حوّلت الاستثناءات إلى قاعدة... كيف شرعنت السلطة في مصر الرقابة على الصحافة؟

حوّلت الاستثناءات إلى قاعدة... كيف شرعنت السلطة في مصر الرقابة على الصحافة؟

تندّر صحافيون مصريون وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي على تصريحات الكاتب الصحافي مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الصحافة والإعلام، والتي رحّب فيها بالصلاحيات الواسعة التي منحها قانون الصحافة الجديد لهذا المجلس.

"لما إحنا نحجب أحسن ما أي حد تاني يحجب"، قال أحمد في حوار صحافي أجري معه قبل أيام، غير عابئ بردود الأفعال الساخرة التي ستتسبب بها تصريحاته.

ثعلب الصحافة العجوز الذي دخل بلاط صاحبة الجلالة في خمسينيات القرن الماضي، يقصد ما قاله. رسالة الرجل واضحة، وفهِمها كل مَن يهمه الأمر، فعمليات حجب المواقع الإلكترونية ووقف أو تأخير طبع الصحف الورقية والضغوط التي تُمارس على إدارات تحرير المنصات الإعلامية من أجهزة السلطة، أضحت أمراً اعتيادياً في غرف أخبار المؤسسات الإعلامية المصرية.

يكاد لا يمرّ يوم دون أن تتداول جلسات الدردشة الصاحفية على المقاهي وداخل نقابة الصحافيين خبراً عن وقف أو تأخير طبع جريدة أو حجب موقع، بسبب خبر أو مقال رأي، وفي بعض الأحوال بسبب صورة رأت الاجهزة أنها غير مناسبة أو أنها تثير البلبلة.

فهذه جريدة أوقف طبعها بسبب انتقادها لاتفاقية الحدود البحرية بين مصر والسعودية والتي بموجبها تنازلت مصر عن جزيرتي تيران وصنافير، وتلك طُلب من رئيس تحريرها استبدال ملف ينتقد وزير الداخلية ولما رفض قررت السلطة مصادرة نسخها قبل طرحها في الأسواق، وثالثة عوقبت لأنها نقلت من أمام لجان انتخابات الرئاسة ما اعتبره محرروها حشداً من الدولة للمواطنين في الاستحقاق الرئاسي، ورابعة لم تخرج من المطبعة إلا بعد رفع تصريحات لرئيس الأركان الأسبق سامي عنان. ووصلت الأمور إلى تأخير طبع صحف بسبب اشتباكها مع بيان رئيس هيئة الرياضة السعودية تركي آل الشيخ حين كشف دعمه لمجلس إدارة النادي الأهلي بقيادة محمود الخطيب.

قائمة المحظورات طويلة والرقيب خفّض سقف الحرية حتى لامس التراب، وأصبح الهروب إلى أخبار محمد صلاح، نجم فريق ليفربول الإنكليزي، والتوسع في نشر الأخبار والتقارير الدولية حلاً أسلم، فمديرو تحرير غرف الأخبار لا يعرفون الإضافات التي طرأت على "منيو الممنوعات" والتي من شأنها وقف طبع الجريدة، وباتت الجملة الأكثر شيوعاً في صالات الصحف "أنت فاكر نفسك بتشتغل صحافة؟".

حصار أجهزة السلطة لوسائل الإعلام، وممارسة الرقابة، بل والسيطرة بشكل يومي على المحتوى الصحافي خارج إطار القانون دون مقاومة تذكر، سهلت على مهندس المشهد الإعلامي أن يقرر، وهو يجلس خلف مكتبه في الغرفة المظلمة، شرعنة الحالة الاستثنائية وتقنين الإجراءات اليومية ونقل ملف الرقابة إلى مجلس يمارس دور الرقيب لكن في النور ودون أي حرج، فتسربت إلى مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام نصوص مواد تمنح المجلس الأعلى صلاحيات الرقيب، وتعطيه سلطة تقديرية تخوّله إصدار قرارت حجب ومنع تداول.

