أمام الدعوة للمساواة في الإرث وعدم تجريم المثلية... حركة النهضة التونسية في موقف صعب

أمام الدعوة للمساواة في الإرث وعدم تجريم المثلية... حركة النهضة التونسية في موقف صعب

شهدت تونس بعد الثورة تكريساً مطرداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية على مستوى التشريع، وبدرجة أقل على مستوى الممارسة. وتماشياً مع هذا المسار، أنشأ الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لجنة الحريات الفردية والمساواة، في 13 أغسطس 2017.

أوكلت إلى هذه اللجنة مهمة إعداد تقرير عن الإصلاحات التشريعية المتعلقة بالحريات الفردية والمساواة، وفقاً لدستور 27 يناير 2014 والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وفي الثامن من يونيو 2018، قدّمت تقريرها النهائي.

يتضمن التقرير المتكوّن من 230 صفحة توصيات ومشاريع قوانين وُصفت بأنها مثيرة للجدل، على غرار المساواة في الإرث بين الرجال والنساء وإلغاء المهر والعدّة، وإلغاء عقوبة الإعدام وإلغاء تجريم المثلية الجنسية، ويُنتظر أن يحسم رئيس الجمهورية في 13 أغسطس القادم الموقف حول ما جاء فيه، بالتزامن مع عيد المرأة، ليُطرح بعد ذلك للتصويت أمام البرلمان.

ردود فعل متباينة على التقرير

خلّف التقرير ردود فعل متباينة بين مرحّب به اعتبره انتصاراً لمقومات الدولة المدنية وتأطير مسألة الحريات الفردية ضمن التشريعات بما يدعم التجربة الديمقراطية وبين رافض له رأى فيه دعوة إلى المساس بالشريعة الإسلامية.

وبقدر ما لقيت المقترحات من ترحيب في أوساط القوى السياسية المدنية وناشطي حقوق الإنسان بقدر ما أثار من جدل تشريعي وديني، في ظل رفض ذوي التوجهات الإسلامية مضامينه، معتبرين أنه يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.

فقد أصدرت "التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة" بياناً هاجمت فيه بشدة توصيات اللجنة، وقالت إن مقترحات التقرير هي "في مجملها قوانين هادمة للأسرة ومخلّة بتعاليم الدين الإسلامي، وتتعارض مع ما ورد في توطئة الدستور، علاوة على أنها تبيح الشذوذ، وتلغي القوامة، وتحرم المرأة حقها الشرعي في النفقة".

في المقابل، وفي ظل المناخ الذي أراد الإسلاميون خلقه ضد التقرير بانتقاداتهم الحادة له وبالتحذير من خطره على "الشريعة"، اعتبرت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين في بيان أن "ممارسات التكفير والترهيب لأيّ فكر نقدي وعقلاني خارج النسق النمطي والتقليدي ينعكس مباشرة في فضاء الإعلام ويشيع مناخاً من التخويف والرقابة الذاتية ويشجع الفكر الأحادي".

وأكد نص البيان أن "مثل هذا المناخ لا يواجه الفكر بالفكر والرأي بالرأي ولا يفتح باب الجدل الحر، وينسف نهائياً ما حققته الثورة التونسية في مجال حرية التفكير والرأي والتعبير، ويمهّد الأرضيّة لعودة الاستبداد بأشكال جديدة ومسميات مختلفة".

"عدة اعتبارات" للرفض

يقول عضو هيئة المدرسة القرآنية أنس بن مالك جمال بنور لرصيف22 إنه "بعد الإطلاع على تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة فإن هيئة المدرسة تعبّر عن رفضها محتوى هذا التقرير لعدّة اعتبارات، فهو يتعارض مع النصوص القطعية والأحكام الثابتة من القرآن والسنّة كتغيير أحكام الميراث وإلغاء العِدّة والمهر، فضلاً عن أنّه يمثّل مصادمة لهويّة الشعب التونسي المسلم المتأصّلة والمقرّرة بالدستور".

وبرأيه، "يتعارض التقرير مع القيم الأخلاقية والفطرة السليمة فهو لم ينصّص على تجريم الاعتداء على الأخلاق الحميدة".

ويضيف بنور أن "التقرير يتضمن موقفاً فكرياً وإيديولوجياً معادياً للإسلام ومستفزاً للشعب التونسي المسلم من خلال الدعوة للتخلي عن كل العبارات والدلالات الدينية الواردة في النصوص الدينية الحالية كعبارة ‘الموانع الشرعية’ و’المسلمين’".

بالتالي، حسب قراءته، "تتمثل إرادة واضع التقرير في فرض نمط مجتمعي دخيل ومناقض لمعتقداتنا وقيمنا وذلك بالاستقواء بأعلى هرم السلطة السياسية دون التفكير في عرض هذه المقترحات على الشعب عبر تنظيم استفتاء ليقول كلمته".

