فصل آخر من احتجاجات العراقيين... هل تتصادم عشائر الجنوب مع القوات الحكومية؟

فصل آخر من احتجاجات العراقيين... هل تتصادم عشائر الجنوب مع القوات الحكومية؟

يبدو أن العشائر العراقية التي لطالما اعتمدت عليها الحكومات العراقية في التحشيد للانتخابات وفرض رؤاها، من خلالها، على المواطنين، صارت اليوم في محافظات جنوب العراق، خصماً لحكومة تصريف الأعمال التي يقودها حيدر العبادي.

وتعرّض عدد من المواطنين لـ"القمع" من قبل الحكومة العراقية بحسب منظمات حقوقية، خلال التظاهرات التي خرجت في المحافظات الجنوبية التي تشهد مُنذ نحو أسبوعين تقريباً حركة احتجاجية على سوء الخدمات و"الفساد" والبطالة.

وأرسل بعض شيوخ العشائر تهديدات مباشرة للحكومة العراقية عبر وسائل الإعلام أو في أوراق مطالب تقدّموا بها إلى المسؤولين، ولوّحوا بحمل السلاح في وجه أي عنصر في القوات الأمنية يعتدي على المدنيين الذين يتظاهرون للمطالبة بحقوقهم.

ومنذ صدور هذه التهديدات، لم تحدث أية صدامات بين المتظاهرين والقوات المُكلفة بفرض الأمن في المحافظات الجنوبية.

هذه هي المرة الأولى التي تُهدد فيها العشائر الحكومة العراقية بشكل علني، فالعلاقة بين الطرفين منذ 15 عاماً إيجابية وقائمة على تبادل مصالح بين شيوخ العشائر ورؤوساء الحكومات والأحزاب العراقية، حتى صار نفوذ العشيرة كبيراً داخل بعض مؤسسات الدولة، عبر إنشاء مُديريات وأقسام خاصة بالملف العشائري.

والآن، تعمل الحكومة العراقية على ترويض العشائر في الجنوب والتفاوض معها من أجل تخفيف زخم التظاهرات، عبر إعطاء الوعود بتنفيذ مطالب المحتجين وتوفير الخدمات بأسرع وقت ممكن. وهذا ما أعلنته الحكومة عندما قالت: "دخلت مطالب المتظاهرين حيز التنفيذ".

لماذا هددت العشائر برفع السلاح؟

تقول بعض العشائر العراقية إن الحكومات العراقية التي جاءت بعد عام 2003 لم تُقدّم الخدمات للمواطنين ولم تنفّذ التغيير الذي كانت تتحدث عنه، لذا قررت دعم التظاهرات التي تشهدها المحافظات الجنوبية في العراق، وتهديد الحكومة بحمل السلاح ضدها ما لم تعمل على تنفيذ مطالب المتظاهرين وتؤمّن حمايتهم.

تمتلك عشائر الجنوب في العراق أسلحة ربما لا تمتلكها بعض الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية العراقية، بالإضافة إلى أعداد بشرية تفوق أعداد كل صنوف القوات الأمنية والعسكرية العراقية التي يُقال إنها مليون ونصف المليون عنصر. وعلى هذه العناصر تبني العشائر قوتها العسكرية والاجتماعية.

وتحدث شيخ عشيرة يُدعى سالم العكيلي، ويقول إنه يُشارك في تظاهرات محافظة البصرة، لرصيف22 عمّا يُخطط له شيوخ العشائر، وأكد أن "مَن يحمل السلاح بوجه المتظاهرين، لن تُرفع بوجهه الورود، بل سيُقابل بالمثل أو أكثر".

وأضاف: "عناصر القوات الأمنية أبناؤنا وقادتهم إخوتنا، لذا عليهم أن يكونوا معنا ضد الحكومات الفاسدة، وأن يوفروا الحماية لنا عندما نتظاهر للمطالبة بحقوقنا وحقوهم أيضاً، لكن مَن يرفع السلاح ضدنا سيكون لنا موقف منه".

ولمّح العكيلي إلى أن بعض العشائر قد تكون مستعدة لتنفيذ تهديداتها إذا ما قُمع أبناؤها من جديد في أية تظاهرة يُنظمونها للمطالبة بحقوقهم. وأضاف: "الحق ليس مع الحكومة، ومَن يعتدي علينا سنرد عليه بمثل ما اعتدى به".

أما الشيخ أبو عمار الفيصلاوي، وهو من سكان حي الحيانية في البصرة، فيرى أن "السلاح الذي يُهدد حياة المتظاهرين السلميين، سيعود على أصحابه".

ويقول لرصيف22: "إننا نمتلك القوة، لكننا لن نُخرجها ضد دولتنا فنحن نُعزز وجودها، ولكن إذا أراد البعض لنا السكوت عن المطالبة بحقوقنا من خلال السلاح، فلن نتردد في الدفاع عن أنفسنا بكل ما نملك من وسائل".

