هل بدأ العد التنازلي لفتح سفارة إسرائيلية في الرياض؟

هل بدأ العد التنازلي لفتح سفارة إسرائيلية في الرياض؟

لا يمكن اعتبار المقال الذي نشرته صحيفة الخليج السعودية الإلكترونية، وحمل عنوان "نعم لسفارة إسرائيلية في الرياض وعلاقات طبيعية ضمن المبادرة السعودية" مجردَ رأيٍّ شخصيّ لكاتبه السعودي دحام الجفران العنزي.

فكاتب المقال معروف بترويجه الدائم لسياسات النظام السعودي الجديدة، خصوصاً تلك المتعلقة بموقف الرياض الجديد من الدوحة، كما يعدّ ضيفاً دائماً على أهم القنوات الإخبارية السعودية، ما يعني رضا السلطات السعودية عنه، إذاً فنحن لا نتحدث عن كاتب عادي، ولا عن مقال نشره موقع سعودي مغمور.

يمكن اختصار المقال في الفقرة الأخيرة منه، حيث يقول العنزي "سنفرح كثيراً لرؤية سفارة إسرائيلية في الرياض وسفارة سعودية في عاصمة إسرائيل القدس الغربية. وكلّي ثقة أن كثيراً من السعوديين وأنا أحدهم سيسعدنا السفر إلى دولة إسرائيل والسياحة هناك ورؤية الماء والخضرة والوجه الحسن".

يطرح توقيت نشر المقال عدة أسئلة، منها، هل هو مجرد جسّ نبض أو بالونة اختبار لما سيحدث بالفعل في المستقبل القريب؟ وهل يمكن القول أن العد التنازلي لفتح سفارة إسرائيلية في الرياض، وفتح سفارة سعودية في إسرائيل قد بدأ؟ وهل ثمّة علاقة بين المقال وبين ما يطلق عليه إعلامياً صفقة القرن؟

ماذا جاء في المقال؟

يعتبر العنزي أن مقاله ردُّ فعلٍ على دعوة عضو الكنيست الإسرائيلي النائب يوسي يونا لرئيس وزراء حكومته بنيامين نتنياهو بالموافقة على مبادرة السلام السعودية، ودعوة ولي العهد محمد بن سلمان لزيارة إسرائيل وإلقاء خطابٍ في الكنسيت.

يقول الكاتب إنه حين سمع ذلك حدَّثَ نفسه أن بلاده كانت ولازالت وستبقى داعية سلام ومناصرة للسلام وأهله، حرباً على الإرهاب وأهله، على حد تعبيره.

يستمر العنزي في مقاله "حين أطلق الملك عبدالله رحمه الله مبادرة السلام السعودية عام ٢٠٠٢ في قمة بيروت كان يؤكد أن السعودية تؤمن أن السلام العادل والشامل خياراً استراتيجياً من خلال الشرعية الدولية وأن السلام الحقيقي سيقطع دابر المزايدات القومجية ويفضح أكاذيب الجماعات المتطرفة والحركات الإسلامية المجرمة التي تُمارس الاٍرهاب متدثرة بغطاء الدفاع عن القضية الفلسطينية".

واعتبر العنزي أن "الحركات الإسلامية الإرهابية كحماس والإخوان المسلمين وحزب الله والقاعدة وداعش وغيرها، كلها لها خطابها المخادع للبسطاء والسذج، يحمل شعار القضية الفلسطينية ولأن السعودية ذات ثقل ومصداقية تبنت الدول العربية عبر مجلس الجامعة العربية، تلك المبادرة التي أصبحت تعرف فيما بعد المبادرة العربية والهادفة لإقامة دولة فلسطينية فيما يعرف بالأرض مقابل السلام".

في المقال أعلن العنزي اتفاقه مع عضو الكنيست في دعوته، قائلاً إن "على نتنياهو إذا أراد أن يصبح شريكاً حقيقياً في صناعة السلام أن يوافق على المبادرة العربية وأن يدعو كبير العرب وقائد العالم الإسلامي المملكة العربية السعودية".

وفي جزء من المقال يضيف "لابد لهذه القضية الفلسطينية من حل فقد أزعجت الجميع عقوداً طويلة وأعطت ذريعة لكل إرهابيي العالم أن يتذرعوا بها ويرفعوا الدفاع عنها شعاراً".

"أعتقد أن على نتنياهو أن يفعلها ويدعو الأمير الشاب إلى إلقاء خطاب في الكنسيت ولا أعتقد أن صانع سلام مثل محمد بن سلمان سيتردد لحظة واحدة في قبول تلك الدعوة إذا اقتنع أن هناك رغبة إسرائيلية حقيقة في السلام ورأى شريكاً حقيقياً يريد استقرار المنطقة وعودة الهدوء والسلام"، يقول كاتب المقال.

لكن الجزء الأهم في المقال هو حديث العنزي عن أن "إسرائيل دولة عضو في الأمم المتحدة ومعترفٌ بها من دول العالم بما فيها الخمس العظمى، ومصلحتنا تقول بقبول علاقات طبيعية مع اسرائيل كونها دولةً مؤثرةً جداً في هذا العالم إن لم نقل إنها تسيطر على صناعة القرار في دول عظمى عديدة والمصلحة أيضا تقول إننا نحتاج لحلفاء كإسرائيل لمواجهة العدو الحقيقي، المشروع الفارسي، إضافة إلى المشروع العثماني في المنطقة".

ولم يفت الكاتب أيضاً إعطاء مقاله نزعة دينية "كمسلمين ليس لدينا مشكلة مع اليهود أبداً ولا مع اليهودية كديانة، وكسعوديين ليس لدينا مشكلة مع الشعب اليهودي مثله مثل بقية الشعوب الأخرى بل إنني أتذكر طيلة السنوات التي كنت مقيماً فيها بواشنطن، ألتقي كثيراً من اليهود الإسرائيلين وينادونني بابن العم وهم فعلاً أبناء عمومة وأقرب للعرب من الجنس الفارسي والتركي".

"نحن وإسرائيل في خندق واحد من حيث محاربة الاٍرهاب التي تصنعه وتموله وتغذيه إيران ووكلاؤها في المنطقة من أحزاب ومنظمات ودول وفِي خندق واحد أيضاً في فضح المشروع العثماني الاستعماري وأكذوبة الخرافة الإسلامية، الخلافة المزعومة، أنا واثق وكلي إيمان أن الشعب الاسرائيلي يريد السلام ويرغب في العيش بسلام تماماً مثل الشعب السعودي".

لقي مقال العنزي ترحيباً إسرائيلياً واضحاً، حيث سرعان ما شاركه حساب "إسرائيل بالعربية" على تويتر، مع تعليق "نرد عليه أن يد إسرائيل ممدودة للسلام مع كل دول الجوار".

ليس مجرد مقال والسلام

يعتبر مراقبو المقال أنه الأول من نوعه الذي يتناول علاقة السعودية بإسرائيل بهذا الشكل الصريح والمباشر، وربط البعض بين أفكاره وبين ما جاء في تسريبات "صفقة القرن".

وبحسب الباحثة بمعهد البحوث والدراسات العربية رحمة محمود، فإن التعامل مع مقال العنزي باعتباره مجرد "مقال والسلام" ليس الأمر الصحيح، حيث لا يمكن اعتباره مجرد أفكار شخصية للكاتب، الذي يعلم جيداً أن ترويج أفكار مثل هذه في المجتمع السعودي لا يمكن أن تتم دون إذن من السلطات.

وترى الباحثة أن الكاتب بالتأكيد حصل على تصريح بالحديث عن موضوع مثل ذلك، ما يعني أن ما جاء في كل التسريبات المتعلقة بصفقة القرن سليمة إلى حد كبير.

وتربط محمود بين الزيارة المثيرة للجدل التي أجراها مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر إلى الشرق الأوسط مؤخراً، وبين موعد نشر مثل هذا المقال.

وكان كوشنر قد بدأ زيارة إلى الأردن، وبعدها السعودية، ثم مصر وقطر قبل أن يتوجه إلى إسرائيل، رافقه في جولته، التي كان ملفها الرئيس "إحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين"، جيسون غرينبلات، الممثل الأمريكي الخاص للمفاوضات الدولية.

أقوال جاهزة

شارك غردكاتب سعودي يتمنى رؤية سفارة إسرائيلية في الرياض وسفارة سعودية في عاصمة إسرائيل... وباحثة تقول إن مقاله "بالونة اختبار" للسعوديين، والعد التنازلي لتحويل الأمر إلى حقيقة قد بدأ بالفعل.

شارك غردكاتب سعودي يؤكد أن الإسرائيليين يريدون السلام ويرغبون في العيش بسلام تماماً مثل الشعب السعودي، وهم أبناء عمومة وأقرب للعرب من الجنس الفارسي والتركي.

وتعكف إدارة ترامب على وضع خطة سلام، باتت تُعرف إعلامياً بـ"صفقة القرن"، لكن حتى هذه اللحظة لم تكشف الولايات المتحدة بشكل رسمي عن تفاصيل هذه الصفقة المثيرة للجدل.

وتُظهر بعض التقارير الإعلامية أن ما بات يُعرف بصفقة القرن يتضمن إقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة والمناطق (أ) و(ب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية.

ويتضح في ملامح هذه الصفقة أن الدول المانحة ستوفر نحو 10 مليارات دولار لإقامة الدولة الفلسطينية وبنيتها التحتية، منها مطار وميناء بحري في غزة، إلى جانب مشاريع للإسكان والزراعة ومناطق صناعية ومدن جديدة.

وتتضمن صفقة القرن أيضاً بدء مفاوضاتٍ حول محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية.

وبحسب رحمة فإن المقال يضيف لصفقة القرن بُعداً آخر يتعلق بوجود سفارة إسرائيلية في الرياض، وسفارة سعودية في إسرائيل، مضيفة "يبدو الأمر منطقي أكثر الآن، إذ كيف يمكن أن تقود المملكة العربية السعودية مفاوضات حول محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية دون أن يكون هناك سفارة إسرائيلية على أراضيها، وسفارة لها داخل إسرائيل؟ أظن أن العد التنازلي لتحقيق ذلك قد بدأ بالفعل".

وتصف الباحثة الأمر بأنه أقرب لبالونة اختبار وجس نبض للسعوديين، وتختم "الشرق الأوسط يتغير تماماً، هذه هي الحقيقة الوحيدة التي يجب أن نؤمن بها".

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
إسرائيل السعودية

التعليقات

المقال التالي