الفتوحات الإسلامية... فريضة دينية أم حركة توسعية لإمبراطورية ناشئة؟

الفتوحات الإسلامية... فريضة دينية أم حركة توسعية لإمبراطورية ناشئة؟

استقرت في الفقه الإسلامي مفاهيم عن الجهاد جعلت جهاد الطلب، أي المواجهة المفتوحة مع العالم حتى الإسلام أو دفع الجزية، خاتمة الرسالة الإسلامية، وتبنت هذه المفاهيم معظم الحركات الإسلامية المعاصرة من سلفية وإخوان وحتى الأزهر، مع اختلاف في ما بينها حول التطبيق.

قسّم الفقه الجهاد إلى أربع مراحل وفق حياة النبي: الأولى، الصفح وجهاد الكلمة في مكة؛ والثانية، الهجرة؛ والثالثة الإذن بالقتال دفاعاً؛ والرابعة، جهاد الطلب.

وفات الفقهاء أن تطور هذه المراحل لا يعني تطور حكم تشريعي بل يعني تطور أحداث تاريخية، خاصة بفترة زمنية محددة. ولكن كانت هناك عوامل أخرى جعلت المرحلة الرابعة هي المهيمنة على رؤية الخطاب الإسلامي للعالم.

غياب الدولة فرض على النبي القتال لإقامتها

يقول الباحث في الدراسات الدينية ورئيس وحدة الأبحاث في مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي سامح إسماعيل لرصيف22 إن "الجزيرة العربية لم تعرف معنى الدولة المركزية المتجاوزة لمفهوم القبيلة إلا مع ظهور الإسلام. ولطبيعة النشأة، اجتمعت السلطتان الدينية والسياسية في يد النبي محمد، إذ كانت الهجرة من مكة إلى المدينة عاملاً مهماً في اتجاه الإسلام نحو تأسيس الدولة، ويمكن القول إنه لولا مقاومة قريش لظلت الرسالة في مكة روحية بلا كيان سياسي. واستجابة لروح العصر، كان طبيعياً أن يبدأ التوسع السياسي والعسكري، والذي أخذ منحى استعمارياً لتكوين الإمبراطورية في ما بعد، وقد رفعت الحملات العسكرية مفهوماً مقدساً هو الجهاد، لتتحول عملية الغزو من حامل مقدس إلى مقدس في ذاته، تحت مفهوم الجهاد".

ويشير الباحث في الدراسات الدينية عصام الزهيري إلى أن "غياب حكم الدولة المستقر في جزيرة العرب كان سبباً مباشراً لتحميل الرسالة الإسلامية الكثير من أعباء هذا الغياب، وعلى رأس هذه الأعباء يأتي عبء القضاء والحكم، ليس بالمعنى السياسي، ولكن بمعنى الفصل في النزاعات بين القبائل التي كانت كثيرة التناحر، ما هدد الإسلام ذاته".

ويضيف لرصيف22 أن "الجهاد جاء حلاً ناجزاً وباب هروب بلا بديل لتوحيد هذه القبائل المتناحرة وجعلها متحدة في حرب يُرمى بهم في أتونها في مواجهة عدو مشترك".

التوسعات العسكرية بِنت سياقها

لم يكن اتجاه الإسلام نحو القتال ونشر الدين بدعة خارجة عن سياق عصره، فقد حاربت الإمبراطورية البيزنطية لنشر المسيحية، وكان الدين جزءاً أساسياً من السلطة.

وفي تاريخ نشوء وسقوط الإمبراطوريات، نرى أن بعضها كان يقوم على القبيلة أو العرق، ثم يتوسع على حساب جيرانه في مراحل ضعفهم، وكانت منطقة حوض البحر المتوسط مسرحاً لظهور دول فتية تُفني دول شاخت، وقامت كل الدول بجمع الجزية وفرض الضرائب وامتلاك الأراضي، وإنْ اختلفت في بعض التفاصيل، وهي السياسة التي سيتبعها المسلمون وفق سياق عصرهم.

ويقول عصام الزهيري: "في الواقع، لا يمكن ربط حركة التوسع العربية في القرون الأولى الهجرية بنشر الإسلام إلا كما يمكن ربط حركة الغزو الاستعماري الأووربي للعالم بنشر الحضارة، فكلا الأمرين، نشر الإسلام في حالة العرب ونشر الحضارة في حالة الأوروبيين، كانا مجرد قناع أيديولوجي لغزوة استعمارية للشعوب المجاورة".

وظاهرة الغزو التي عرفتها كل شعوب الدنيا وأديان العالم لا يمكن أن تسيء للإسلام وحده، يتابع الزهيري.

