات الأمريكية على ذلك، وحين تعطي الضوء الأخضر لصدور مثل هذا القرار، ستقدم وزارة الخارجية توصية للكونغرس بالموافقة على وضعهم على قائمة الجماعات الإرهابية.

لجوء الجماعة إلى إيران... المعادلة الصعبة

يشير بعض الخبراء إلى أن إيران قد تكون المستفيد الأكبر من تصنيف واشنطن للإخوان جماعة إرهابية، لأنها ستكون ملاذ التنظيم، وفي المقابل سيعطون لطهران موضع قدم في كافة الدول العربية.

يرى هريدي أن احتمال تحالف الإخوان مع إيران معادلة معقدة، تصعّب على واشنطن إصدار أي قرار ضد الجماعة.

في أغسطس 2012، أي بعد أقل من شهرين من توليه حكم مصر، زار الرئيس السابق محمد مرسي إيران بعد قطيعة استمرت لسنوات بين القاهرة وطهران، كما زار الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد القاهرة في فبراير 2013، وأعلن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

ومن المنتظر أن يروّج الجمهوريون أكثر، في المرحلة المقبلة، لخطابهم المتشدد ضد الجماعة لحشد أنصارهم في الانتخابات القريبة، في حين يصمت الديمقراطيون حتى ينالون مزيداً من تبرعات الإخوان وأصواتهم.


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

التعليقات

المقال التالي