من هنا، يؤكد بنور دعوة المدرسة لسحب مشروع القانون وعدم اعتماده.

نظرة مؤيدي التقرير للقضية

لم يبقَ انتقاد التقرير عند حد انتقاد مضامينه ورفضها، بل وصل إلى "شيطنة" أعضاء اللجنة التي وضعته لا بل تهديدهم بالقتل، كما أعلنت كتيبة عقبة بن نافع المؤيدة لتنظيم القاعدة.

في هذا السياق، يبدي الناشط السياسي والحقوقي أحمد فرحات حمودي تضامنه "المطلق" مع أعضاء اللجنة الذين "يتعرضون لأبشع أنواع الشتيمة والتشويه والتشهير"، كما يدين "بكل قوة مطلقي هذه الحملات والذين يمكن الجزم بسهولة بأنهم لا ينتمون إلى الفكر الديمقراطي الحر حيث الاختلاف ومواجهة الحجة بالحجة والرأي بالرأي بعيداً عن نشر الأكاذيب بقصد التشويه والتخويف ومحاولة الإسكات".

ويقول لرصيف22: "إنه امتحان حقيقي ومحك يُقاس به مدى قبولنا للاختلاف وتشبعنا بالفكر الديمقراطي".

ويضيف حمودي الذي كان عضواً في المكتب السياسي للحزب الجمهوري: "لا يمكن لشخص مثلي ناضل طويلاً تحت ربقة الاستبداد من أجل الحريات العامة والفردية إلا أن ينتصر لهذا التقرير الذي أعتبره بالفعل ثورة اجتماعية ثانية بعد مجلة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1956".

ويتابع: "إنه بداية لعصر جديد وجيل جديد من الحريات والحقوق. ورغم الجدل الواسع الذي أثاره، وهو أمر طبيعي لأنه سلط الضوء على تابوهات كان الحديث حولها محرماً، رغم أن دستور الجمهورية الثانية أقره بوضوح حرية الضمير، كاقتراحه إلغاء مناشير (قرارات صادرة عن سلطة إدارية، وبهذه الحالة وزارة الداخلية) بالية تقضي بإغلاق المطاعم والمقاهي (غير السياحية) في رمضان وبيع الخمور وغيرها".

بناءً على هذه المنطلقات، يتبنى حمودي مقترحات اللجنة ويدافع عنها. ويقول: "أما القول إنه في غير وقته وإنه لا يمثل حاجة مجتمعية راهنة وإنه ليس مطلباً شعبياً والأجدر أن يكون نتاج تطور مجتمعي طبيعي فهو قول هش باعتبار أن الحرية هي أم المطالب وكذلك باعتبار أن كل القوانين التي صادقت عليها تونس والتي حققت لها فرادة في محيطها من إلغاء الرق إلى دستور 1861 إلى مجلة الأحوال الشخصية لم تكن مطالب شعبية في حينها".

موقف حركة النهضة الصعب

في ظل هذا الجدل حول التقرير، تجد حركة النهضة الإسلامية، شريكة حزب نداء تونس في السلطة، نفسها في موقف حرج. وأصدر المكتب التنفيذي للحركة في الرابع من يوليو 2018، بياناً بخصوص ما ورد في التقرير شدد فيه على حق جميع التونسيين أفراداً ومؤسسات في حريّة الرأي والتعبير والتفكير "في إطار ما دعا إليه رئيس الجمهورية، وتتبناه حركة النهضة من أنّ تونس دولة مدنية لشعب مسلم".

ولكن البيان دعا إلى "البحث عن مقاربة في الحريات الفردية والمساواة تجمع بين الالتزام بأحكام الدستور واحترام مقومات الهوية العربية الإسلامية لشعبنا، وذلك بعيداً عن السب وهتك الأعراض وكل غلو أو تطرف".

أقوال جاهزة

شارك غردلجنة الحريات الفردية والمساواة أوصت بالمساواة في الإرث بين الرجال والنساء وإلغاء المهر والعدّة، وإلغاء عقوبة الإعدام وإلغاء تجريم المثلية الجنسية... فوجدت حركة النهضة نفسها في موقف حرج كونها إسلامية من جهة وشريكة في الحكم من جهة أخرى

شارك غردبعد توصية لجنة الحريات الفردية والمساواة بالمساواة في الإرث بين الرجال والنساء وإلغاء المهر والعدّة، وإلغاء عقوبة الإعدام وإلغاء تجريم المثلية الجنسية... كيف ستجمع حركة النهضة الإسلامية بين احترام الحريات واحترام "مقومات الهوية الإسلامية"؟

ونبّهت حركة النهضة إلى ما قالت إن التقرير تضمّنه من بعض المسائل التي قد تهدد كيان الأسرة ووحدة المجتمع، مؤكدةً على قيمة الحقوق والحريات والمساواة بين الجنسين، وعلى أهمية تعميق التشاور والحوار حول مضمون التقرير، ومعلنة أنها ستعبّر عن موقفها بالتفصيل من هذا المشروع إذا ما تحول وتطور إلى مجلة أو مشروع قانون يُعرض على مجلس نواب الشعب.