خلق غياب الدولة، وكون المسلمين جنوداً دائمين، واقعاً حربياً يصفه هشام جعيط في كتابه "الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر" بقوله: "القضية الأولى للفتح العربي هي بالذات وجود آلة حربية أنشأها النبي، وطوّرها أبو بكر وعمر، وكانت ذات اتجاه نحو التوسع اللانهائي، وفي المقابل لم تتمكن هذه الآلة الحربية من أن توجد وأن تمتد إلا بالاستناد إلى شهية الغنائم لدى دوائر من العرب واسعة أكثر فأكثر، وهذا يعني أن الحوافر الدينية والسياسية والاقتصادية متشابكة تشابكاً قوياً، وأنها تتضافر كلها لإقامة الدولة الامبراطورية".

وكما هو الحال دائماً، فإن النصر يغري بطلب المزيد منه. وهكذا، فما أن أنهى خالد بن الوليد مهمته في تصفية ثورة مسيلمة وإخضاع اليمامة من جديد إلى دولة المدينة حتى جاءه أمر الخليفة أبي بكر بالمسير لغزو العراق، يقول محمد عابد الجابري في كتابه "العقل السياسي العربي".

هل كان بوسع العرب أن يقسموا أنفسهم إلى "كتائب علمية" مسلحة بآيات القرآن لنشر الإسلام بين الشعوب المجاورة أم لا؟ الواضح أن ذلك لم يكن ممكناً في تلك الآونة. لماذا؟ لأن الإمبراطوريات جميعاً في تلك الأزمنة، بما فيها إمبراطورية العرب عندما نشأت، كانت تستخدم الدين كأيديولوجية حرب لا سلم، لذا لم تعتنِ بنشر الدين بوسائل سلمية أبداً، ولم يكن نشر الأديان بالوسائل السلمية من بين أهداف ولا ممارسات هذه الإمبراطوريات، ومن هنا تأتي صعوبة السؤال عن قوة الدافع الديني كعامل معزول أو دافع مفصول عن سياقه العام، يضيف عصام الزهيري.

الغنيمة الحافز الأول للفتوحات

في كتابه، يتحدث الجابري عن الغنمية كمحرك أساسي لعملية الغزو ويقول: "إذا كانت قلة من المسلمين وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار قد ربطوا تحركاتهم من أجل المساهمة في الفتح بالدعوة المحمدية، ونشر رسالتها، فإن الغالبية العظمى من جمهور المسلمين، وتتكون أساساً من المسلمين الجدد من قريش والأعراب، علاوة على المنافقين، كانت تتحرك بدافع الغنمية أساساً، وقد كان هذا أمراً واقعاً وسائداً حتى زمن النبي نفسه، ففي غزوة حنين تدافع المقاتلون على النبي استعجالاً لتوزيع الغنيمة، وشكك بعضهم في عدالته".

ويرى سامح إسماعيل أن "تأسيس جيش نظامي كان في المقام الأول يعني وضع نظام اقتصادي لترتيب أرزاق الجند، من هنا أصبح القتال وظيفة مغرية في مرحلة ما بعد النبي، وأصبح للدولة الناشئة جيش مستقر، ولم تعد الأمور الدينية وعلى رأسها نشر الإسلام في صدارة المشهد، حتى وإن ادّعت الحمولة المعنوية لعمليات الغزو ذلك، وكان الخراج والخمس والسبايا الدافع المحفز لشباب البادية، لا للخروج من الصحراء فحسب، وإنما للاستمتاع أخيراً بالحياة على ضفاف الرافدين ونهر النيل.

وكان الجهاد يتم بتجنيد القبائل لا الأفراد، وبدأ غزو العراق وفارس حين قدم المثنى بن حارثة الشيباني على أبو بكر وطلب منه أن يأذن له بقتال الفرس هو وقومه بني شيبان، فوافق أبو بكر، ولما رأى جيرانه قبيلة بنو عجل ذلك دخلوا في منافسة مع قومه بني شيبان وكتبوا إلى أبو بكر لقتال الفرس فوافق، وعيّن خالد بن الوليد قائداً وجمع القبليتين معاً، حسبما ذكر الجابري في كتابه.

ويضيف الجابري: "غير خاف أن عنصر الغنيمة كان وراء هذه المنافسة، ولم يغفل خالد هذا العنصر بل عمد إلى توظيفه في تعبئة الناس لقتال الفرس، وكان العرب يخشون الفرس، فخطب خالد ذات مرة: ‘والله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل، ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به’".

