أحمد المرزوقي.. أشهر الناجين من جحيم سجن تازمامارت المغربي

أحمد المرزوقي.. أشهر الناجين من جحيم سجن تازمامارت المغربي

كشريطٍ قُطِع من الوسط، وأُلصِقت نهايته ببدايته، هي حياةُ أحمد المرزوقي. تغيَّرَ كل شيءٍ يوم 10 يوليوز 1971 عندما قادَه الكولونيل محمد اعبابو وزملاءَه وتلامذةَ المدرسة العسكرية "أهرمومو" إلى قصر مدينة الصخيرات لتوجيه رشاشاتهم نحو الملك وحاشيتِه وضيوفه بهدف إسقاط النظام، دون أن يكونوا على علمٍ بما يقومون به.

في سيرته الروائية "تازمامارت - الزنزانة رقم 10"، قدم الضابط المرزوقي شهادة مؤلمة عن ثماني عشرة سنة قضاها معتقلاً في واحد من أكثر السجون قساوةً في تاريخ البشرية.

ووضع العالمَ في صورة تفاصيلِ الحياة اليومية داخل أقبية المعتقل الرهيب، وتوقف عند اللحظات القاسية والأليمة التي تصدمُ من فظاعتها وشدتها، ليتحول كتابه إلى واحد من الإصدارات التي طبعت مغرب القرن 21، فالإصدار ينفذ كل مرة من الأسواق والمكتبات، ويتصدر منذ قرابة العقدين قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في المملكة.

ولا يغيب عن أحد شهادته على العصر في قناة الجزيرة القطرية التي أبكت ملايين المتتبعين سنة 2009, واليوم، بمناسبة حلول ذكرى أحداث الصخيرات، "رصيف22" يتصل بأحمد المرزوقي ليكون حواراً مفعماً بالصراحة، بعيداً عن أي لغة خشبية.

سؤال: مع حلول 10 يوليو من كل سنة، كيف يسترجع أحمد المرزوقي شريط أحداث ذلك اليوم الذي قلب حياتك وحياة عدد من رفاقك رأساً على عقب؟

ماذا أقول لك؟ هي ذكريات مؤلمة أعيشها ككابولس رهيب، فكل مرة يأتي هذا التاريخ أفكر في أصدقائي الذين تركتهم مدفونين في معتقل العار، ولغاية الساعة لم ينالوا فرصة الحصول على شاهد يدل على مكان رفاتهم.

فهيئة الإنصاف والمصالحة التي ملأتِ الدنيا هديراً بالحديث عن حقوق الإنسان، طبقت المثل السائد "كمْ من أمورٍ قضيناها بتركها" ، ذلك أنها وعدتنا بتحديد هوية كل قبر، وبناء متحف في تلك الربوع المنكوبة، وتشييد مدرسة ومستوصف، إلا أنها تخلت عن ذلك، وضربت صفحاً بكل الوعود التي أعطتها.

وحتى اللحظة، لازالت عائلات الضحايا تجهل مكان دفن أبنائها.

شهر يوليو بغيض بالنسبة لي، يجسد ذكرى ظلمٍ فاحشٍ ما أنزل الله به من سلطان، ظلم انتُهكت فيه كرامة الإنسانية بشكل غير مسبوق، فما عانيناه على امتداد قرابة عقدين من الزمن، لا يستطيع وصفه أي إنسان ولو أوتي بلاغة بني البشر جميعهم.

باختصارٍ أقول لك، إن قساوة الإنسان حين لا يردعها رادع، قد تفوتُ في شدتها ضراوة كل الحيوانات مجتمعة.

سؤال: أمضيت 18 سنة في سجن تازمامارت في انقطاعٍ تام عن العالم الخارجي. ما الذي طبع الشهور الأولى التي أعقبت خروجك من جحيم تازمامارت؟ كيف وجدت الحياة والمجتمع والناس المحيطين بك؟

قد تكون قصتنا في بعض جوانبها أشبه بقصة "أهل الكهف"، لمَّا خرجنا كنا كمن كان في الآخرة ورجع إلى الدنيا، تغيَّرَ كلُّ شيءٍ، إلا البشر، وجدناهم لا يزالون يمشون على أرجل.

