في الذكرى الـ19 لوفاته.. حكايةُ رحيل الحسن الثاني الذي عاش كفرعون ومات كرجل

في الذكرى الـ19 لوفاته.. حكايةُ رحيل الحسن الثاني الذي عاش كفرعون ومات كرجل

في مثل هذا اليوم، الجمعة 23 يوليو 1999، توفي الملك المغربي الحسن الثاني بعدما احتفل بعيد ميلاده السبعين في التاسع من نفس الشهر، 70 سنةً قضى منها 38 سنةً على العرش، حكم خلالها البلاد بقبضة من حديد لم يسبق لها مثيل.

ورغم مرور 19 سنةً على وفاته، مازال الملك الراحل حاضراً بقوة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، درجةَ أن عدداً كبيراً منهم"يَحِنُّ" إلى زمن الحسن الثاني، حتى وإن كان طوال مرحلة توليه يَتصَرّفُ كـ"فرعون" بحكمه المُطلق وصلاحياته اللامحدودة.

فالمعروف عن الملك الحسن أنه كان يتّخذ القرارات وأحياناً يُصدر الأحكام انطلاقاً مما كان يمليه عليه مزاجه، دون مراعاة رأي من يحيط به، وما يمكن أن ينتج عنها من عواقب.

الحالة الصحيّة للملك تُعَجّلُ برحيله

منذ عام 1995، أصبح الوضع الصحي للملك الحسن الثاني في تراجع. ففي شهر أكتوبر، كان متواجداً في نيويورك لكي يلقي كلمة أمام الأمم المتحدة، لكن وعكةً صحيةً مفاجأة ألمت به، جعلته يدخل إلى العناية المركزة بإحدى أكبر مستشفيات نيويورك.

هنا، بدأت الاستعدادات الفعلية للإعداد لانتقالٍ سلس للعرش، فالملك وصل إلى مرحلة صعبة جداً بعدما استحال على الأطباء التحكم في وضعه الصحي، لأنه كان يعاني من إصابتين خطيرتين، واحدة في الجهاز التنفسي، وأخرى في القلب.

منذ ذلك الوقت، بدأ المغاربة يلاحظون علاماتِ التعب على وجه ملكهم، في الاستقبالات الرسمية وفي الخطب التي كان يلقيها خلال المناسبات الوطنية. لكن محطة احتفال العيد الوطني الفرنسي هي التي أكدت للمغاربة أن ملكهم على حافة الغروب.

ففي 14 يوليو 1999، جلس العاهل المغربي إلى جانب الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك على المنصة الشرفية، لحضور الاستعراض العسكري الذي شارك فيه الحرس الملكي التابع للحسن الثاني، وفي اليوم الموالي، عاد إلى أرض الوطن ووجد ولي عهده في استقباله. لقد بدأ العد التنازلي، ولم يتبقَ سوى أسبوعٍ واحد من عمر الملك.

عبد الله صالح آخر من يلتقي بالملك

شاءت الأقدار أن يكون الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، آخر من يلتقي رسمياً بالعاهل المغربي.

ففي صباح الأربعاء 21 يوليو 1999، حلَّ عبد الله صالح ضيفاً على المملكة في إطار زيارةٍ رسمية، جاءتْ في إطار سعي الرئيس اليمني إلى المساهمة في تلطيف الأجواء بين القادة العرب لعقد قمةٍ طارئة لتباحث الوضع في فلسطين.

أخذ الملك الراحل ضيفه في جولة قرب شاطئ الصخيرات، وأقام على شرفه حفل عشاء رسمي حضره ولي العهد وشقيقه والوزير الأول ووزير الخارجية وعدد من المسؤولين الرسميين، لكن كل الحاضرين، بمن فيهم الملك، لم يتوقعوا أن الأمر يتعلق بآخر استقبال رسمي في "العهد الحسني".

23 يوليو: أطول يوم في تاريخ المغرب

يوم الجمعة 23 يوليوز 1999، حوالي الساعة الثالثة زوالاً، سينزل الخبر كالصاعقة على رؤوس المغاربة بعدما عَمّمَت وكالة الأنباء الفرنسية خبراً عاجلاً سَيُدخلُ المملكة في حالة تيه: "ملك المغرب، الحسن الثاني، سيكون قد توفي، حسب مصدر مقرب من القصر".

