أبواب الشرق الأوسط كثيرة… ماذا عن المفاتيح التي امتلكتها الصين؟

أبواب الشرق الأوسط كثيرة… ماذا عن المفاتيح التي امتلكتها الصين؟

عام 2013، وقف الرئيس الصيني شي جين بينغ في جامعة نزارباييف في كازاخستان معلناً إطلاق مبادرة "حزام واحد، طريق واحد".

لم تكن رمزية المبادرة وما طرحته من توثيق الروابط التجارية والاقتصادية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا أكثر ما لفت الأنظار حينها. كان واضحاً أن الصين تدشّن مرحلة جديدة تكون فيها أكثر تواجداً وانخراطاً في منطقة الشرق الأوسط، بالتوازي مع استمرار "حربها الباردة" مع أمريكا.

بمبادرته تلك، أعاد الرئيس الصيني إحياء تاريخ عمره حوالي ألفي عام وقدّمه برؤية حداثية. ولمزيد من التفصيل، نذكر أن "الحزام الواحد" هو المعروف تاريخياً بطريق الحرير القديم الذي يربط الصين بدول جنوب آسيا وشرقها وبالشرق الأوسط وصولاً إلى تركيا، بينما "الطريق الواحد" البحري، المستلهَم من رحلة الأدميرال زينغ هه بأسطول من السفن إلى إفريقيا في القرن الخامس عشر، قد تحوّل لاحقاً رمزاً لأصالة القوة البحرية الصينية.

بعد عامين على إطلاق المبادرة، طرح الرئيس الصيني ورقتها التشغيلية التي أصبح اسمها "مبادرة الحزام والطريق"، لتتكثّف معها ملامح تحوّل مفهوم الأمن القومي الصيني من سياسة "حماية الحدود" التي سادت لعقود طويلة منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، إلى مرحلة "حماية المصالح" التي بدأت تتشكّل في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي آخذة بالاعتبار النمو المتسارع للاقتصاد واتساع رقعة المصالح الصينية في الخارج، لا سيما بروز "أمن الطاقة" كأحد أهم مرتكزات الأمن القومي الذي يضمن استمرار دوران عجلة الاقتصاد الصيني.

وإذ أعادت زيارة الرئيس الصيني للإمارات العربية المتحدة مؤخراً، وما أثمرته من اتفاقيات، الانتباه إلى دور الصين المتنامي في المنطقة، استعادت محاولات فهم دور الصين في الشرق الأوسط (الذي للمناسبة تميل الصين إلى تسميته "غرب آسيا وشمال إفريقيا") زخمها.

والأسئلة هنا كثيرة: ما الدور الذي تريده الصين وبأية طريقة ستصل إليه؟ وماذا عن الولايات المتحدة التي قال عنها مسؤول صيني قبل أعوام قليلة إن "انحدارها حتمي كحتمية صعود الصين"؟ وهل تكون بكين الرابح الأكبر في الشرق الأوسط، بينما واشنطن وموسكو غارقتان في الصراعات الآنية؟

مصالح الصين في الشرق الأوسط

في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان الشرق الأوسط بالنسبة إلى الصين منطقة غير مألوفة لم تشغل اهتمام باحثيها ومسؤوليها.

ولكن متغيرات استراتيجية واقتصادية ودبلوماسية عديدة عبر السنوات أدخلت الصين إلى تلك المنطقة (في هذا الشق ينصح بمراجعة دراسة الباحث الصيني زادونغ زانغ بعنوان "مصالح الصين في الشرق الأوسط: الحاضر والمستقبل")، حتى يبدو اليوم الفرق شاسعاً بين مرحلة التأسيس بقيادة ماو تسي تونغ التي ارتكزت على التأثير الأيديولوجي ودعم حركات التحرر الوطنيّة المناهضة للإمبريالية وبين مرحلة الرئيس الصيني الحالي الذي ترتكز مقاربته للعلاقات الصينية-الشرق أوسطية على تعزيز ميزان التجارة والاستثمار، مروراً بالتبادلات الدبلوماسية النشطة، وصولاً إلى توسيع العلاقات العسكرية.

ثمة ثلاثة عوامل يمكن عبرها قراءة دور الصين في الشرق الأوسط: التجارة والاستثمار، الدبلوماسية، والتعاون العسكري، وهي عوامل تتقاطع في ما بينها أو تتضارب، لكنها تبقي الصين في خانة حامل العصا من الوسط بعكس الولايات المتحدة وروسيا.