مخاض القانون

في الربع الأخير من عام 2017، أحالت الحكومة إلى البرلمان مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام. النسخة الحكومية من المشروع راعت إلى حد كبير مواد دستور 2014 التي "حظرت بأي وجه فرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها إلا في حالات الحرب والتعبئة العامة ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها".

عُرض المشروع الحكومي على نقابة الصحافيين وأبدت عليه بعض الملاحظات العارضة، فأدخل إلى "ثلاجة البرلمان" بفعل فاعل. كانت مواد القانون "ديمقراطية أكثر من اللازم ولا تتناسب مع الواقع الحالي" بحسب مصدر في لجنة الإعلام بالبرلمان.

وبعد نحو ثمانية أشهر، خرج المشروع إلى العلن بمواد تصطدم بنصوص الدستور وبالاتفاقيات والعهود الدولية المعنية بالحقوق المدنية والسياسية التي وقعت عليها مصر وبأحكام المحكمة الدستورية العليا التي اعتبرت أن "حرية التعبير وتفاعل الآراء التي تتولد عنها لا يجوز تقييدها بأغلال تعوق ممارستها".

القانون الجديد الذي أقره مجلس النواب المصري في 16 يوليو 2018، وسط انتقادات حادة من الجماعة الصحافية، أُدخلت على نسخته الأخيرة مواد نقلت سلطات الرقيب إلى المجلس الأعلى لتنظيم الصحافة والإعلام الذي يترأسه مكرم محمد أحمد، نقيب الصحافيين الأسبق. فأعطت المادتان 4 و5 للمجلس ولـ"الاعتبارت التي يقتضيها الأمن القومي أن يمنع صحف أو مواد إعلامية من التداول"، بدعوى إنها تتعرض للأديان والمذاهب أو تكدر السلم العام أو تمارس نشاطاً معادياً لمبادئ الديمقراطية أو تحرض على الإباحية... إلخ.

ومنح القانون في المادة 19 منه المجلس ذات الصلاحيات على "المواقع والمدونات والحسابات الشخصية متى بلغ عدد متابعيها خمسة آلاف متابع أو أكثر، وله في سبيل ذلك أن يوقف أو يحجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه"، وهو ما يعني عملياً تقنين الإجراءات الاستثنائية التي يقوم بها الرقيب خارج إطار القانون وإدراجها في تشريع يكفل لجهة معلنة وبالقانون ممارسة عمليات الرقابة والحجب.

صدمة الصحافيين

هذه الصلاحيات سببت صدمة داخل الجماعة الصحافية التي شكلت ضغطاً على مجلس نقابة الصحافيين، اضطره إلى تشكيل لجنة من أعضاء فيه لتسجيل ملاحظات النقابة على مشروع القانون وإرسالها إلى مجلس النواب، إلا أن الأخير تعامل معها باستهتار، رغم مقابلة رئيسه علي عبد العال لنقيب الصحافيين عبد المحسن سلامة.

عُدّل عدد من المواد غير المؤثرة وأُجريت تعديلات "تحايلية" على عدد آخر منها بعد استشعار البرلمان غضبة الصحافيين، إلا أن السادة النواب لم يقتربوا من المواد الخاصة بصلاحيات مجلس مكرم الأعلى التي شرعنت الرقابة، ورفعت الحرج عن أجهزة الدولة، خاصة أن هناك قضايا مرفوعة أمام القضاء الإداري من مواقع تم حجبها تطعن فيها على قرار حجبها بالمخالفة للقانون.

