"الشعب يريد إسقاط النظام والأحزاب وإعادة كتابة الدستور"... احتجاجات العراق تتمدد ومطالبها تتصاعد

"الشعب يريد إسقاط النظام والأحزاب وإعادة كتابة الدستور"... احتجاجات العراق تتمدد ومطالبها تتصاعد

وصلت الاحتجاجات في مدن عراقية مختلفة، إلى مستوى جديد مع دخولها أسبوعها الثالث، حيث رفع المحتجون سقف أهدافهم، مطالبين بإعادة كتابة الدستور، وإسقاط كافة الأحزاب السياسية في البلاد، معتبرين أنها لم تعد تعبّر عنهم.

مطالباتُ المحتجين شملت إلغاء مجالس المحافظات، كذلك إلغاء الامتيازات الممنوحة للبرلمانيين.

وكانت وكالة فرانس برس قد تحدثت منذ أيام عن هتافات لمئاتِ المحتجين في بغداد، يطالبون بـ"إسقاط النظام".

تأتي التطورات الجديدة مع زيادة عدد قتلى الاحتجاجات وتمددها إلى مدن عراقية عديدة، وسط ما وصف بفشل الحكومة العراقية في احتوائها أو تحجيمها رغم القبضة الأمنية المستخدمة في مواجهتها.

وحدثت تطوراتٌ جديدة تظهر رغبةَ المتظاهرين بتغيير اسم ما يقومون به من "احتجاجات" إلى "ثورة"، فعلى غرار ما كان يحدث في دول عربية أثناء عام 2011 إبان أحداث "الربيع العربي"، ظهرت في العراق لأول مرة تجمعات تهدف لتنظيم الاحتجاجات، أطلق عليها اسم "التنسيقيات".

يأتي ظهور التنسيقيات بعد أيام قليلة من تراجع خدمات الإنترنت الحاد في العراق، ما ذكّر بما حدث أثناء ثورات الربيع العربي في بعض البلدان، كمصر، حين قطع النظام المصري الإنترنت والاتصالات في محاولة للتحكم في الاحتجاجات التي أدّت بعد ذلك إلى إسقاط الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك.

الاحتجاجات تحصد مزيداً من القتلى

وخلال اليومين الماضيين، قُتل شخصان في الديوانية والنجف أثناء مشاركتهما في الاحتجاجات، ليتجاوز بذلك عدد القتلى العشرة.

أيضاً أصيب الكثير من المحتجين في أنحاء متفرقة من العراق، أثناء اشتباكهم مع قوات الأمن، كما اعتُقِلَ عددٌ منهم.

وفي خطوات تصاعدية، استهدف المتظاهرون الغاضبون مقرات رئيسية للحكم المحلي، كما اقتحموا مبانٍ تابعةً لفصائل شبه عسكرية قوية، فضلاً عن اقتحامهم لمطار النجف الدولي.

وفي بيان صدر مؤخراً أعربت القنصلية الأميركية في البصرة عن حزنها ومواساتها لذوي ضحايا الاحتجاجات مؤكدة "دعمها لحق المواطنين في الاحتجاج ومطالبة الحكومات المحلية بتلبية احتياجات المواطنين من خدمات".

وفي محاولة أمنية لاحتواء الأزمة صدرت أوامر لقوات الأمن بعدم استخدام الرصاص ضد المحتجين، لكن تظهر شهاداتٌ عدة أن الأمن يستخدم عوضاً عن ذلك الهراوات والخراطيم المطاطية.

ومؤخراً استخدمت الشرطة العراقية الهراوات والخراطيم المطاطية لتفريق مئات المحتجين الذين تجمعوا عند المدخل الرئيسي لحقل الزبير النفطي الضخم في محافظة البصرة.

ونقلت وكالة رويترز عن رجل أمن في مكان الاحتجاج "لدينا أوامر بعدم إطلاق النار، لكن لدينا أيضاً أوامر بعدم السماح لأي أحد بالتأثير على العمليات في حقول النفط، وسوف نتخذ ما يلزم من إجراءات لإبعاد المتظاهرين عن الحقول".

كيف بدأت احتجاجات العراق؟

بدأت الاحتجاجات في محافظة البصرة جنوب العراق مطلع يوليو الجاري، وكانت المطالبات تدور أغلبها حول تحسين الخدمات، منها الكهرباء وتوفير المياه الصالحة للشرب وتطوير الخدمات الطبية، إلى جانب توفير فرص عمل وتحسين الأحوال المعيشية لسكان المحافظة.

وللبصرة أهمية استراتيجية كبيرة للعراق، فهي الأغنى بين المحافظات العراقية من حيث الاحتياطي النفطي، وتشكل صادراتها النفطية أكثر من 65% من عائدات العراق.

