أزمة حكم في تونس... صراعات الحزب الحاكم تهدد استقرار البلاد

أزمة حكم في تونس... صراعات الحزب الحاكم تهدد استقرار البلاد

بين رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد والمدير التنفيذي لحزب نداء تونس حافظ قائد السبسي خلافات واتهامات متبادلة تعقّد الأزمة المزمنة داخل الحزب الحاكم، وتهدد بإحداث ارتباك كبير في الوضع السياسي وفي مستقبل نظام الحكم.

تصدّع جديد في الحزب الحاكم

يشهد حزب نداء تونس صراعاً داخلياً قوياً بين جناحه البرلماني المتمسك بالشاهد لمواصلة قيادة المرحلة التوافقية، وبين الإدارة التنفيذية للحزب بقيادة حافظ السبسي، ابن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي.

وزادت حدّة الخلافات إثر خطاب رئيس الجمهورية الأخير الذي طالب فيه الشاهد بالاستقالة، لأن "الوضع السياسي الحالي صعب ولا يمكن أن يستمر كما هو عليه اليوم، فقد وصلنا إلى حد لا يمكن المواصلة معه، وبدأنا في الانتقال من السيئ إلى الأسوأ"، ما أثار ردود فعل متباينة داخل الحزب.

فقد قاد رئيس كتلة نداء تونس في البرلمان سفيان طوبال حركة انشقاق جديدة في الحزب لمساندة رئيس الحكومة في الأزمة التي يواجهها، وحاول أن يجمع أغلب أعضاء الهيئة السياسية للحزب للإعلان عن موقف مساند للشاهد لكن لم يحضر الاجتماع سوى تسعة أعضاء من الهيئة السياسية، فيما رفض بقية الأعضاء الحضور، خاصة بعد أن ورد إلى مسامعهم أن رئيس الجمهورية لا يساند هذ التحرك.

وفي نهاية الاجتماع، نشرت مجموعة طوبال بياناً أعلنت فيه دعوتها للحفاظ على الاستقرار السياسي "لدحر الإرهاب".

ويقول عضو المكتب الوطني في نداء تونس محمد المسعودي لرصيف22 إن "الصراع الذي من المفترض أن يكون بين أحزاب تعارض وأحزاب أو حزب يحكم انتقل في الحالة التونسية، وهو أمر فريد من نوعه، إلى صراع داخلي في صفوف الحزب الحاكم بين شق يقول إن الهيئة التأسيسية هي التي تملك سلطة القرار وآخر يقول إن القرار بيد الهيئة السياسية".

وشرح أن مؤتمر سوسة أفرز قيادة جديدة للحزب تتكون من مدير تنفيذي وهو حافظ قائد السبسي وهيئة سياسية، ما أسفر عن اقتصار دور الهيئة التأسيسية على الدور الاستشاري.

ولم تجتمع الهيئة السياسية منذ ما يقارب السنة ونصف، وكان حريّاً بها أن تجتمع وأن تستشير هياكلها لاتخاذ قرار، مع مراعاة قواعد الديمقراطية الداخلية للمحافظة على وحدة الحزب.

ففي نداء تونس، تتخذ القرارات بشكل منفرد دون العودة إلى الهياكل، و"من المؤسف أن القرار في نداء تونس بيد شخصين أو ثلاثة وبقية القيادات تسمع القرارات في الإعلام كسائر الشعب"، يقول المسعودي.

أمّا بخصوص إعفاء يوسف الشاهد من منصبه فيعلّق: "ليست المشكلة في طرح إقالة الشاهد بقدر ما هي إشكال في التشاركية في أخذ القرار".

وأقيل رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد "بشكل مهين لا يليق بالحزب، ولا شيء تغيّر، فالصيد والشاهد كلفهما النداء ومَن سيضمن ألا يواجه رئيس الحكومة التالي نفس المصير؟ فالتعيينات خاضعة بالأساس لمزاج عدد قليل جداً من القياديين الذين لا يمثل توجههم كل مناضلي الحزب"، يتساءل المسعودي.

وفي تعليقه على الانشقاق الأخير، يقول: "هي ليست عملية تمرّد لكنها تعبير حقيقي عن السخط من الغياب الفعلي للهياكل والمؤسسات داخل الحزب، فأنا عضو مكتب وطني ولم تتم استشارتنا حول أي قرار".

وكانت الهيئة السياسية للحزب قد قررت في 11 يوليو عزل الناطق باسم الحزب النائب المنجي الحرباوي، وهو أحد المقرّبين من حافظ السبسي وتعيين القيادية أنس الحطاب المؤيدة للشاهد مكانه. وبعد ذلك، أعلنت الهيئة المؤيدة بأغلبيتها لبقاء الشاهد عزل حافظ السبسي من منصبه بسبب سياسة "الانفراد بالرأي" التي يمارسها، مضيفةً أنها ستتولى تسيير شؤون الحزب إلى حين انعقاد المؤتمر الانتخابي في سبتمبر المقبل.