تغيرت العادات والتقاليد واللباس والسيارات ومعاملات الناس وطباعهم إلى غير ذلك، فكان علينا أن نبذل مجهودات جبارة كي نتأقلم مع الوضع الجديد، أولُها أن نتعلم كيف نتمشى لأننا كنا كالمدفونين في قبور مظلمة ضيقة ثم بُعثنا فجأة لندخل الجنة.

لازلت أذكر أنني كنت كلَّما ألقيتُ التحيةَ على والدتي صباحاً، قفزتْ من مكانها مذعورةً، فأتعجب وأستغرب، والحياء يمنعني من سؤالها، إلى أن نبهني أحدهم أنَّ عليَّ خفضُ صوتي، لأني كنت قد تعودت على الصراخِ بكل طاقتي من وراء الحجرات كي أتواصل مع أصدقائي في المعتقل.

باختصار شديد، كان هناك ميلادٌ ثانٍ بالنسبة لنا، غير أن الأرضَ قذفتنا من جوفها ونحن رضعٌ في عمر الشيوخ.

سؤال: أنت ورفاقك وتلاميذ المدرسة العسكرية "أهرمومو" شاركتم في الانقلاب دون أن تكونوا على علم بذلك، وهو ما تأكد للجميع بمن فيهم الملك الحسن الثاني. ما التفسير الذي تقدمه لشرح أسباب الزج بكم في معتقل تازمامارت في الصحراء القاحلة طوال 18 سنة في ظروف غير إنسانية؟ لمن تحملون المسؤولية؟

في نظرك، لمن تريد أن أُحمِّل المسؤولية؟ هل استعمل لغة الخشب وأحملها للمغلوبين على أمرهم؟ من سيكون المسؤول إن لم يكن الملك الحسن الثاني؟
هذا أمر معروف جداً، لذلك يجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها دون لفٍّ ولا دوران.

أما سببُ دفننا أحياء في معتقل تازمامارت، فهو ضرب المثل لمن سوَّلت له نفسه أن يفكر في الانقلاب. نحن استُعملنا كفئران تجارب لا غير.

سؤال: حاليا، كيف تعيش؟ ما هو مدخلوك؟

هيئة الإنصاف والمصالحة لم تنصفنا على غرار المعتقلين المدنيين الذين سوَّت وضعَهم بأثر رجعي، فمن كان يشتغل في سلك التعليم أعيد لهُ، ومن وصل سن التقاعد أحيل على التقاعد، إلا نحن العسكريون.

لقد كنا نتقاضى من سنة 1994 إلى غاية 2001 منحة مؤقتة قوامها خمسة آلاف درهم شهرياً (حوالي 530 دولار)، مُنعت عنا دون مبرر أو سابق إشعار في الوقت الذي كنا ننتظر أن يعاد فيه النظر بقصد الزيادة (حسب بعض الوعود التي أعطيت لنا).

وأعتقد جازماً أن من بين الأسباب التي جعلتنا لا نستفيد من توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، هي أولاً وجود ضغينةٍ مجانية يكنُّها لنا بعض المسؤولين ممن ذاقوا بالأمس مثلنا مرارة الأسر ثم استمروا ومع "المخزن" حلاوة نعمه.

والسبب الثاني أننا لم نجد في الجيش من يدافع عنا على غرار المعتقلين المدنيين، خوفا من أن يُنعَت كلُّ مدافعٍ عسكري بالتعاطف مع الانقلابين.

أما كيف أعيش؟ فأنا أتدبر أمري يوما بيوم، لي زوجة، ربة بيت، وثلاثة أطفال، أحاول جهد مستطاعي أن أكفي حاجتهم، مرةً عن طريق ترجمة بعض النصوص من الفرنسية إلى العربية، وأخرى عن طريق الفلاحة في موسم الزيتون.

ومع مرور كل يوم، أحمد الله عليه حمداً كثيراً لأني أعتبر نفسي محظوظاً جداً كونَه أسبغَ عليَّ نعمه ظاهرةً وباطنة وعلمني كيف أستمتعُ بجمال الحياة.

سؤال: معروفٌ أنك تترجم بعض الكتابات بطريقة جدُّ رائعة، يشهد لك بها الجميع، دون أن ننسى أنك كاتبٌ له إصداراتٌ حققت نجاحاً في السوق الأدبية بالمغرب.

