تقارب من طالبان... إيران تفعّل استراتيجية "موجعة" لأمريكا في أفغانستان

تقارب من طالبان... إيران تفعّل استراتيجية "موجعة" لأمريكا في أفغانستان

في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الإقليمية الضغط على إيران اقتصادياً وسياسياً، بدأت طهران على ما يبدو باستعراض مصادر قوتها التي تساعدها على المناورة في المواجهة ضد هذه القوى، مستخدمةً سلاحها الأشهر: توظيف الوكلاء في مواجهة الخصم، دون أن تدخل في صدام مباشر معه.

خلال الأسبوع الماضي، عادت وسائل الإعلام الغربية إلى نشر تقارير تفيد بأن مقاتلين من طالبان، يتلقون تدريبات متطورة على أيدي قوات خاصة في الأكاديميات العسكرية في إيران، كجزء من خطة كبيرة تنفّذها طهران لدعم الحركة الأفغانية التي تقاتل الجيش الأمريكي، في أطول حرب دخلتها الولايات المتحدة في تاريخها.

ونفت إيران، على لسان هیئة الأرکان العامة للقوات المسلحة، تورّطها في تدریب میلیشیات طالبان في إيران، کما کذّبت السفارة الإيرانية في کابول هذه المزاعم، ووصفتها بأنها "فارغة ولا أساس لها"، مؤکدة ضرورة المساعدة علی تعزیز السلم وإرساء الأمن والاستقرار في أفغانستان.

تاريخياً... شكل العلاقة بين طالبان وإيران

دعمت إيران، خلال فترة حكم طالبان لأفغانستان، الميليشيات المعارضة للحركة، حتى أن بعض قادة الحرس الثوري شاركوا في القتال ضد حكومة طالبان، وذلك لأن طهران كانت تتخوف من احتمال دعم الأخيرة لجماعة جند الله، وهي جماعة سنية تنشط داخل محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية.

وفي عام 1998، كانت إيران وطالبان على وشك الدخول في حرب، بعد أن استولت مجموعة مسلحة على قنصلية إيرانية في شمال أفغانستان، وقتلت ثمانية دبلوماسيين إيرانيين.

وفي عام 2001، دعمت طهران على الأرض الغزو الأمريكي لإسقاط نظام طالبان، وعرضت في وقت لاحق على الحكومة الانتقالية  المساعدة في تدريب قوات الأمن الأفغانية.

وفي عام 2010، ظهرت تقارير تفيد بأن إيران قدمت بشكل روتيني أمولاً نقدية بقيمة ملايين الدولارات لشراء ولاء مسؤولين في حكومة الرئيس السابق حامد كرزاي، وموّلت حملات مرشحين إلى الانتخابات، ودعمت المؤسسات الإعلامية الأفغانية، وبنت طرقاً تربط مقاطعة هيرات الأفغانية بالحدود الإيرانية.

وفي عام 2013، وقّعت إيران وأفغانستان اتفاقية تعاون استراتيجي، أرادت طهران من وارئها مواجهة النفوذ الأمريكي، وتضمنت بنوداً اقتصادية وأمنية مهمة، وآليات لمكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة.

وكشفت تقارير صحافية غربية أن برقيات أمريكية مسربة أثبتت أن إيران عملت على تحريض البرلمان الأفغاني على مناهضة سياسات الولايات المتحدة، وإثارة نقاط خلاف والتوتر مع واشنطن خلال الجلسات البرلمانية.

إلا أن استراتيجية إيران في توظيف الحكومة الأفغانية لخدمة مصالحها لم تحقق نتائج كبيرة، فلجأت إلى تغيير مقاربتها، وحدث تحول تاريخي في عام 2011، عندما أعلنت تأييدها لإجراء محادثات سلام بين الحكومة وطالبان وعرضت استضافة هذه المفاوضات في طهران.

كيف ولماذا تحالفت طهران مع طالبان؟

يؤكد المحلل والكاتب الصحافي الأفغاني ومدير وكالة باجهوك الأفغانية دانيش كاروكيل أن إيران فتحت قنوات اتصال مع طالبان في أعقاب تولي أختر محمد منصور زعامة الحركة، واتفق الجانبان في اتصالاتهما على ضرورة التعاون ضد عدوهم المشترك وهو الولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد إعلان مقتل الملا عمر عام 2015، اختير نائبه منصور أميراً لحركة طالبان وبقي في منصبه حتى اغتياله في باكستان بواسطة صاروخ أطلق من طائرة أمريكية بدون طيار في مايو 2016.