في المقابل، صدر بيان بإمضاء المدير التنفيذي لحركة نداء تونس حافظ السبسي هاجم مَن وصفهم بـ"أقلية" اتهمها بـ"ممارسة دور تخريبي مكشوف"، ملوحاً بـ"اتخاذ الإجراءات التأديبية اللازمة تجاهها" ومعتبراً أن كل ما صدر عنها لاغٍ "وغير ملزم بأي شكل من الأشكال لحركة نداء تونس".

وقال: "هذه المواقف المذكورة لا تلزم إلا هذه الأقلية التي اختارت الانقلاب على المواقف الرسمية للحزب خدمة لمصالح وحسابات ضيقة بهدف تشتيت الحركة وإضعاف موقعها في المشهد السياسي".

ويقول عضو المكتب التنفيذي في نداء تونس أنيس ميمش لرصيف22 إن "أزمة الحكم في تونس حقيقة وهي نتاج فقدان الديمقراطية داخل الأحزاب لأن الديمقراطيات لا تبنى إلا على أساس الأحزاب".

وبرأيه، "أزمة الحكم هي أزمة أخلاق بالأساس لأن العرفان بالجميل والنضالية، وهو يفترض أن يكون في صلب الأحزاب السياسية، أصبحا سمتين مفقودتين، بحيث باتت مرتعاً للمتسلقين، فنُسف دورها الرئيسي".

ويضيف ميمش في تفسيره لتصدّع وحدة نداء تونس "أن وثيقة قرطاج 1 أتت بحكومة وحدة وطنية غير مسنودة فعلياً بالأحزاب، حتى أنه في عدد من المناسبات، هناك أحزاب مشاركة في الحكم انسحبت من الوثيقة وخُيّر الوزير الذي يمثلها بين أن يستقيل من منصبه أو يستقيل من الحزب على أن يحافظ على الحقيبة الوزارية، وأطرح هنا مثال إياد الدهماني المستقيل من الحزب الجمهوري".

ووثيقة قرطاج 1 هي وثيقة سياسية توافقت عليها تسعة أحزاب وثلاث منظمات تونسية، أبرزها حزبا نداء تونس والنهضة، في يوليو 2016، وحددت مجموعة أولويات وطنية أبرزها محاربة الإرهاب ومكافحة الفساد وتعزيز النمو الاقتصادي وترسيخ الانتقال الديمقراطي، وتم على أساسها تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة الشاهد.

ويضيف ميمش: "وثيقة قرطاج 2 تتضمّن نفساً إصلاحياً لكنها سقطت في الشطط. والإشكالية الحقيقية هي أن رئيس الحكومة من خلال سلوكه السياسي لا يمثل توجهات حركة نداء تونس لأنه لم يخض نقاشات داخلية واتسمت قراراته بالفردية".

وتناقش وثيقة قرطاج 2 مجموعة مبادئ تكاد تطابق مبادئ الوثيقة السابقة ولكن يجري العمل عليها لتكون غطاءً لإجراء تغيير حكومي، ولا تزال المفاوضات حولها جارية بين الفاعلين السياسيين في تونس.

وبالتالي، يتابع ميمش: "نداء تونس هو في السلطة لكنه فعلياً لا يحكم وقد يكون أن الفريق الحكومي يعمل ضد النداء، لأن المعركة أصبحت من أجل ضمان تموقع في انتخابات 2019، ولا تخرج من دائرة طموحات الشاهد للترشح للرئاسة، بعيداً عن ماكينة الحزب الانتخابية وبعيداً عن مقتضيات الديمقراطية داخل الحزب".

الحلول المطروحة

يقرّ كثيرون داخل حزب نداء تونس بأن الصراعات المتواصلة بين مكوّناته والتصدّع داخله والذي يمكن أن يؤدّي إلى انهياره لا حل لها إلا بعقد مؤتمر في أسرع وقت.

ويقول القيادي في نداء تونس محسن بالكرم لرصيف22: "في الحقيقة، أنا لديّ طرح مختلف ولا يمكن أن تحلّ المسألة بالاصطفاف وراء الشاهد أو حافظ السبسي، فالرئيس عاجز عن إسقاط الحكومة التي باركها المكتب التنفيذي ورئيس الحكومة متمسّك بمنصبه بدون حزام سياسي متين".

أقوال جاهزة

شارك غرد"في الظاهر، الأزمة السياسية التونسية حُصرت في نقطة وحيدة وهي بقاء حكومة يوسف الشاهد... لكن الأمر يصبح في غاية الخطورة عندما يرتبط بمحاولة معاقبة الشاهد لأنه تجرأ على مس مصالح أصدقاء ابن الرئيس"

شارك غردفي حزب "نداء تونس" الحاكم، "تتخذ القرارات بشكل منفرد دون العودة إلى الهياكل، والقرار بيد شخصين أو ثلاثة وبقية القيادات تسمع القرارات في الإعلام كسائر الشعب"

إذن، بكلّ بساطة، يجب أن تجري إعادة هيكلة حقيقية لنداء تونس "بإقامة مؤتمر في أقرب الآجال بغض النظر عن العناصر التي سيفرزها فهذه العملية هي وحدها الكفيلة بتشكيل مناعة ضد الأزمات"، يضيف بالكرم.