ما السر وراء ذلك وأنت قضيت قرابة عقدين من الزمن في معتقل رهيب وبقيت طوال تلك المدة منقطعاً عن العالم الخارجي؟ بمعنى، كيف حافظت على لياقتك الفكرية دون أن تتاح لك أي وسيلة للتعلم داخل السجن؟

الرصيد المتواضع الذي كان لدي من الثقافة، يرجع عهده إلى كل قراءاتي قبل اعتقالي. لقد كنت شاباً مدمناً على القراءة والمطالعة خصوصاً في مدرسة "أهرمومو" العسكرية، وكنا نقرأ كل ما يسقط بين أيدينا من كتب رغم أنها لم تكن متوفرة كما هو الحال اليوم.

في الطور الثانوي، كنا خمسة أو ستة أصدقاء نذهب عند الكتبي بعد اتفاق مسبق، فيشتري كلُّ واحد منا كتباً مختلفة عن الآخرين، وبعد الاطلاع عليها، نبادل الكتب فيما بيننا وهكذا دواليك.

هذا النزر اليسير من المعرفة، إضافة إلى ما حفظته من القرآن الكريم، استثمرته فيما بعد، ثم أضفت إليه نصيباً آخر لمَّا استأنفت المطالعة مباشرة بعد خروجي من الأسر.

وبكل تواضع، أعتقد بأنِّي هاوي قراءة وكتابة، ولست بمثقف ولا كاتب.

سؤال: في 30 يوليوز الجاري سيتمُّ الملك محمد السادس 19 سنة من الحكم. كيف تنظر إلى التطور الذي عرفه المغرب خلال عهدة محمد السادس المستمرة على مستوى حقوق الإنسان؟

لما اعتلى محمد السادس العرش خلفاً لوالده صيف 1999، حصل ابتهاجٌ كبير وفرحةٌ عارمة بسبب التخلص من عهد ثقيل وقعت فيه خروقاتٌ خطيرة لحقوق الإنسان، إضافة إلى ما كان يرزح تحته الشعب المغربي من العيش تحت الرعب المتواصل.

وهكذا ظهرت بوادر انفراج، حيث أُحدثت لجنة التعويض المستقلة، ثم بعدها أنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة، ونفذتِ الأخيرة عملاً محموداً كشفت فيه عن كثير من المقابر الجماعية وعوَّضتِ العديد من المتضررين، كما أصدرت العشرات من التوصيات الهامة.

لكن عملها اتسم منذ البداية بالنقصان، فاشترطت عدم ذكر أسماء الجلادين، وهو ما شكَّل إساءة كبيرة لهذه التجربة، بحيث أن الدولة عمدت إلى حماية المسؤولين عمّا وقع، ومتعتهم بالتالي بالإفلات من العقاب، وهذا في حد ذاته كشفٌ واضح عن نيّتها في عدم الذهاب بالملف إلى نهايته، وسعيٌّ واضح منها إلى طيّ الصفحة بالطريقة التي تريدها هي.

كما أن الهيئة تراجعت عن الكثير من الوعود التي قطعتها على نفسها، منها تسوية وضعية ضحايا تازمامارت، وتأهيل المناطق التي طالها القمع. لقد أمِلنا أن ننخرط في انتقالٍ ديمقراطي حقيقي تُفصل فيه السلطة وتصان الحريات وتتساوى الفرص حتى نصل تدريجياً إلى دولة الحق والقانون، ولكن كلُّ ذلك ذهب أدراج الريح.

فالمكتسباتُ الهشَّة التي حُقِقت بفضل دماء ودموع قوافل الشهداء والمناضلين أُصيبت بانتكاسةٍ خطيرة، ورجعنا بالتالي مع الأسف الشديد إلى نقطة البداية، وكأن حظنا من هذا هو حظ "سيزيف" في الأسطورة الإغريقية.

وخيرُ من يشهد على هذا هي الأحكام الثقيلة والقاسية التي صدرت في حق أناسٍ لم يكن ذنبهم سوى أنهم طالبوا بأشياء معقولة كالمدرسة والجامعة والطريق والمستشفى. كما أن الحكم الصادر في حق الأخ الصحافي حميد المهداوي مجحفٌ يرومُ المسؤولون من ورائه إخراس كل من له رأي مغاير لرأي الدولة.