وإنْ مالت الصين في مرات لدفة دون أخرى إلا أنها حافظت على علاقاتها مع الجميع. هذا الحال سهّل وصفها بالرابح الأكبر وسط حروب المنطقة واهتزازاتها، بينما يرى آخرون أنها لن تحلّ محلّ واشنطن أو موسكو. وقد تصح النظريتان معاً، فمَن قال إن الصين تسعى للعب دور مماثل لدوري أمريكا وروسيا؟

الإمارات والصين والقرن الإفريقي

بحفاوة كبيرة استقبلت الإمارات الرئيس الصيني. منحته أرفع وسام لديها، ووقّعت معه 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم تهدف إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتعاون الثنائي بين البلدين وفتح آفاق جديدة للعمل المشترك في مختلف القطاعات، بينهما عقدان في مجال استكشاف النفط والغاز في أبوظبي بقيمة 1.6 مليار دولار، واتفاقية لإقامة "سوق تجّار" ضخم في منطقة التجارة الحرة في دبي.

قال شي جين بينغ إن "الإمارات تعتبر نموذجاً مثالياً للتنمية والازدهار في العالم العربي، وتلعب دوراً إيجابياً في صيانة وتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة"، بينما وصفها المحللون ببوابة الصين الاستراتيجية إلى الشرق الأوسط.

في السياق، أكدت النشرة الصادرة عن "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية" أن التبادل التجاري بين البلدين سنوياً تجاوز حاجز الـ50 مليار دولار، وهو ما جعل الإمارات الشريك الأكبر للصين في المنطقة العربية إذ تستحوذ على 23 في المئة من حجم التجارة العربية مع الصين، وهي أيضاً ثاني أكبر شريك تجاري للصين على مستوى العالم.

وعلى ضوء الزيارة، ظهر دور دبي كبوابة للصين إلى المنطقة، إذ تعتبر الإمارة بمطارها النشط وتجارتها نقطة وصل بين أوروبا وآسيا، بينما سُجّل وجود حوالي 2300 شركة صينية في دبي عام 2011، ويعيش فيها حوالي 200 ألف صيني. حتى أن ما تصدّره الصين للسعودية وإيران يمرّ بنسبة 70 في المئة منه عبر دبي.

للمفارقة، وتزامناً مع الزيارة الاحتفالية، برزت تفاصيل الصراع الإماراتي - الصيني في القرن الإفريقي، وبشكل أساسي في جيبوتي. وفي التفاصيل أن شركة موانئ دبي، الذراع الاقتصادية والإستراتيجية للإمارات، هددت باتخاذ إجراءات قانونية ضد جيبوتي والصين على خلفية إنشاء الأخيرة منطقة تجارة حرة دولية على سواحل جيبوتي، وتزعم الشركة الإماراتية امتلاكها امتيازات تطويرها بموجب اتفاقيات سابقة.

أقوال جاهزة

شارك غردبرزت تفاصيل الصراع الإماراتي-الصيني في القرن الإفريقي، وبشكل أساسي في جيبوتي. وتكتسي هذه المنطقة بعداً استراتيجياً لبكين ومصيرياً للإمارات التي تسعى إلى مد نفوذها التجاري والسياسي هناك من بوابة السيطرة على الموانئ

شارك غرديضاعف الرئيس الصيني مكاسب بلاده الاقتصادية في الشرق الأوسط من خلال العلاقات الدبلوماسية... وفي بعض المناسبات، أظهرت الصين رغبة بالتدخل الجدي (والحذر أيضاً) في أزمات المنطقة

وتكتسي جيبوتي (والقرن الإفريقي عموماً) بعداً استراتيجياً لبكين ومصيرياً للإمارات. وقد جاء التحذير الإماراتي بعد إطلاق بكين المرحلة الأولى من أعمال إنشاء المنطقة إثر إلغاء جيبوتي امتيازات الشركة الإماراتية التي تعود إلى عام 2004 وتمتد على 50 عاماً، بسبب "عدم رضاها" عن عوائد الاتفاقيات مع الإمارات.

ووفق خبراء، فإن افتتاح المنطقة الحرة في جيبوتي سيحوّل ميناء جبل علي في مدينة دبي إلى ميناء شبه داخلي، ما يعني الإضرار بشريان رئيسي لتجارة الإمارات الساعيةإلى لمد نفوذها التجاري والسياسي في القرن الإفريقي واليمن من بوابة السيطرة على الموانئ.