النهضة تعدّل موقفها

في 16 يوليو، أصدر المكتب السياسي لحركة النهضة بياناً نص على "تجديد الحركة دعوتها لالتزام الحكومة بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي وقع التوافق حولها في وثيقة قرطاج 2 والتزام رئيسها بعدم الترشح لرئاسيات 2019".

ويقول عضو مجلس شورى حركة النهضة ضرار طعم الله لرصيف22: "حركة النهضة تعودت تقديم التنازلات طواعية في سبيل مصلحة الوطن العليا ونسوق ذكراً لا حصراً خروجها من الحكم سنة 2014 وتنازلها عن وزنها الحقيقي في تشكيل الحكومات المتعاقبة بعد 2014".

ويضيف: "لكننا اليوم نتمسك بالاستقرار الحكومي في حده الأدنى، من خلال التقيّد بالموجّهات العامة والإصلاحات الكبرى والمفاوضات مع مختلف المنظمات الوطنية".

وبرأيه، "هذا الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال المحافظة على السيد يوسف الشاهد على رأس الحكومة مع المضي في تغيير وزاري لتعديل الأوتار وتجويد الأداء الحكومي والمضي بنجاعة في تنفيذ الإصلاحات العميقة التي جرى عليها اتفاق واسع في مداولات وثيقة قرطاج 2".

ودعت الحركة الشاهد إلى عدم الترشح لرئاسيات 2019 "رغبة منها في إشاعة مناخ من الثقة بين مختلف الأطراف الفاعلة على الساحة السياسية وفي إرسال رسالة واضحة مفادها أن رئيس الحكومة سينكب حصراً على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة دونما أي تشويش قد تحدثه نيته الترشح للرئاسة، خاصة في ظل ديمقراطية صاعدة لم تكتمل أركانها بعد ولم يشتد عودها"، يشرح طعم الله.

تموضع السبسي الأب

مؤخراً، خرج رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي عن الحياد في خطاب وجّه فيه سهامه ضد رئيس الحكومة، ما يطرح مشكلة غياب الدور التوفيقي بين أجنحة نداء تونس، والذي لطالما لعبه الرئيس، منذ تشكّل الحركة.

ويقول الخبير السياسي مازن كورشيد لرصيف22: "في قراءة لخطاب الرئيس، نلاحظ أنه يقف ضدّ خصوم ابنه في الحزب خصوصاً، وفي الساحة السياسية عموماً".

‎ويشرح: "في الظاهر، الأزمة السياسية حُصرت في نقطة وحيدة وهي بقاء حكومة الشاهد من عدمه، لا إشكال هنا، فالتقييم وتغيير الحكومة ليس بدعة، لكن الأمر يصبح في غاية الخطورة عندما يرتبط بمحاولة معاقبة الشاهد لأنه تجرأ على مس مصالح أصدقاء ابن الرئيس ولأنه لم يستجب له في طلباته خاصة على مستوى التعيينات، ولأنه إذا واصل العمل بهذه الوتيرة، ولو أنها غير كافية في المطلق، فإنه سيكون منافساً قوياً داخل نداء تونس من أجل الرئاسة".

‎ولكن خروج الرئيس التونسي ضد الشاهد لم يصل إلى نهايته، إذ طلب من رئيس الحكومة الذهاب بنفسه إلى مجلس النواب والتقدم باستقالته أمامه بدل أن يقوم باستعمال الفصل 99 من الدستور وعرض الثقة بالحكومة أمام البرلمان.

‎وبرأي كورشيد، "الرئيس ليس متأكداً من أنّ لديه ما يكفي من الأصوات داخل البرلمان لإسقاط الحكومة، ويخشى المغامرة بتفعيل الفصل 99 فلا يتحصل على مراده وينقلب عليه الأمر ويعطي نقاطاً مجانية للشاهد".

الاحتمالات الممكنة

وعن مآلات الأزمة القائمة والفرضيات المطروحة، يقول كورشيد: "إذا تواصل التعامل السياسي مع الأزمة بهذه الرداءة، قد تؤول الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، وقد تفوق أزمة سنة 2013 وكلّنا نعلم ما وقع آنذاك من سلسلة اغتيالات وعمليات إرهابية في مراكز حساسة، خاصّة وأنّ النهضة من الجهة الأخرى، تبتزّ الشاهد للبقاء إلى جانبه وتضغط عليه لإقالة الوزراء الذين يعملون ضدّ مشروعها".

ويضيف أن حل الأزمة يرتبط بالأساس بتحمّل المسؤوليّة، وعلى رئيس الجمهورية إما أن يتدخّل ويطرح الثقة بالحكومة أمام البرلمان أو أن يتدخّل في حزبه ويضع حدّاً لتشتت هياكله، أو أن يستقيل ويعلن انتخابات مبكّرة".


باحث في جامعة اللوران الفرنسية ومهتم بشؤون الجاليات العربية والمسلمة في الغرب وبمسألة الانتقال السياسي في تونس وليبيا.

التعليقات

المقال التالي