سؤال: هل سامحتم مَن وضعكم في تلك الظروف اللاإنسانية والمعاناة القاسية التي عشتموها في تازمامارت؟

هذا السؤال طُرح عليَّ مئاتِ المرات، وفي كل اللقاءات التلفزية في الداخل والخارج. أقول لك وبكل صدق، وإن كان البعض يرى بأنني أتصنع وأريد أن أقدم نفسي في أبهى حلّة من الطيبة، ولكن الحقيقة هي أنني لا أرجع بتاتاً إلى الماضي. وأيِّ إنسانٍ، إذا كان يفتخر بإنسانيته فعليه ألَّا يفكر في عقاب الناس بمثل ما عوقب به.

الحقد والضغينة وحب الانتقام أشياء فظيعة هدَّامة تقتل في الإنسان كل فضيلة وتجعل دواخله فرسية لكل السموم الفتاكة.

لقد اهتديتُ إلى هذا مبكراً وتركتُ كلَّ ذلك وراء ظهري كي أعيش حياتي مطمئناً مرتاحاً، علاوة على ذلك، نحن لن نبني صرح أمة بالأحقاد والكراهية.

ولن أبالغ إذا قلت بأن تازمامارت أرهفت حسِّي وجعلتني في منتهى الحساسية، فكلما رأيتُ فأراً يتبعه الأطفال من أجل قتله تجدني أحاول أن أدافع عنه وأخلي سبيله، بل وحتى إذا رأيت صرصاراً، فأنا أتركه لحاله، فناهيك عن تجاوبي مع مآسي الناس وهمومهم.

سؤال: دائما بعلاقة مع الاعتقالات والسجون، كيف تنظر إلى الأحكام الصادرة في حق نشطاء حراك الريف الذين أدينوا بعقوبات سجنية طويلة لم تكن متوقعة؟

صُدمت، تلك الأحكام ثقيلة وظالمة، والدليل القاطع ردَّة فعل الشارع المغربي، فمعياري هو الحي الشعبي الذي أعيش فيه، جميعهم متذمرون وقلقون ومصدومون، سواء تعلق الأمر بحراس السيارات أو نادلي المقاهي أو التجار الصغار أو بائعي الخضر والفواكه، أو ماسحي الأحذية.. إلخ.

لم أجد شخصاً واحداً ضمن كل هذه الفئات الشعبية صفق لهذه الأحكام، الجميع دون استثناء يدينونها، وبما أن الحديث النبوي يقول "ما اجتمعت أمتي على ضلالة"، فإنه لا يمكن بتاتاً لملايين المغاربة أن يكونوا جميعهم مخطئين.

أقوال جاهزة

شارك غردأحمد المرزوقي: "الأحكام الصادرة في حق نشطاء حراك الريف ثقيلة وظالمة، نطالب بإطلاق سراحهم، ونريد مغرب يتسع لجميع أبنائه، يعيش فيه كل فرد بكرامة مصونة واستقرار دائم".

شارك غردللمرزوقي زوجة وثلاثة أطفال، يحاول جهد مستطاعه أن يكفي حاجتهم، مرةً عن طريق ترجمة بعض النصوص من الفرنسية إلى العربية، وأخرى عن طريق الفلاحة في موسم الزيتون.

الأحكامُ في حدَّ ذاتها غامضة وغير مفهومة، مادام هؤلاء الأشخاص قد خرجوا في مظاهرات سلمية وحضارية ينددون بالفساد ويطالبون بالحد الأدنى من العيش الكريم، فإذ بهم يدانون بالسجن.

يحدثُ هذا في الوقت الذي نجد فيه المفسدين في الأرض واللصوص وقطاع الطرق والمغتنين بالريع أحراراً طلقاء يتمتعون بكامل الحماية.

نحن في النهاية لا نطالب سوى بمغرب يتسع لكل أبنائه ويعيش فيه كل فرد بكرامة مصونة واستقرار دائم، ولكن ليس ذلك الاستقرار الجبان المغشوش الذي يزداد الغني فيه غنىً والفقير فقراً.

أرجوا من كل قلبي أن يطلق سراح جميع المعتقلين فوراً ودون قيد أو شرط إن كنا حقاً نحب مصلحة هذه البلاد. نريد أن يتحقق الانفراج قريباً ليعمَّ السلم والطمأنينة.

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

التعليقات

المقال التالي