ويقول القيادي في حركة النهضة ضرار طعم الله لرصيف22 إن "تقرير لجنة الحقوق والحريات، كمبدأ، هام لإطلاق نقاش مجتمعي حقيقي يوضح ويحسم العديد من المسائل التي يحوم حولها اللبس".

ويعلن رفض النهضة وإدانتها لكل حملات التكفير والتخوين التي تطال أشخاص أعضاء اللجنة ورئيستها بشرى بلحاج حميدة.

لكن هذا لا يمنعه من انتقاد التقرير بأسلوب دبلوماسي، باعتبار أن توقيت التقرير و"تركيبة اللجنة غير المتوازنة" هي "إشكالات بنيوية شوهت المُنتج ووجهته". ويؤكد أن "موقف النهضة، قيادة وقواعد، واضح لا لبس فيه فلا نحل حراماً ولا نحرّم حلالاً".

وبرأيه، "كل ما ورد فيه نص قطعي لا يجوز فيه اجتهاد بأي حال من الأحوال وما دون ذلك يناقَش في أطر هادئة بعيداً عن الفوضى والإثارة والتكفير والتخويف".

أمّا عن الخطوات القادمة التي ستتخذها الحركة في التعامل مع التقرير، فيقول طعم الله: "سنناقش التقرير بالتفصيل إذا ما وصل إلى البرلمان ونعدّل فيه وقد نقترح عرضه على الاستفتاء الشعبي".

ولكن قواعد النهضة مستفَزّة من التقرير بشكل كبير ولا تعبّر عن رفضها له بهذا الأسلوب لهادئ. وعن التباين الظاهر للعيان بين مواقف القيادة والقواعد بخصوصه، يقول طعم الله: "مواقف القيادة تميل أكثر إلى تهدئة المنفلتين وشجب المتطرفين الذين هم أساساً من خارج النهضة والذين يخدمون التقرير وكتبته ويصورونهم في مشهد المظلوم المعتدى عليه".

النهضة بين الداخل والخارج

يطرح التقرير على حركة النهضة تحديات مختلفة بين مستقبلها السياسي وحرصها على المحافظة على خزانها الانتخابي في تونس، وبين الصورة التي ترغب في تقديمها عن نفسها للخارج.

في هذا السياق، تقول الباحثة الجامعية آمال قرامي لرصيف22: "أمام النهضة تحدٍ كبير ناجم عن ازدواجيتها وصياغتها لأكثر من خطاب: خطاب مغلق على النخب القيادية في التنظيم لا يعلم فحواه العموم وخطاب موجّه إلى القاعدة من أتباعها وخطاب إلى عامة التونسيين الرافضين لها، وآخر موجه للغرب، وخامس موجه للطبقة السياسية وفق قاعدة موازين القوى".

ونظراً إلى السياق العالمي وما يعجّ به من سياسات مناهضة للإسلام السياسي، تعتمد النهضة تكتيك محاولة استرضاء الغرب باللعب على البروز في صورة مخالفة للصور المهيمنة على الإسلاميين، بحسب قرامي.

وبرأي الباحثة التونسية، "ملف الحريات هو المحك الفعلي لمعرفة مدى قدرة النهضة على ترتيب الأولويات فتولي الأهمية القصوى للجانب العقدي أو العكس، لا سيما أن الانتخابات على الأبواب".

وعن إمكانية إيجاد النهضة التوليفة المناسبة لهذه المعادلة الصعبة التي تضمن لها أقل أضرار، تقول قرامي إن "النهضة تحاول أن تمسك العصا من الوسط على أن تدعو مثلاً إلى التدرج بذريعة أن المجتمع غير مستعد".

وتضيف: "أقدّر إمكانية تخفّيها وراء إرادة الشعب المسلم الذي لا يسمح بهذا التعدي على قواعد عقيدته. وبحجة إيمان الحركة بأفقية اتخاذ القرارات، فإنها ستعلن أنها لن تفرض أي توجه على الشعب، وبالتالي تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد".

وعن التباين بين موقف القيادة المتحفظ والقواعد المنفلتة، تقول قرامي: "ليس تبايناً، فالتنظيمات الإسلاموية تميّز بين مَن هم في أعلى التراتبية (الأمراء، القيادات...) والعوام وتمنح مجالاً لهؤلاء للحركة والتنفيس عن همومهم، فالعوام ورقة ضغط على الحكومات وهي تقوم بسلطة الضبط متى تشاء".


باحث في جامعة اللوران الفرنسية ومهتم بشؤون الجاليات العربية والمسلمة في الغرب وبمسألة الانتقال السياسي في تونس وليبيا.

التعليقات

المقال التالي