في المقابل، فإن الصين، التي تتنافس مع فرنسا والولايات المتحدة هناك، معنية بامتلاك موطئ قدم على امتداد هذا الطريق التجاري الذي يُعَدّ الشريان الرئيسي لاقتصادها العملاق، وقد تنامى ذلك الاهتمام منذ إطلاقها إستراتيجية "الحزام والطريق".

اهتمامات أبعد من الإمارات وأوسع من النفط

الطاقة

لطالما كان النفط أشبه بالغراء الذي يربط الولايات المتحدة بالمنطقة العربية. وبينما عملت الولايات المتحدة على تحرير طاقتها من الاعتماد على المنطقة العربية إثر ثورة التكسير الهيدروليكي، كانت الصين تضاعف مواردها النفطية من المنطقة.

ومع أن بكين تسعى إلى تنويع مصادر طاقتها، فإنها تبقى في المرتبة الثالثة لمستوردي النفط من العراق والسعودية وإيران.

يهدّد اعتماد الصين على نفط الشرق الأوسط مصالح الولايات المتحدة هناك، ويجعل دول المنطقة أكثر مراعاة لمصالح الزبون الصيني الذي لم يتردد عن استخدام قوته حين هدّد بوقف استيراد النفط من السعودية رداً على ارتفاع الأسعار.

التجارة

بموازاة الطاقة، يتوسع نفوذ الصين في الشرق الأوسط، فدول المنطقة التي تسعى إلى التحرر من اعتمادها على الموارد النفطية، ترحب بالاستثمار الصيني، كما السعودية والأردن اللتان تناقشان مع بكين خططاً لتطوير مبادرة الطريق والحزام.

يسلط الضوء على الجانب التجاري، بحث لكل من دانيال كلايمن وآبيغيل غريس في "فورين بوليسي"، ويشير إلى أنه في حالة السعودية، تُرجم ترابط الرؤى الاستراتيجية بين البلدين من خلال حزمة اتفاقيات تجارية تم توقيعها خلال زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى بكين عام 2017، والتي وصلت إلى 65 مليار دولار في قطاعات النفط والفضاء والطاقة المتجددة.

من جهتها، تتعاون مصر مع الصين في تطوير قناة السويس، وفي عُمان نجح رأس المال الصيني في تحويل قرية أسماك إلى مدينة صناعية بلغت تكلفتها 10.7 مليارات دولار، قادرة على تكرير حوالي 235 ألف برميل نفط يومياً.

يُذكر أن حجم تجارة الصين مع الشرق الأوسط كان قد وصل إلى حوالي 222 مليار دولار عام 2012، بعدما سبقت الولايات المتحدة عام 2010 لتصبح وجهة التصدير الأساسية إلى الشرق الأوسط (يمكن مراجعة بحث عباس كاظمي ويانغمينغ تشين بعنوان "الصين والشرق الأوسط: أكثر من نفط").

اللافت ذكره، ونعود إلى بحث "فورين بوليسي"، هو أن علاقة الصين التجارية بالدول العربية لم تؤثر سلباً على علاقاتها المتنامية مع إسرائيل وإيران.

في إسرائيل، استثمرت في الموانئ وسكك الحديد وفي التكنولوجيا العالية، منافسةً الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا واليابان. ومع إيران، وهي شريكها التجاري الأول، تابعت تعميق علاقاتها، وبعدما توقفت الشركات الأوروبية عن التعامل مع طهران إثر إعادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض العقوبات عليها، كانت الصين تبني "سيتيك غروب" لتأمين إيران بـ10 مليارات دولار. وارتفع معدل التجارة بين الطرفين إلى 37 مليار دولار.

ولا يمكن التغاضي عن وجود طموحات مشتركة صينية-عربية في أن تلعب الصين دوراً في إعادة إعمار بعض البلدان العربية التي دمرتها الحروب، والتي تتردّد الاستثمارات الغربية في الانخراط فيها، ما يجعل الصين طرفاً أولاً في مهمة إعادة الإعمار.

الدبلوماسية

علاقة الصين المزدهرة بالشرق الأوسط، ورغم أنها لا تزال اقتصادية بالمقام الأول، لا تقتصر على الشق المالي والاقتصادي. يتجلى ذلك في مضاعفة الرئيس الصيني لمكاسبه الاقتصادية من خلال العلاقات الدبلوماسية، كما في يناير 2016، حين قام بجولة في السعودية ومصر وإيران، وحين استقبل لاحقاً في بكين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في زيارات رسمية.