تأسيس الجهاد كفريضة إسلامية على يد الفقهاء

تزامن التوجه الفقهي نحو القتال مع الحالة التاريخية لتوسع القبائل العربية في عهد النبي وخلفائه وفي عهدي الأمويين والعباسيين، فكان على الفقه أن يشرعن هذه الحالة التي تخدم الدولة والعرق العربي المنتصر.

وسيخلق التعامل مع القرآن كنص منعزل عن سياقه التاريخي رؤية لكل حدث فيه كأنه تشريع، ما جعل الفقهاء يحوّلون مراحل دعوة النبي إلى أحكام شرعية.

أقوال جاهزة

شارك غردعلينا أن نعيد النظر في مفهومنا للجهاد، وفي طريقة تناولنا له كأحداث تاريخية لا كمثل عليا يجب استرجاعها كما يهلل أئمة مساجدنا كل جمعة، بل وفي كل مناسبة للحديث، قبل أن نتساءل: لماذا ينضم شبابنا إلى جماعات إرهابية؟

شارك غردتزامن التوجه الفقهي نحو القتال مع الحالة التاريخية لتوسع القبائل العربية في عهد النبي وخلفائه وفي عهدي الأمويين والعباسيين، فكان على الفقه أن يشرعن هذه الحالة التي تخدم الدولة والعرق العربي المنتصر

ويقول عبد الجواد ياسين في كتابه "الدين والتديّن": "ستظهر اجتماعيات الغزو القبلية بمفرداتها التفصيلية كثيراً على صفحة الفقه، وستتحول إلى أحكام دينية، بسبب التعامل مع النص الذي سجلها، كمصدر مفارق ومطلق في ذاته".

وستصبح آية السيف ({فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم} - التوبة:5) مركزية في فرض القتال كأمر نهائي على المسلمين ضد أهل الأرض جميعاً.

ويرى الفقه أن هذه الآية ناسخة لكل ما يدعو إلى السلام والتسامح من القرآن، مثل {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} (البقرة:190) و{لا إكراه في الدين} (البقرة:256) و{أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (يونس:99)، وفق عبد الجواد في كتابه.

ويبين الزهيري أن هناك أحاديثاً ظهرت لشرعنة عملية الجهاد، وتمت نسبتها للنبي، ويقول: "ظهر حديث خطير يقول على لسان النبي: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، رواه البخاري، وهو الحديث الذي جرى على أساسه نسخ آيات حرية العقيدة لدى الفقهاء، وشخصياً أنظر بارتياب إلى مثل هذه الروايات الحديثية ذات اللغة والصنعة الفقهية، والتي دونت بعد موت النبي بمئة عام على الأقل، في ذروة حركة الغزو والتوسع العربي، وكان واضحاً أنها تزيل عقبة من طريق الغزاة، هذه العقبة ماثلة في آيات حرية العقيدة، فمن أجل أن تقف بباب أناس بجيش وتدعوهم إما إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب فأنت بحاجة مؤكدة لمثل هذا الحديث الذي لا تنطوي آيات القرآن على مثيل له بهذا الحسم والمباشرة".

ويقول سامح إسماعيل: "أدى الإعلاء من شأن الجهاد دوراً في تأكيد شرعية السلطة الحاكمة، إذ أصبح الغزو مرتين في السنة من أعظم الأعمال لأي خليفة".

وفي بحث بعنوان "آية السيف في الإبستمية القرآنية القديمة"، يرى الباحث المنجي الأسود أن التربة القديمة بقيمها القبليَّة والفهم المحدود لقيم الرسالة المحمديَّة الإنسانيَّة هي التي ساهمت مساهمة فعَّالة في هيمنة خطاب العنف على قراءة القرآن وتنظير الفقهاء.

هل جهاد الآخر حاجة في العصر الحديث؟

لم يعد يمكن تبرير الجهاد بحجة أنه يُقام بسبب منع الدول للبشر من اختيار معتقداتهم في عصرنا الحالي، لأننا في عصر أصبحت فيه حرية الاعتقاد مكفولة خارج العالم الإسلامي، كما أن وسائل الاتصال الحديثة وفرت طرقاً أيسر وأكفأ لتبليغ دعوة الإسلام، ولم تعد الذهنية البشرية تقبل بفرض الأفكار بالقوة، ما يطرح السؤال التالي: هل بقيت حاجة بعد لجهاد الطلب لنشر الدين؟

وربما تكون الإجابة في كون الخطاب الديني المعاصر لا يفصل بين الدعوة والغنيمة كهدف أساسي للجهاد، وهو ما طبقته التنظيمات الجهادية مثل تنظيم داعش حين سبى النساء وأخذ الأموال، وكان في أفعاله المعادية لكل قيم الإنسانية متبعاً للفقه الحاضر في وجدان المسلمين.

كما أن خطاب السلفيين غير الجهاديين يتطابق مع داعش في مسألة الغنمية. ففي تسجيل مصور، تحدّث الشيخ السلفي المصري أبو إسحق الحويني عن فضل الجهاد في توفير السبي والأموال والعبيد، وعن أنه مصدر لدخل واغتناء شباب المسلمين، ليعكس استمرار الرؤية الفقهية لدى مجمل الخطاب الديني.

ويؤكد سامح إسماعيل أن مفهوم الجهاد ظهر في ظل ظروف ومعطيات عصره، حين كان الغزو والسبي بل وأحياناً قطع الطريق على الأعداء أمراً مشروعاً.

وبرأيه، هذه مفاهيم تاريخية انتهت بنهاية الشروط الموضوعية لقيامها، وفي عصر الفضاءات المفتوحة لم يعد للمفهوم ببعده الهجومي أي مبرر، لكن يبقى الجهاد مفهوماً دفاعياً شديد الأهمية في الدفاع عن الوطن وتحرير أراضيه.

ويكشف إسماعيل عن أن حركات العنف الديني قامت باستدعاء منقوص لمفهوم الجهاد، وحوّلته إلى عقيدة ترفع السلاح دائماً وأبداً، وتمارس شتى صنوف الإرهاب، بل وتصر على تحويل واقعة تاريخية هي منصب الخلافة، الذي تم ارتجاله في السقيفة للحفاظ على الدولة الجديدة، إلى منصب مقدس يقترب من قدسية النصوص.

ويقول: "يختلقون على الأرض عرشاً أصبح ظلاً لعرش الرحمن تجلس عليه عائلة ملكية مقدسة تتوارث مصائر العباد، ومن حولها جوقة السلطان من المنظرين والفقهاء يسوغون انتهاك الحريات والقوانين، ويطأون بأقدامهم التشريعات والدساتير، ويحرّمون الديمقراطية والمشاركة السياسية".

نحو قراءة مغايرة لمفهوم الجهاد

يعتبر عصام الزهيري أن "لا مناص من إعادة تقديم الجهاد بمعناه الروحاني ذي الأفق الرحب، وهو المعنى الذي يجسده حديث منسوب للنبي يتحدث عن الجهاد الأكبر بمعنى جهاد النفس وجهاد الشيطان، أما الجهاد الأصغر وهو القتال فهو مشروط قرآنياً بدواعيه التي يأتي في مقدمتها عدم الاعتداء لقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} (البقرة:190)، كما أنه مشروط، وهو الأهم، بفرض القتال من قبل مهاجمين سافري العداوة".

إن عدد آيات السيف سبعٌ في القرآن، وهي نسبة لا تساوي 5% من الآيات الداعية إلى قيم التسامح والحرية، وهي التي نسخها الفقهاء بطريقة زائفة، في ظل سياق فكري شجع القتال. وانتقل هذا النسخ إلى المضمون المعاصر للجهاد، يقول المنجي الأسود في بحثه.

ويشدد عبد الجواد ياسين في مرجعه المذكور على أن تاريخ النبي كشف عن فساد الحكم الفقهي بقتال غير المؤمنين كافة، فقد استأنف النبي إبرام المواثيق مع القبائل العربية بعد نزول سورة براءة منذ السنة العاشرة للهجرة، فكتب لأهل نجران، ولأهل هجر، والبحرين ودومة الجندل، وله عهود بالصلح والجزية، وليس بالقتال كما يقول الحكم الفقهي.

كان الجهاد وطلب الغنمية وحتى نشر الدين أموراً بنت سياقها التاريخي الذي لم يكن يعرف الدول المستقرة والقوانين والمؤسسات بشكل ثابت، لكن مع تغير هذه الشروط يجب علينا أن نعيد النظر في مفهومنا للجهاد، وفي طريقة تناولنا له كأحداث تاريخية لا كمثل عليا يجب استرجاعها كما يهلل أئمة مساجدنا كل جمعة، بل وفي كل مناسبة للحديث، قبل أن نتساءل: لماذا ينضم شبابنا إلى جماعات إرهابية؟


حامد فتحي

​حامد فتحي، صحفي مصري، مقيم في القاهرة، حاصل على بكالوريوس في الإعلام جامعة القاهرة، وطالب دراسات عليا فلسفة جامعة القاهرة، مهتم بالأدب نقدا وكتابة، ليبرالي

التعليقات

المقال التالي