رغم أن الـAFP قد نشرت القصاصة بصيغة "المضارع الشَّرْطي"، فإن القنوات العالمية شرعت في نقل الخبر العاجل، معلنةً عن وفاة ملك المغرب، في الوقت الذي دخلت جلُّ القوات المسلحة في حالة تأهب قصوى: مقر الإذاعة والتليفزيون محاطٌ بأفراد الجيش، إنزالٌ أمنيٌّ مكثف على طول شارع محمد الخامس المؤدي إلى مدخل القصر الملكي وفي كل مداخل المدينة، وخطوط الهاتف خارج التغطية.

أما داخل دار القصر، فالجميع كان يعرف أن "الأمر قد انتهى" وأن الملك سيفارق الحياة، والمسألة هي سويعات قليلة ليس إلا، خصوصاً بعدما دخل الملك في غيبوبة حوالي الساعة الثانية عشرة صباحاً، حيث سيضع الأطباء "الملك المقبل" أمام أمر الواقع، بعد تأكيدهم عدم إمكانهم فعل أي شيء لإنقاذ حياة والده.

الساعة الرابعة عصراً، أسلم الحسن الثاني الروح لبارئها، لتبدأ منذ تلك اللحظة استعدادات العائلة الملكية للمرحلة المقبلة. منذ الصباح، كان ولي العهد "سيدي محمد" قد أخبر الوزير الأول الاشتراكي آنذاك، عبد الرحمن اليوسفي بأن حالة والده في تدهور ويجب الاستعداد لما قد سيأتي من بعد، كما أحاط علماً ابن عمه الأمير مولاي هشام، المتواجد ساعتها في الديار الباريسية، بتطورات الوضع الصحي لعَمّه، طالباً منه العودة إلى المملكة في أقرب وقت.

أحاط محمد السادس بالموضوع بسرية تامة، ولم يخبر سوى ابن عمه والوزير الأول بتطورات الوضع الصحي للملك لدواع أمنية بالدرجة الأولى.

ففي ساعات الصباح الأولى من تلك الجمعة، أحَسَّ الحسن الثاني باختلال في نبضات قلبه، ليُنقَلَ بسرعة إلى مصحة القصر الملكي، قبل أن يخبر الأطباء ولي عهده بتدهور الوضع الصحي لوالده.

هكذا تقرر أن يوضع الملك تحت المراقبة الطبية الشديدة، وظهر لبرهة من الزمن أنه يستجيب للعلاج، لأنه كان على وعي تام بما يدور حوله.

لكن مع حلول منتصف النهار، فقد الملك الوعي تماماً ودخل في غيبوبة، ثم جرى نقله على وجه السرعة إلى المستشفى الجامعي للعاصمة حيث وُضعَ تحت العناية الطبية المركزة. هنا، فهم الطاقم الطبي أن الملك قد وصل إلى مرحلة لم يعد بإمكانهم فعل أي شيء ماعدا الدعاء له.

أما داخل المستشفى حيث فارق الحسن الثاني الحياة، فقد مُنع جل الأطباء والمستخدمون من مغادرة البناية، خصوصاً أن عدداً كبيراً ممن اشتغلوا ذلك اليوم لم يعلموا أن الملك يرقد في المستشفى في العناية المركزة، إلا أنهم عندما لمحوا عبر النوافذ سياراتٍ سوداء ينزل منها خُدام القصر بجلاليبهم البيضاء وطرابيشهم الحمراء، علموا بسرعة أن الأمر يتعلق بمصاب جلل، خصوصاً أن الملك ظهر قبل تسعة أيام في باريس إلى جانب الرئيس شيراك وعلامات التعب تعلو محياه عندما كان ضيفَ شرفِ الجمهورية الفرنسية في احتفالاتها بالعيد الوطني.

"بقلب مؤمن بقضاء الله وقدره، أنعي إلى الشعب المغربي الأبي وإلى الأمة العربية والإسلامية وإلى العالم أجمع، وفاة قائد عظيم ورجل من رجالات العالم الأعلام وملك من ملوك المغرب العظام، صاحب الجلالة والمهابة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحه، يومه الجمعة على الساعة الرابعة والنصف إثر نوبة قلبية نتجت عن مضاعفات لم ينفع معها علاج.

وإنني بهذه المناسبة الأليمة، أتوجه بخالص العزاء إلى الشعب المغربي الوفي الذي عبر دائماً عن حبه وولائه وإخلاصه لهذا الملك الهمام. كما أدعو إلى التحلي بالصبر والثباب مصداقاً لقوله تعالى "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ". رحم الله فقيدنا العزيز وأسكنه فسيح جناته وجعله في مقام صدق عنده مع الذين أنعم عليهم من النبيئن والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولاقوة الا بالله العلي العظيم".

بهذه الكلمات،  سيدفن "سيدي محمد" حياة الأمير إلى الأبد وسيجلس على الكرسي الملكي، ليعلن للعالم عن وفاة الملك الذي طبع بأسلوبه الخاص النصف الثاني من القرن العشرين. إلا أن الخطاب، وإن كان قد وصل إلى مقر التلفزيون على الساعة السادسة مساءً، لم يُبَث إلا بعد مرور حوالي ساعتين، في انتظار ضبطِ الأوضاع في المملكة، خصوصاً في العاصمة التي شهدت إنزالاً غير مسبوق للجيش ورجال الأمن الذين أعطيت لهم التعليمات للاستعداد تحسباً لأي طارئ.

مات الملك، عاش الملك

الساعة العاشرة والنصف ليلاً، كان كل شيء جاهزاً: التلفزة المغربية يمكنها أن تشرع في ربط الاتصال المباشر بقاعة العرش في قصر الرباط حيث ستتم مبايعة الملك الجديد. لحظاتٌ قليلة فقط وسيصبح الأمير "سيدي محمد" يحمل لقب "صاحب الجلالة الملك محمد السادس".

مرت مراسيم تنصيب العاهل الجديد في أجواء هادئة: شقيقه الأمير مولاي رشيد وابنا عَمّه الأميران مولاي هشام ومولاي اسماعيل يوقعون بالتتابع على عقد البيعة باعتبارهم الأقرب عائلياً إلى الملك الجديد، ليتبعهم كبار رجالات الدولة من وزراء وجنرالات ومسؤولين كبار وكل الشخصيات السياسية والدينية والعسكرية المؤثرة في مغرب 1999.

في صباح اليوم الموالي، خرج "محمد السادس" على متن سيارته إلى البوابة الرئيسية للقصر، يريد أن يحييّ "الرعايا" الذين أمضوا الليلة بجوار المدخل الرئيس للقصر يبكون ملكهم منذ اللحظات الأولى التي تلت الإعلان الرسمي عن وفاته.

شكل ذلك المشهد أول استقبال جماهيري كبير للملك الجديد، في لحظة امتزج فيها الحزن على فقدان ملك مع فرحة صعود ولي عهده إلى العرش، فرحةٌ جعلت الناس يصرخون بأعلى أصواتهم مرددين عبارة "عاش الملك". لقد بدأت حقبة جديد من تاريخ المملكة الشريفة..

جنازة رجل

يوم الأحد 25 يوليوز 1999، استيقظ سكان العاصمة وسط فيضان بشري غير مسبوق: حوالي مليوني مغربية ومغربي في الشوارع ينتظرون مرور الموكب الجنائزي للملك، في الوقت الذي منع الجيش توافدَ قرابة مليون شخص إلى المدينة في القنطرة الرابطة بين الرباط وسلا وفي المداخل المؤدية لها، بعدما اختنقت العاصمة بفعل الحضور الجماهيري الكبير.

"جنازة الحسن الثاني كانت واحدة من أهم التظاهرات الشعبية التي حشدت عدداً كبيراً من الناس على مدار الخميسن سنة الأخيرة، بعد عودة السلطان محمد الخامس من المنفى سنة 1955، والمسيرة الخضراء سنة 1975". يقول الراحل محمد العربي المساري، الذي كان آنذاك وزيراً للإعلام.

وتحت شمس يوليو القائضة، سار وراء الموكب الجنائزي الذي قطع الطريق الفاصلة بين القصر الملكي وضريح محمد الخامس (3كلم) مشياً على الأقدام كبارُ رجالات العالم: بيل كلينتون الأميركي، جاك شيراك الفرنسي، خوان كارلوس ملك إسبانيا، عبد الله الثاني ملك الأردن، الأمير شارلز البريطاني، والرئيس الإسرائيلي عيزرا وايزمان، إضافة إلى قادة الدول العربية أمثال ياسر عرفات وحسني مبارك وزين العابدين بنعلي وعبد العزيز بوتفليقة.

