كي تمرّ صفقة القرن... هل "يطير" أبو مازن من رئاسة السلطة الفلسطينية؟

كي تمرّ صفقة القرن... هل "يطير" أبو مازن من رئاسة السلطة الفلسطينية؟

يبدو أن خطة السلام التي تعتزم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرحها قريباً، والمعروفة إعلامياً بـ"صفقة القرن"، ستتأخر قليلاً، من أجل تمهيد الأجواء، وإزالة العوائق والرافضين لها، وتحسين أوضاع الفلسطنيين اقتصادياً، لا سيما في قطاع غزة، كي يتقبلوها.

ونشرت وسائل إعلام غربية وإسرائيلية معلومات تقول إن أسباب التأخير تتمثل في تحذير ممثلي دول عربية لإدارة ترامب من أن الصفقة قد تزعزع استقرار بلدانهم في حال طرحها في الوقت الحالي.

لكن بعض التقارير تشير إلى وجود عقبة أكبر، وهي رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس للخطة المنتظرة، ورفضه مناقشتها من الأساس.

وتعتبر بعض الآراء أن مخاطبة مبعوث ترامب للسلام في الشرق الأوسط جاريد كوشنر للجمهور الفلسطيني من خلال حوار مع صحيفة "القدس" المحلية كان مؤشراً على فشل الإدارة الأمريكية في كسب التأييد العربي للخطة في الجولة الأخيرة التي قام بها كوشنر والممثل الأمريكي الخاص للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات إلى أربع دول عربية، وأن الإدارة الأمريكية لجأت إلى الإعلام العربي في محاولة لتخفيف رفض الصفقة.

وفي المقابلة التي أجرها مع صحيفة القدس الأسبوع الماضي، شكك كوشنر في قدرة عباس على الموافقة على الصفقة الجديدة التي تعتزم واشنطن طرحها، وقال: "إنني أشكك في مدى قدرة الرئيس عباس، أو رغبته، في أن يميل إلى إنهاء الصفقة... لديه نقاط الحوار التي لم تتغير خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام في ذلك الوقت".

هل سيتم التخلص من عباس لتمرير الصفقة؟

أمام رفض الرئيس الفلسطيني للصفقة، راح كثيرون يتحدثون عن مساعٍ لإزاحته عن رأس مؤسسات صنع القرار الفلسطينية.

ويقول مدير تحرير مجلة سياسات عربية الدكتور أحمد قاسم سليمان إن كوشنر ألمح في حواره إلى أنه سيعرض الخطة على الملأ في حال استمرت السلطة الفلسطينية بمعارضتها، لإظهارها بمظهر المعطل للعملية السلمية، "ما يعني بداية التحضير للتخلص من عباس في حال استمر في رفض الصفقة الأمريكية".

وأضاف سليمان لرصيف22 أن كثيرين يسعون لخلافة الرئيس الفلسطيني ولملء الفراغ الذي سيتركه، لافتاً إلى أن القوى الغربية ممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لم يعد يعنيها غياب عباس، في ظل وجود كثيرين مستعدين لتقديم خدماتهم.

قبل أيام، نشرت هيئة تحرير صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية افتتاحية بعنوان "أرحل يا عباس"، طالبت بالإطاحة بالرئيس الفلسطيني من منصبه، مشيرة إلى أن أبا مازن ومستشاريه يقفون ضد التغيير منذ عقود، وهم موجودون في مناصبهم منذ تسعينيات القرن الماضي، ككبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات.

وأضافت: "لقد منعوا بشكل منهجي جيلاً جديداً من الفلسطينيين من الصعود. عندما انعقد المجلس الوطني في أبريل الماضي، كان هناك عدد قليل من الوجوه الشابة أو النساء. لقد نشأ جيل الشباب في أعقاب اتفاقات أوسلو ولم يروا حياتهم تتحسن. يتم تأجيل الانتخابات بشكل مستمر. بات الشباب يشعرون بالإحباط من قيادة السلطة الفلسطينية أكثر من إحباطهم من إسرائيل".

واعتبرت الصحيفة العبرية أن السلطة الفلسطينية تريد الانتظار حتى يترك ترامب منصبه، لتحصل على صفقة أفضل في ظل الإدارة القادمة، مضيفةً أن المسؤولين الفلسطينيين يعتقدون أن الولايات المتحدة ليس لديها خيار آخر إلا الحديث معهم.