واتهم كاروكيل إيران بأنها بدأت منذ سنوات قليلة بنقل أسلحة لطالبان، ثم شرعت في نقل أموال للحركة، وعندما اتفق الأوروبيون والأمريكيون على فرض عقوبات قاسية على طهران، قبيل توقيع الاتفاق النووي، فتح الحرس الثوري معسكراته لمقاتلي طالبان لتدريبهم على القتال وعلى صناعة القنابل والكمائن.

وأكد المحلل الأفغاني لرصيف22 أن أهداف إيران هي أولاً توصيل رسالة إلى الإدارة الأمريكية مفادها أنها تمتلك تأثيراً على حركة طالبان، وبالتالي يصبح هذا التأثير ورقة مربحة لطهران في الضغط على واشنطن في أية مفاوضات، وسلاحاً لمواجهة أية عقوبات، كما أن إيران تريد من طالبان منع داعش من الانتشار في أفغانستان.

أقوال جاهزة

شارك غردجديد في علاقة إيران بحركة طالبان... بدأت طهران على ما يبدو باستعراض مصادر قوتها التي تساعدها على المناورة في مواجهة أمريكا وبعض الدول الإقليمية، مستخدمةً سلاحها الأشهر: توظيف الوكلاء في مواجهة الخصم، دون أن تدخل مباشرة

شارك غردعادت وسائل الإعلام الغربية إلى نشر تقارير تفيد بأن مقاتلين من طالبان يتلقون تدريبات متطورة على أيدي قوات خاصة إيرانية، كجزء من خطة كبيرة تنفّذها طهران لدعم الحركة الأفغانية التي تقاتل الجيش الأمريكي

أما هدف إيران الثاني، بحسب المحلل الأفغاني، فهو زعزعة استقرار الحكومة الأفغانية على خلفية نزاع بين البلدين على المياه، مشيراً إلى أن كابول تخطط لاستغلال الأنهار في التنمية، عبر بناء سدود لاستغلال مياهها في الزراعة وتوليد الكهرباء، وخصوصاً على نهر هلمند، وإيران تعتبر ذلك مصيبة عليها، "لذا جنّدت من طالبان عناصر تنوي استخدامها لتخريب أية مشروعات أو سدود تخالف مصالحها"، على حد زعمه.

ولفت كاروكيل إلى أن طالبان تنقسم إلى جماعتين: الأولى تتشكل من جزء يعيش في أفغانستان وإيران وهؤلاء يتم تجنيد بعضهم وتدريبهم في إيران لخدمة مصالحها في الداخل الأفغاني، والقسم الآخر لديهم هدف مشترك مع طهران وهو قتال الأمريكيين.

وأشار إلى أن الجزء الثاني من طالبان والمعروف بقتاله لأمريكا كان حذراً في بناء علاقات مع إيران، لأنه يتخوف من غضب عناصره من مثل هذه الخطوة، ما يدفعهم للانضمام إلى داعش.

الأمريكيون... إيران تريد إبعادنا عن حدودها

يرى المحلل الأمريكي المتخصص في قضايا الأمن القومي وسياسة الدفاع مايكل أوهانلون أن تدريب إيران لعناصر من طالبان يعود إلى رغبة طهران في "تبني سياسة مدمرة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية والسنية لفترة طويلة، عبر توظيف الجماعات المتطرفة".

ويضيف أوهانلون لرصيف22 أن إيران تريد أن تحافظ على درجة من التأثير على الجماعات المتطرفة، خصوصاً الجماعات التي تنشط في الدول السنية، وتحب أن تمتلك أذرع داخل هذه الدول من أجل مواجهة أية سيناريوهات محتملة، كما تخطط عبر هذه الجماعات لأن تُبعد الولايات المتحدة وحلفاءها عن التواجد في الدول المجاورة لها.

وتابع المحلل الأمريكي أن العناصر الذين تدربهم إيران من طالبان قد ينتهي الأمر بهم بأن يتم إرسالهم إلى أماكن أخرى للقتال، ويمكن أن تشجعهم على مهاجمة القوات الأمريكية في أفغانستان، وفي هذه الحالة، على الولايات المتحدة أن تدرك أن إيران تمتلك هذه الخيارات، لذلك قد يحدث تصعيد من قبل الولايات المتحدة للرد على مثل هذه التصرفات.

ربط طالبان بإيران... مقدمة لحرب على طهران؟

يرى رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور محمد السعيد، أن الإدارة الأمريكية فرضت على إيران أن تخوض معركة حياة أو موت، بعد أن قرر الرئيس دونالد ترامب تبني سياسة "صفر نفط"، أي منع طهران من تصدير أي برميل نفط إلى الخارج وهو ما يعني تدمير الدولة الإيرانية.