بكى المغاربة خلال ذلك اليوم 38 سنة من الحكم الفردي والمطلق، والتي انتهت تحت شمس شهر يوليو الحارقة، لكن أكثر ما طبع تلك الجنازة إلى الأبد هو الحضور الشعبي الكبير الذي تجسد في خروج المواطنين بكثافة إلى شوارع العاصمة لإلقاء النظرة الأخيرة على الملك الذي لم يعرفوا سواه، تعبيرا منهم عن حبهم له وتحسرهم على فقدانه.

فرغم أن عهده ارتبط بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وبالاستفراد بالسلطة، وبمراكمة الثروة، وباغتيال زعيم المعارضة المهدي بن بركة، وسجن تازمامارت، ومأساة عائلة الجنرال أوفقير، إلا أنه نجح وهو في نعشه، في حشد أزيد من مليوني مغربي لوداعه، حسب ما أُعلِنَ عنه رسميا بعد الجنازة.

أقوال جاهزة

شارك غردتحلُّ اليوم الذكرى الـ19 لوفاة الملك المغربي الحسن الثاني، ورغم حكمه البلاد بشكل مطلق وصلاحياتٍ غير محدودة، مازال حاضراً في ذاكرة المغاربة، وبعضهم يحنُّ إلى زمنه.

شارك غرد"جنازة الحسن الثاني كانت واحدة من أهم التظاهرات الشعبية التي حشدت عدداً كبيراً من الناس على مدار الخميسن سنة الأخيرة".

لقد سحر الحسن الثاني المغاربة حياً وميتاً، وبقي سحره ساري المفعول حتى بعد مرور عقدين من الزمن على رحيله، بل إن جبروته ما زال حاضراً بقوة، والمواطنون دائماً متعطشون لمعرفة المزيد عن الملك الذي حكمهم قرابة أربع عقود، باستعمال كل أساليب الضبط. إنه بالفعل شخص استثنائي سيلازم ظله المغرب إلى الأبد .

محَطّات من حياة ملكٍ من طينة خاصة

  • 3 مارس 1961 : عن سن 32، أصبح الحسن الثاني ملكاً على المغرب خلفاً لوالده محمد الخامس.
  • 7 ديسمبر 1962 : إقرار أول دستور في المملكة. الحكم الفردي يَتَرسّخ.
  • 23 مارس 1965 : أول انتفاضة شعبية في عهد الملك الحسن تندلع في الدار البيضاء يتم قمعها بشدة، وسيعلن الملك في يونيو عن حالة الاستثناء.
  • 29 أكتوبر 1965 : في العاصمة الفرنسية باريس، سيتم اختطاف واغتيال زعيم المعارضة الشهير المهدي بن بركة. ستحدث أزمة دبلوماسية بين البلدين وستوجه أصابع الاتهام لنظام الحسن الثاني ورجاله (الجنرال أوفقير والكولونيل الدليمي).
  • 10 يوليو 1971 : الهجوم على القصر الملكي والقيام بمحاولة انقلاب. سقط حوالي 500 قتيل والملك اختبأ في مكان سري داخل القصر.
  • 16 غشت 1972 : ثاني محاولة انقلابية. الملك ينجو بأعجوبة بعد تعرض طائرته للقصف.
  • 6 نوفمبر 1975 : انطلاق المسيرة الخضراء لاسترجاع الأقاليم الصحراوية، وهي المحطة التي رسخت شرعية الملك.
  • يناير 1984 : اندلاع احتجاجات شعبية في عدة مدن (الحسيمة، تطوان، مراكش، إلخ..) . في 22 من نفس الشهر، سيلقي الملك خطاباً حاداً طبع الذاكرة المغربية، وسيصف سكان شمال المغرب بـ"الأوباش".
  • 4 فبراير 1998 : الملك يعين زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض، عبد الرحمن اليوسفي، وزيرا أولا.
  • 23 يوليو 1999 : رحيل الحسن الثاني بعد حكم دام 38 سنة.

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

كلمات مفتاحية
المغرب

التعليقات

المقال التالي