واختتمت الصحيفة افتتاحيتها بالقول: "لقد حان الوقت لكي تتولى قيادة جديدة، كي تتحدث عن السلام وتمنح الجيل القادم فرصة حقيقية".

البديل جاء من واشنطن... هل ينسحب أبو مازن من المشهد؟

قبل أيام، التقى عباس رئيس الوزراء السابق سلام فياض، بعد قطيعة طويلة، وفي ظل تراجع كبير في حالة أبو مازن الصحية، ما أثار تكهنات بأن هذا اللقاء جاء للترتيب لمرحلة انتقالية، قيل إنها ستكون لمدة ستة أشهر وتجرى خلالها انتخابات رئاسية وتشريعية، خاصةً أن فياض شخصية توافقية وغير حزبية ومدعومة من مصر.

يؤكد مصدر فلسطيني مطلع أن اللقاء كان إيجابياً وجرى في بيت أبو مازن بناء على طلبه، ولم يشارك أي شخص آخر فيه، واستمر لمدة ثلاث ساعات، رغم أن الرئيس بحسب تعليمات الأطباء لا يمكنه الاستمرار في أي اجتماع أكثر من ساعة.

وأضاف المصدر لرصيف22 أن فياض كان قادماً من واشنطن، ومرّ على القاهرة وعمان، حيث التقى مسؤولين كباراً فيهما، مشيراً إلى وجود بعض العوائق في اللجنة المركزية لفتح أمام رئيس الوزراء السابق، وإلى وجود العديد من الشخصيات التي تكره فياض وتطمح للمنصب الأول.

ويلفت أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس الدكتور أيمن الرقب إلى أن الحديث حالياً يدور حول تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة فياض وبمشاركة حماس، و"هو أمر جيد"، برأيه.

أقوال جاهزة

شارك غرد"الشخصيات المرموقة التي شاركت في إعداد صفقة القرن ليس لديها تعاطف مع المصريين والسعوديين، ولا تحترم الرأي العام العربي، ولا تحترم سوى اليهود، وليس كل اليهود أيضاً"

شارك غرد"حديث وسائل الإعلام والمسؤولين الأمريكيين عن أبو مازن في الوقت الحالي تشبه التصريحات التي سبقت وفاة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرافات"

ويضيف أن "المندوب السامي القطري في الأراضي المحتلة" محمد العمادي، على حد وصفه، صرّح أنه يدير مفاوضات بين حماس والاحتلال بعلم واشنطن تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي في غزة، لذلك "قد يكون التحرك المتأخر للرئيس عباس لقطع الطريق على لاعبين دوليين وإقليمين يضعون خطوات لفصل غزة عن الضفة مستغلين الوضع الإنساني في القطاع".

وأفاد الرقب بأن الجانب المصري يضغط على جميع الأطراف لإنجاح جهد تشكيل حكومة مصالحة، مضيفاً أن محاولة رئيس السلطة تشكيل هذه الحكومة وتحقيق المصالحة ليست نابعة من منطق حسن الختام، ولكن لشعوره وشعور مَن حوله بأن البساط يُسحب من تحت أقدامهم.

وأوضح القيادي الفلسطيني أن عباس ليس ضد صفقة القرن، ولكنه لن يعلن قبولها بشكل رسمي، مضيفاً أن الصفقة يجري تنفيذها في غزة منذ قرابة عام ونصف، لدفع القطاع للقبول بالانفصال وهذا جزء جوهري من الصفقة.

وتوقع تحقيق حكومة وحدة وطنية تفضي إلى إجراء انتخابات عامة برلمانية ورئاسية، مستبعداً أن يتولى فياض منصب رئيس السلطة بشكل انتقالي، لأنه في حالة غياب أبي مازن أو تنازله سيتولى هذا المنصب، وفقاً للدستور، رئيس المجلس التشريعي والقيادي في حركة حماس عزيز الدويك.

جديد صفقة القرن... قناة السويس وشمال السعودية

يؤكد الدكتور أحمد قاسم حسين أن الخطة الأمريكية تظهر أنها تركز في جوهرها على إقامة سلام اقتصادي، أي مشاريع اقتصادية للفلسطينيين، وكأن الصراع يدور حول قضايا معيشية اقتصادية، وليس صراعاً وجودياً.

ويقول لرصيف22: "لقد تغاضوا في الخطة عن قضايا الصراع الأساسية المتمثّلة بعودة اللاجئين والمياه والقدس والحدود".

وقال الكاتب عودة بشارات، في مقال في صحيفة هآرتس، إن الخطة مصممة ليس فقط للقضاء على المصالح الفلسطينية، ولكن أيضاً ستتحمل الدول العربية التكلفة الإجمالية لتنفيذها، مشيراً إلى أنه من المفترض أن تدفع السعودية ودول الخليج تكاليف إعادة إعمار ما دمّرته إسرائيل، والأسوأ من ذلك، وفقاً للمحلل، أنه من المفترض أن تخصص مصر أرضاً من سيناء لإقامة مشاريع للفلسطينيين لتحسين الوضع الاقتصادي لسكان غزة.

ويذكر الكاتب أنه كتب مقاله في ضوء الفشل الذريع لجاريد كوشنر في ما يتعلق بطرح الصفقة التي تتكون من عنصرين: القوة المطلقة والكثير من المال لإسرائيل.

وأضاف أن الصفقة تبقي الاحتلال فعالاً ومسيطراً، وسيواصل الفلسطينيون طلب تصاريح السفر من إسرائيل، وستبقى نقاط التفتيش.

ويشير الكاتب إلى أن القادة العرب "توسلوا للإدارة الأمريكية"، على حد تعبيره، بعدم نشر الخطة للحفاظ على استقرار بلدانهم، وختم مقاله بالإشارة الى مسألة جوهرية في صفقة القرن وهي أن الشخصيات المرموقة التي شاركت في إعدادها منذ العام الماضي ليس لديها تعاطف مع أصدقائهم المصريين والسعوديين، ولا تحترم الرأي العام العربي، ولا تحترم سوى اليهود، و"ليس كل اليهود أيضاً".

هل حقاً وافقت الدول العربية على صفقة القرن؟

يؤكد السفير الفلسطيني السابق في القاهرة والقيادي في حركة فتح جمال الشوبكي أن الرئيس محمود عباس لن يناقش هذه الصفقة، لأن بنودها، معروفة، وهي الأدبيات الصهيونية، ويمكن قراءتها في كتب الصهاينة: لا وجود لدولة فلسطينية ولا قدس ولا أي شيء.

وكشف الشوبكي أن القيادة الفلسطينية تلقت تأكيداً مصرياً الأسبوع الماضي برفض القاهرة لصفقة القرن، كما تلقت السلطة أيضاً تأكيدات من الأردن والسعودية برفض هذه الخطة، مضيفاً أن هذا الموقف العربي جعل أبا مازن ثابتاً على موقفه.

وحذّر الشوبكي من أن السلطة الفلسطينية والأجهزة المعنية في القاهرة والرياض وعمان رصدت محاولات من الصحف الإسرائيلية لإعطاء تصورات للرأي العام العربي والعالمي بأن هناك دولاً عربية وافقت على هذه الصفقة، ما يعني موافقتهم على التخلي عن القدس.

وشدد الدبلوماسي الفلسطيني على ضرورة وعي المعارضة في الدول العربية بأنها لا يجب أن تنجر خلف تقارير هذه الصحف ولا يجب أن تروّج لها من أجل مهاجمة الحكومات العربية.

وقال الشوبكي لرصيف22 إن الخطة المعروضة تهدف إلى تهجير الشعب الفلسطيني خارج أرضه على المدى القريب، وتقترح إقامة دول فلسطينية في شمال سيناء، وفي حال فشل ذلك، يعرضون إقامتها في شمال السعودية مع الأردن، مضيفاً أنهم بدأوا بتصفية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لطمس حقيقة وجود لاجئين فلسطنيين.

ويشبّه الشوبكي حديث وسائل الإعلام والمسؤولين الأمريكيين عن أبي مازن في الوقت الحالي، بالتصريحات التي سبقت وفاة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرافات.

ولا شك في أن الرئيس الفلسطيني يتذكّر كيف أجبرت الولايات المتحدة والقوى الإقليمية في عام 2003 الرئيس الراحل ياسر عرافات على القبول به رئيساً للوزراء بصلاحيات خاصة، كي يبدأ مفاوضات السلام حول "الشرق الأوسط الكبير"، في ظل إدارة جورج دبليو بوش.


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

التعليقات

المقال التالي