وأضاف السعيد أن إيران قررت تنفيذ ذات المنهج الذي يعمل ترامب على تنفيذه، لذا قد تفكر في كل الأسلحة سواء استغلال طالبان أو التهديد بغلق مضيق هرمز كي تضغط على خصومها للتراجع عن سياساتهم المدمرة للاقتصاد الإيراني.

وأشار إلى أن الاتفاق الأمريكي مع السعودية على زيادة الأخيرة إنتاجها من النفط بمقدار مليوني برميل أجبر طهران على التفكير في الأسلحة "الموجعة" لواشنطن.

ولفت إلى أنه يجب الحذر من تقارير بعض الصحف الغربية في الأيام المقبلة، لأنها "ستشيطن" إيران من أجل الضغط على الدول الأوروبية للتخلي عن الاتفاق النووي، خصوصاً تلك التي تشارك بجنود ضمن قوات حلف الناتو في أفغانستان.

من جانبه، رأى الدبلوماسي الإيراني السابق سيد هادي الأفقهي أن الهدف من الحديث عن علاقة إيران بطالبان هو ترسیخ فکرة دعم إيران للإرهاب ومن بعد ذلك "تأسيس جبهة تحالف غربي عربي لضرب إيران في المنطقة وتفتيت محور المقاومة"، مضيفا أن طهران ليس لها أية علاقة بهذه الحركة ولا يوجد أي تواصل بينهما.

وأضاف الأفقهي لرصيف22 أن هذه التقارير تهدف الى تبرير العقوبات الأمريكية ضد إيران بحجة محاربة الإرهاب في المنطقة، مشيراً إلى أن العزف على وتر ارتباط ايران بالقاعدة وداعش وطالبان يُعَدّ كلاماً سخيفاً، "لأنهم هم مَن يؤسسون هذه التنظيمات ويدعمونها وينسبونها إلى إيران".

السعودية... محاولات لاحتواء طالبان

في 20 يوينو الماضي، نشر الديوان الملكي السعودي بياناً أعرب فيه الملك سلمان بن عبد العزيز عن أمله في تجديد الهدنة التي تم التوصل إليها بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان خلال أيام عيد الفطر لفترة أطول، وهي هدنة وصفها بـ"المباركة".

وفي اليوم التالي، أصدرت هيئة كبار العلماء بياناً دعت فيه طالبان والحكومة الأفغانية إلى التصالح واستمرار الهدنة تلبية لدعوة الملك سلمان، وقالت: "إننا نناشد الإخوة في أفغانستان بأن يجيبوا داعي الشرع وداعي الصلح".

ونظمت منظمة التعاون الإسلامي في 10 و11 يوليو مؤتمراً تحت عنوان "المؤتمر الدولي للعلماء المسلمين حول السلام والاستقرار في جمهورية أفغانستان". ويهدف المؤتمر الذي شارك فيه قادة من علماء أفغانستان ونخبة من العلماء المسلمين من أنحاء العالم، للدعوة إلى مصالحة في أفغانستان.

وفي تعليق على هذا الحدث الذي تستضيفه مدينة جدة السعودية، ثمّن الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يوسف بن أحمد العثيمين دعوة العاهل السعودي حول أفغانستان، ودعا الحكومة الأفغانية إلى التجاوب مع المؤتمر.

لا شك في أن هذه التحركات السعودية تستهدف قطع الطريق على إيران، عبر دمج طالبان في العملية السياسية، كما تهدف إلى تقليل الهجمات ضد القوات الأمريكية المتواجدة في أفغانستان بعد أن تعهدت الحركة بأن يكون ربيع العام الجاري الأسوأ على الجش الأمريكي.

ويُعتبر الاختراق الإيراني لحركة طالبان ضربة قاسية للمملكة العربية السعودية، إذ يعني أن طهران أفعل منها في تجنيد الحركات السنية.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الأفغانية كانت قد أيدت الحرب السعودية في اليمن، وهو ما أغضب طهران، لذلك ربما يكون الهدف من تدريب طالبان في إيران أيضاً الانتقام من النظام الحاكم في كابول بسبب مواقفه المؤيدة للرياض.

في كل الأحوال، فإن التصعيد الإيراني في استخدام كافة الأسلحة التي تضمن لطهران مواجهة الضغوط الخارجية، سيكون أكثر حدة، لأنه في مواجهة مسألة حياة أو موت. وفي هذا السياق أتى تهديد الرئيس الإيراني حسن روحاني، وهو شخصية معتدلة ولا يميل إلى الخيارات العسكرية، بإغلاق مضيق هرمز ومنع تصدير النفط الخليجي إلى العالم.


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

التعليقات

المقال التالي