سياسة مكافحة "البوستات"... عن القبضة الأمنية والدولة الفاشلة

سياسة مكافحة "البوستات"... عن القبضة الأمنية والدولة الفاشلة

حوّل مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية نفسه، في الفترة الأخيرة، إلى "الحدث". صارت أخبار استدعاء مواطنين بسبب كتابات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي تشكّل حديث الساعة في بلد تشهد أحداثه كل يوم على موت السياسة فيه. إنه العنوان الجديد للقبضة الأمنية لدولة تريد القول "أنا هنا".

في وقت تعجز القوى السياسية عن تشكيل حكومة وفي وقت فشلت هذه القوى في التوافق على سياسة خارجية موحّدة للبلد تمكّن مواطنيه من تجاوز أزمات المنطقة المشتعلة، وعلى رأسها أزمة جارتهم سوريا، وفي وقت تظهر دورياً دراسات ومؤشرات تحذّر من مستقبل قاتم ينتظر اللبنانيين اقتصادياً، وكلها مؤشرات تدلّ على فشل الدولة (بمفهومها المتداول كسلطة)، لم يبقَ ربّما أمام البعض سوى نقل أمور هامشية من موضعها كهامش ووضعها في صدارة المشهد لتصير عنواناً للسلطة القادرة.

منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، راح العونيون وبعض حلفائهم يروّجون لمجموعة مفاهيم أُقحمت فيها كلمة "القوي"، من "الرئيس القوي" إلى "العهد القوي"... وكأن حضور كلمة "قوي" في المصطلحات السياسية المتداولة يومياً يكفي للتغطية على حالة ضعف على كافة المستويات.

والآن، يحضر الدور المتنامي لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، في محاولة لإيكال أحد أجهزة السلطة دور الجهاز الأمني الذي يثبت للمواطنين أن "الدولة هنا" وسلطتها صلبة وغير متحللة.

حسناً. نحن في دولة تعجز سلطاتها الأمنية عن السيطرة على حدود لبنان الشمالية الشرقية ما أتاح لحزب الله أن يحوّل البلد إلى خلفية آمنة لعملياته العسكرية في سوريا، بدون أي إجماع لبناني على ما يقوم به؛ ونحن في دولة تعجز عن تطبيق التزامها بالقرار الدولي 1701 في جنوب لبنان؛ ونحن في دولة تعجز عن مداهمة بعض أوكار الجريمة المنتشرة هنا وهناك بدون رفع الأحزاب-قوى الأمر الواقع لما يُسمّى بـ"الغطاء السياسي"...

ولكن هذه الدولة قادرة على استدعاء مواطن لا ناقة له ولا جمل لأنه كتب على فيسبوك أو على تويتر بضعة جمل لا تقدّم ولا تؤخّر في المشهد السياسي العام. وكأن هذا كافٍ لتقول "أنا هنا".

هذه ليست أولى محاولات السلطة للتركيز على أمور ثانوية لتقول إنها حاضرة. الكلّ يذكر وسبق أن تندّر على حملات مثل حملة القوى الأمنية لإلزام السائقين بوضع حزام الأمان، في وقت كانت الأجهزة الأمنية عاجزة عن توفير الأمان لمواطنيها في معظم مساحة الوطن بسبب تفلّت السلاح الذي يطيش رصاصه احتفالاً بمناسبات سخيفة ويزهق أرواحاً.

كل قادم جديد إلى عوالم السلطة في لبنان يريد أن يتسلّى بنا قليلاً ليثبت لنا أنه قوي وفاعل، إلى حين يكرّس نفسه كقوة سياسية تصوّر نفسها أمام جمهورها كجماعة قوية، في بلد يعشق مواطنوه القوي ويتعلّقون به، للأسف.

أقوال جاهزة

شارك غردصارت أخبار استدعاء مواطنين بسبب كتابات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي تشكّل حديث الساعة في لبنان. إنه العنوان الجديد للقبضة الأمنية لدولة تريد القول "أنا هنا"

شارك غرديحضر الدور المتنامي لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، في محاولة لإيكال أحد أجهزة السلطة دور الجهاز الأمني الذي يثبت للمواطنين أن "الدولة هنا" وسلطتها صلبة وغير متحللة

والآن جاء دور "التيار المسيحي القوي" ليرسم لنفسه صورة القوي في السياسة اللبنانية، فصار كل انتقاد لـ"العهد" أو لوزير الخارجية اللبناني جبران باسيل يشبه المشي في حقل ألغام قد يؤدي إلى أن ينفجر بصاحبه لغم استدعاء مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية له.

قد لا يعرف العونيون أن شريحة واسعة من اللبنانيين كانت متضامنة معهم في عهد الوصاية السورية ورافضة لقمعهم بسبب تعبيرهم عن آرائهم. الآن، بعد دخولهم المشهد السياسي اللبناني، ربما يريدون أن يقولوا لمناصريهم إنهم صاروا موجودين وأقوياء وولّت الحقبة السابقة، مستوسلين لتوطيد هذه الفكرة في عقولهم أسلوب قمع مخالفيهم، بأدوات السلطة الرسمية، كما كان يحصل معهم هم من قبل. ولكن هذا لا يستطيع أن يمرّ على حساب حرية تعبير باقي اللبنانيين.

لا يمكن مقايضة المواطنين حرياتهم على لا شيء. بعض الدول تقايض مواطنيها على حرياتهم مقابل تقديمات اجتماعية سخية. ولكن في دولة عاجزة عن ذلك لماذا قد يفكّر مواطن بالتخلي عن الشيء الوحيد الذي يملكه، قدرته على "فش خلقه"؟

ليس هكذا تثبت الدولة حضورها المطلوب. حضور الدولة المطلوب يُفترض أن يكون عبر سياساتها التنموية أو على الأقل عبر تبنيها سياسات تمنع الانهيار الاقتصادي المرتقب، وحضور الدولة المطلوب يكون عبر تنفيذ القانون على كل الظواهر المخالفة من سلاح غير شرعي واعتداءات على أملاك المواطنين وعلى أملاك الدولة... هذا ما يمكن للسلطة ولأجهزتها الأمنية القيام به لتقول "أنا هنا" وليجيبها المواطنون "هنيئاً لنا بوجودك".

حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

كلمات مفتاحية
حرية التعبير

التعليقات

المقال التالي