في بعض المناسبات، أظهرت الصين رغبة بالتدخل الجدي (والحذر أيضاً) في أزمات المنطقة، كما حصل مع وقوفها إلى جانب روسيا في دعم الرئيس السوري بشار الأسد (في مجلس الأمن وفي الإعلام الصيني)، وكذلك حين استضافت إسرائيليين وفلسطينيين من أجل عقد ندوة للسلام، وفي دعوتها الأخيرة إلى عقد مؤتمر دولي جديد لاستئناف محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في أقرب وقت ممكن.

مع ذلك، من غير المرجح أن تلعب الصين دوراً فعالا كوسيط في حل الأزمتين السورية والفلسطينية، لكن مبادراتها تلك تعكس بشكل أوضح تغيّر مقاربة الصين لمنطقة الشرق الأوسط.

الارتباط العسكري

إلى جانب مبادراتها الدبلوماسية، زادت الصين من ارتباطها العسكري بالشرق الأوسط. بذلت بكين مجهوداً للتواجد في النقاط الاستراتيجية كمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس.

وفي عام 2010، تواصلت البحرية الصينية مع مرافئ في مصر ودول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل وإيران. وفي عام 2017، قامت بتدريبات مشتركة مع إيران في مضيق هرمز. ومن خلال تلك التدريبات والاتصالات وتطوير البنى التحتية لدعم استثماراتها، تمهد الصين للحصول على نقاط عبور عسكري، كما حصل في جيبوتي.

كما تعزز الصين حضورها كمصدر للأسلحة في الشرق الأوسط، وتحديداً مع الطائرات من دون طيار التي كانت الولايات المتحدة تفرض قيوداً على تصديرها، والتي ظهرت في الإمارات كما في اليمن. كما وقعت الصين اتفاقية مع السعودية من أجل فتح منشأة جديدة لتصنيع الطائرات من دون طيار لأغراض عسكرية.

على الرغم من أن الصين لديها أمل ضئيل في التفوق على الولايات المتحدة باعتبارها المورد الرئيسي للأسلحة في المنطقة، إلا أن المبيعات العسكرية للشرق الأوسط تولد أسواقاً جديدة لأنظمة الأسلحة منخفضة التكلفة وذات التقنية العالية في الصين، والتي تزيد من تحفيز البحوث والتنمية والإنتاج المحليين هناك. يضاف إلى ذلك استعداد الصين لبيع الأسلحة إلى أية دولة أو طرف بغض النظر عن نواياهم.

الصين في الشرق الأوسط... على خطى الولايات المتحدة؟

هذا السؤال طرحه الباحث في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" مايكل سينغ في بحث حديث، وقال: "لقد كانت مشاركة الصين المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط أقل فاعلية من مشاركة روسيا، ولكن من المرجح أن تكون أكثر أهمية على المدى البعيد. ومع نمو اقتصاد الصين، ازدادت أيضاً مصالحها الاقتصادية في الشرق الأوسط، الذي يُعَدّ بالنسبة إلى بكين مصدراً للطاقة والاستثمار، فضلاً عن وجهة لرأس المال والعمال الصينيين".

ويشرح مدير شؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض بين عامي 2007 و2008 والمسؤول في "مجلس الأمن القومي" الأمريكي بين عامي 2005 و2007 فكرته قائلاً "إن خيبة أمل الولايات المتحدة وفك ارتباطها بالمنطقة والفراغ المترتب على ذلك في القيادة الدولية زادت جميعها من مدى إلحاح هذه الأنشطة وجاذبيتها بالنسبة إلى القادة الصينيين".

يلفت سينغ إلى تشابه المصالح الصينية والأمريكية في الشرق الأوسط بشكل ملفت، من التبعيّة للنفط، إلى تضرر الطرفين من "هجمات إرهابية موجهة أو مستلهمة من جماعات متمركزة في الشرق الأوسط". مع ذلك لم تسفر المصالح المتداخلة والرغبة المشتركة في تعزيز الاستقرار الإقليمي عن أي تقارب استراتيجي بين الطرفين.

خلاصة القول إن الصين، وعلى ضوء المنافسة الدولية الكبرى، تسعى للتمدد في المنطقة مستفيدة من التراجع الغربي ومن احتياجات دول المنطقة، ومتجاوزة السياسات المحدودة التي طبقتها في السابق إلى سياسة شاملة، فهل ستكون الرابح الأكبر فعلاً؟ وهل ستنجح في الحفاظ على دورها الحيادي من دون الغرق في صراعات المنطقة والتدخل الفاضح في تشكيل سياساتها؟


هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
الشرق الأوسط الصين

التعليقات

المقال التالي