أقوال جاهزة

شارك غردعمليات حجب المواقع الإلكترونية ووقف أو تأخير طبع الصحف الورقية والضغوط التي تُمارس على إدارات تحرير المنصات الإعلامية من أجهزة السلطة، أضحت أمراً اعتيادياً في غرف أخبار المؤسسات الإعلامية المصرية

شارك غردقائمة المحظورات طويلة والرقيب خفّض سقف الحرية حتى لامس التراب، وأصبح الهروب إلى أخبار محمد صلاح والأخبار الدولية حلاً أسلم، لأن مديري تحرير غرف الأخبار لا يعرفون الإضافات التي قد تطرأ فجأة على "منيو الممنوعات"

وكان عدد من المواقع المحجوبة قد رفعت دعوى قضائية للطعن على قرار حجبها رغم حصولها على التراخيض اللازمة. وفي إحدى جلسات نظر تلك الدعوى تعرض محامي الجهاز القومي للاتصالات للحرج أمام هيئة محكمة القضاء الإداري عندما حمله دفاع موقع "مدى مصر" مسؤولية مخالفة القانون وإصدار قرار بحجب الموقع، فما كان من الرجل إلا أنه ألقى بالمسؤولية على جهات أخرى. وقال في الجلسة التي عقدت في مارس الماضي إن "الجهاز لا يملك التقنيات الفنية التي تمكنه من الحجب"، مشيراً بأصابع الاتهام إلى أجهزة الأمن القومي أو المجلس الأعلى لتنظيم الصحافة والإعلام المختص بإصدار التراخيص لوسائل الإعلام المختلفة.

القانون الأخير الذي وافق عليه أكثر من ثلثي البرلمان (400 عضو) لأنه من المواد المكملة للدستور والتي يحتاج تمريرها إلى أغلبية الثلثين، شرعن الحجب والمنع، ورفع الحرج عن ممثلي الحكومة، فالقرارات السرية التي صدرت بحجب ما يقرب من 500 موقع، بحسب أحدث تقرير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، وهي منظمة مجتمع مدني مقرها القاهرة، ستصبح قرارات معلنة تصدر من المجلس الأعلى للإعلام، وقرارات وقف الطبع أو حظر النشر في قضايا بعينها ستعلن في بيانات رسمية ممهورة بتوقيع مكرم محمد أحمد أو مَن سيخلفه في رئاسة المجلس.

عندما سُئل أحمد عن الصلاحيات التي منحها لمجلسه القانون الجديد ومنها الحجب قال: "إيه يعني، أمال مين اللي يحجب، لما إحنا نحجب أحسن ما أي حد تاني يحجب، على الأقل هنراعي أسباب الحجب، وهنسأل وهنضبط وعندنا سمعتنا وشرفنا اللي لن يدفعنا للتواطؤ مع أحد، لأن لدينا ضميراً صحافياً، ولا ننتمي للسلطة التنفيذية، ومش بعد العمر ده كله هكون ضد الحرية".

كان أحمد جاداً وهو يجيب على هذا السؤال، وما بين سطور إجابته أن على الصحافيين أن يقبلوا بفرضية أن يكون الحجب والمنع والحظر من صلاحيات مجلسه بدلاً من أن تقوم بها أجهزة أخرى ليس لها علاقة بـ"الشغلانة؟.

أخيراً، ورغم تمرير ما أطلق عليه الصحافيون لقب قانون "إعدام الصحافة"، أعلن عدد من أعضاء مجلس النقابة ومن خلفهم المئات من أعضاء الجميعة العمومية للصحافيين استمرارهم في المقاومة، وشرعوا في اتخاذ عدد من الإجراءات التي من شأنها إسقاطه، منها الدعوة إلى عقد جمعية عمومية طارئة لنقابة الصحافيين، والتوجه إلى رئيس الجمهورية بخطاب يطالبونه فيه بعدم التصديق على القانون.

وفي حال إغفال مطالبهم والتصديق على القانون سيتوجه هؤلاء الأعضاء إلى المحكمة الدستورية للطعن على مواد القانون التي شابها عوار دستوري.


عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين، ومدير تحرير الشروق المصرية.

التعليقات

المقال التالي