نفوذ العشائر في الجنوب أقوى من القانون

لا يخفى على أحد مدى نفوذ وقوة العشائر في محافظات العراق الجنوبية، فهي الرأس الثالث لمُثلث الأحزاب والجماعات الدينية، ونفوذها يصل إلى أعلى مؤسسات الدولة العراقية هُناك. وتتحكم بعض العشائر اقتصادياً في ملفات عدة.

تُخزّن عشائر الجنوب كميات كبيرة من السلاح، خاصة في محافظتي ميسان والبصرة، وهو ما دفع الحكومة العراقية قبل أشهر إلى محاولة سحب السلاح منها، خاصة الثقيل والمتوسط، لكنها لم تنجح بشكل كامل.

أقوال جاهزة

شارك غردالعشائر العراقية تتحدى الدولة وتدافع عن المتظاهرين... "عناصر القوات الأمنية أبناؤنا وقادتهم إخوتنا، لذا عليهم أن يكونوا معنا ضد الحكومات الفاسدة، وأن يوفروا الحماية لنا عندما نتظاهر للمطالبة بحقوقنا وحقوهم أيضاً، لكن مَن يرفع السلاح ضدنا سيكون لنا موقف منه"

شارك غردبعض العشائر العراقية قررت دعم التظاهرات التي تشهدها المحافظات الجنوبية في العراق، وهددت الحكومة بحمل السلاح ضدها ما لم تعمل على تنفيذ مطالب المتظاهرين وتؤمّن حمايتهم

كما أن تلك العشائر تتلاعب وبشكل كبير بملف المياه في مناطقها، وتتصارع في ما بينها بسببه. وفي أحيان عدة، لا تلتزم العشائر بتوزيع المياه على أراضيها الزراعية كما تقرره الحكومة العراقية، بل تفتح أنهاراً ومجاري صغيرة لسحب المياه من أراض أخرى، وتخشى السُلطات هُناك التدخل لإيقافها.

يقول القانوني إسماعيل الفتلاوي لرصيف22 إن "القانون قد يكون غائباً في عدد كبير من مناطق المحافظات الجنوبية، وما يؤكد ذلك هو عدم فض النزاعات الكبيرة والصغيرة في مراكز الشرطة أو المحاكم، بل في ديوان شيخ العشيرة".

ويُضيف: "هذه العشائر أضعفت الدولة بشكل كبير، وصارت هي أعلى وأقوى من القانون، والسلاح الذي تمتلكه هو سلاح خارج إطار الدولة، ومتوقع أن يُرفع بوجه حكومة حيدر العبادي أو حكومات أخرى في أية لحظة".

ويؤكد الباحث الاجتماعي سعيد كريم أن هُناك فكرة ترسخت في المجتمع العشائري بأن "العشيرة أقوى من القانون، ليس ذلك فحسب، بل هي الأساس".

ويقول لرصيف22: "لا يوجد هناك أي اعتبار لرجل الأمن إذا كان شيخ العشيرة يرى عكس ما تراه الدولة، كما لا يستطيع عدد كبير من المسؤولين الأمنيين البقاء في تلك المناطق دون إنشاء علاقات إيجابية مبنية على الرضا مع زُعماء العشائر".

العبادي في مواجهة رجال العشائر وسلاحهم

بمُجرد بدء شيوخ العشائر بتهديد حيدر العبادي بحمل السلاح ضد القوات الأمنية التي "اعتدت" على المتظاهرين، سارع الأخير إلى استقبال وفود منهم في مكتبه ببغداد، واستقبل وفوداً من أكثر من محافظة، بل هُناك محافظات أرسلت وفدين.

لم يتعرّض العبادي في وقت سابق لمثل هذا الضغط. فبعد تخلصه من تنظيم داعش والقضاء عليه بمشاركة دولية، يواجه الآن قوة ونفوذ شيوخ العشائر في المحافظات الجنوبية، وهؤلاء بإمكانهم شل حركة البلاد، فهم يُحيطون بآبار النفط التي ترفد موازنة العراق المالية بنسبة تصل إلى 95% من مواردها، بحسب تقارير.

وبحسب خُبراء أمنيين، يعرف العبادي جيداً حجم السلاح الذي تمتلكه العشائر التي هددته، ويعرف كذلك مدى قُدرتها على شلّ الحركة في تلك المحافظات، لذا يعمل على عدم الاصطدام بها.

ويقول الخبير الأمني هشام الهاشمي والذي يُقدم استشارات للحكومة العراقية، إن "عشائر الجنوب تمتلك قوة تسليحية وبشرية تسمح لها بمواجهة أية قوة أخرى، خاصة إذا تعلق الأمر بأرواح أبنائها".

ويُضيف لرصيف22: "لا يُمكن لأية حكومة عراقية في ظل الوضع الحالي العمل بعيداً عن العشائر أو بالضد منها، ولا أعتقد أن تهديدات الرد بالسلاح على مَن يعتدي على المتظاهرين ستكون مجرد حديث في وسائل الإعلام".


مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي