"اللي اسمه ناجي العلي، لو بضل يرسم، رح أحط أصابيعه بالأسيد"

"اللي اسمه ناجي العلي، لو بضل يرسم، رح أحط أصابيعه بالأسيد"

"أنا برسم عن أي إشي، حتى لو بعرف إنه حياتي مقابله، لأن العيوب على مد عينك والنظر، ورسام الكاريكاتير برسم العيوب". لقد أدار ظهره للجميع إلا لفلسطين، مثلما فعل "حنظلة"، الشخصية الكاريكاتيرية التي رسمها. "فقد ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائماً في العاشرة. ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود إليها سيكون في العاشرة أيضاً ثم يبدأ في الكبر. فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء"، بحسب "المناضل" ناجي العلي.

"قلبه على ريشته، وريشته سريعة الانفعال والاشتعال لا تعرف لأي شيء حساباً"، مثلما قال الشاعر محمود درويش. بمسدس كاتم للصوت، أُغتيل ناجي العلي يوم 22 يوليو 1987، أثناء توجهه لعمله في صحيفة القدس في لندن، لأن ريشته ببساطة لم تنحنِ لأي جهة، فكان ممن خُذل من الأوطان العربية التي لم تعتبر فلسطين أكبر قضاياها مثلما "ظنّ" يوماً. ظل غائباً عن الوعي حتى وفاته يوم 29 أغسطس 1987.

في حوار لزوجته وداد صالح النصر، مع الإعلامية سماح الطويل عبر قناة "DW"، كشفت أن القاتل لا يزال "مجهولاً"، قائلةً "أتمنى أن أعرف القاتل، أو الجهة التي أمرت بقتله. مؤسف أن يذهب دم ناجي هدراً"، وذلك بعد ما يقارب الـ 31 سنة على رحيله.

لم يعيشا قصة "حبٍ" هوليوودية، بل كان زواجهما "تقليدياً بحتاً". كانت تراه في منزل الأهل، كونه رفيق شقيقها، وكان انطباعها عنه أن "دمّه خفيف" رغم عدم معرفته به عن قرب، ولكن "كونه رسّام، هاي شغلة بالنسبة إلي"، بحسب قولها.

"شو اللي شدّك إلي؟ إن كنتِ تريدين الزواج منّي للهروب من المخيم في لبنان والسفر إلى الكويت، اعلمي أني ربما أعيش معك أسبوعاً واحداً فقط، وأكون الأسبوع المقبل في السجن". هذا ما قاله ناجي لوداد، قبل أن يَعرف بأنها تُحب تلك الشخصية المغامرة، والتي تعلم بأنها "غير منظمة".

لناجي العلي 40 ألف رسمة كاريكاتيرية، رُسمت مع إشراقة كل شمسٍ، بعد تصفحه الجريدة وتمعنه بـ "المانشيتات"، برفقة "السيجارة"، وفنجان القهوة، ومن هنا خُلقت السُخرية التي كانت ترسمها ريشته، وتوّلدها أفكاره، على أنغام "فيروز" أحياناً، بحسب زوجته.

بين جدران منزله، كان يُفضل ناجي الرسم، لا في مقر الصحيفة لأنه كان يلجأ للهدوء دائماً. لم يكن يسمع آراء زوجته حول رسوماته، ولم يكن يستشيرها، ولكنها حين ترى الرسمة بشكلها النهائي، كانت تحذره أحياناً من خطورتها عليه، ليجيبها مازحاً:"ما بكفيني الرقابة، حتى أنتِ؟"

روت وداد أن مولد "حنظلة" كان في 1969 عندما عمل في "الكويت"، وأن ردة فعلها عليه كان مجرد "الضحك"، قبل أن تستمع إلى ما وراء الشخصية، وكيف كان ينوي اعتمادها كتوقيع له قائلاً:"بحس حنظلة هو أنا!"

وكشفت أن "حنظلة"، الذي يعني "المرارة"، بالنسبة له لم يكن مجرد رمز للصمود، بل أراد أن يكون معه في كل رسوماته لئلا ينسى أصله بعد انتقاله إلى الكويت، وليذكر نفسه دائماً بأنه "ابن المخيم، الحافي، الفقير، الذي لن يهدأ حتى يعود إلى وطنه المحتل".

أقوال جاهزة

شارك غردزوجة ناجي العلي: كنت أقوم بتشغيل سيارته قبل نزوله من البيت، لأحميه من أي "تفخيخات" من الممكن أن تكون قد وضعتها له منظمة التحرير الفلسطينية، وحين اكتشف ناجي الأمر قال "أنا ولا أنتِ، لأن وجودك لأولادنا أفضل من وجودي!"

شارك غردزوجة ناجي العلي: "حنظلة" بالنسبة له لم يكن مجرد رمز للصمود، بل أراد أن يكون معه لئلا ينسى أصله بعد انتقاله إلى الكويت، وليذكر نفسه دائماً بأنه "ابن المخيم، الحافي، الفقير، الذي لن يهدأ حتى يعود إلى وطنه المحتل".

"لم يكن ينتمي ناجي إلى أي جهة، ولا أي تنظيم" هذا ما أكدته "وداد"، لافتة إلى أنه لو كان منتمياً لأي جهة لما أُغتيل، بل وجد من يحمي ظهره.

من الكويت إلى صيدا إلى لندن، كان ينتقل من مدينة إلى أخرى كلما "قل سقف حريته"، وأول تهديد تلقاه كان من "أبو عمار"، الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، الذي قال "اللي اسمه ناجي، لو بضل يرسم، رح أحط أصابيعه بالأسيد"، وذلك أثناء مناسبة ما في "ثانوية عبدالله السالم" في الكويت.

أما عن ردة فعل ناجي، قال "لو حط أصابيعي بالأسيد، برسم بأصابيع رجلي"، لأن إيمانه بالقضية الفلسطينية كانت قوّته، قائلاً "لو ما لقيت جريدة تنشر رسوماتي، بفتح دكان، وببيع بندورة وفلافل، ولا أبيع قلمي وريشتي"!

وحول التهديدات الأخرى التي تلقاها من منظمة التحرير الفلسطينية، قالت "وداد" إنها كانت تقوم بتشغيل سيارته قبل نزوله من البيت، لتحميه من أي "تفخيخات" محتملة، وحين اكتشف الأمر قال "أنا ولا أنتِ، لأن وجودك لأولادنا أفضل من وجودي!"

"حنظلة" كان ولا يزال مكتوف اليدين، لأنه يرفض التطبيع، وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة، قال "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته".

فرح السعدي

صحافية أردنية حاصلة على بكالوريوس إعلام من الجامعة الأمريكية في دبي وعلى شهادة في الإنتاج الرقمي ورواية القصص، وشريكة مؤسسة لموقع "بدنا نحكي فن".

كلمات مفتاحية
فلسطين ناجي العلي

التعليقات

المقال التالي