لكن رغم أهمية قطاع النفط لميزانية العراق، إلا أنه لا يوفر سوى 1% من الوظائف للمواطنين العراقيين، بسبب أن شركات النفط تعتمد كثيراً على العمالة الأجنبية.

وهذا هو السبب الرئيس في أن بداية الاحتجاجات كانت قرب مواقع شركات النفط ، وكانت أغلب اللافتات تطالب هذه الشركات بتوفير فرص عمل للعراقيين.

وكثيراً ما يتحدث أهالي جنوب العراق عن مدنهم التي تعاني من الإهمال منذ عقود رغم الثروة النفطية، وتنتشر فيها أكوام القمامة، كما تتسبب مياه الصرف الصحي في مشاكل صحية.

وكثيراً ما تصل مياه الشرب إلى المنازل وهي ملوثة، كما تنقطع الكهرباء لساعات كثيرة يومياً وسط مناخ حار تصل فيه الحرارة إلى نحو 50 درجة مئوية في بعض الأيام.

ومنذ بدايتها حاولت الحكومة العراقية اتخاذ قرارات لاحتواء الأزمة، من بينها الإعلان عن تخصيص وظائف حكومية وأموال لمحافظة البصرة، والحديث عن خطط لتنفيذ مشاريع خدمية، لكن لم يقتنع المحتجون بحديث الحكومة واستمروا في تظاهرهم.

وتقول حكومة بغداد إن هناك "مخربين" يستغلون الاحتجاجات الشعبية لاستهداف الممتلكات العامة، محذرة أنها ستتصدى لهم.

وبحسب الصحافي والمحلل السياسي العراقي مشرق عباس فإن التظاهرات العراقية لا يمكن النظر إليها فقط من زاوية الأحزاب والقوى السياسية التي تحاول الدفاع عن نفسها أمام ما تعتبره مؤامرة، كما لا يمكن النظر لتلك التظاهرات من زاوية متظاهرين غاضبين من فشل الدولة.

يضيف عباس عبر مقال حديث أن "ما يمكن أن يتفق عليه الجميع في هذه اللحظة هو أن الانغلاق السياسي المتفاقم، والعجز الاقتصادي المتراكم، والفساد المستشري، هي نتائج طبيعية لأخطاء تأسيسية في صميم العملية السياسية العراقية التي انطلقت بعد عام 2003، وتمت شرعنتها بدستور عام 2005، وخاضت منذ ذلك الحين أربع تجارب تمثيلية قادت جميعها إلى النتائج نفسها".

ويرى الصحافي العراقي أن حل الأزمة يحتاج لخارطةِ طريق تضمن تغيير آليات العملية السياسية الحالية بأخرى أكثر ديناميكية خلال مهلٍ زمنيةٍ ووفق آلياتٍ ممكنة التطبيق.

أقوال جاهزة

شارك غردالاحتجاجات العراقية انطلقت من البصرة، المدينة الأغنى من حيث الاحتياطي النفطي، إلا أنها لا توفر سوى 1% من الوظائف للمواطنين العراقيين، بسبب أن شركات النفط تعتمد كثيراً على العمالة الأجنبية

شارك غرد"الانغلاق السياسي المتفاقم، والعجز الاقتصادي المتراكم، والفساد المستشري، هي نتائج طبيعية لأخطاء تأسيسية في صميم العملية السياسية العراقية التي انطلقت بعد عام 2003"

وبحسب عباس فإن العراق في حاجة حالية لتغييرٍ دستوريٍّ واستفتاء شعبيِّ وانتخاباتٍ مبكرة ضمن سقفٍ لا يتجاوز عامين من تاريخ عقد جلسة البرلمان الأولى، يؤسس عملية سياسية بقواعد وآليات وقوانين تتجاوز أخطاء الماضي.

ويطالب عباس جيران العراق والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، والمنظمات الدولية المعنية والشركات العالمية الكبرى، بالمساهمة في تدارك الفوضى العراقية، مضيفاً "نأمل بأنها باتت تدرك اليوم يقيناً أن ضعف العراق وفوضاه أكثر خطورة على المنطقة والعالم من قوته وتماسكه".

ويقول مراقبون إن الاحتجاجات التي بدأت في البصرة، ثم انتقلت إلى محافظات أخرى، قد تكون مرشحة للتحول إلى "ثورة" شعبية ضد الفساد وتردي الخدمات في البلد الذي يعاني بالفعل من أزماتٍ شديدةٍ تتعلق بالأمن والاقتصاد.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
العراق

التعليقات

المقال التالي