حملات "تمرّد" في دول عربية... قصة حركات استلهمت نموذجاً مصرياً

حملات "تمرّد" في دول عربية... قصة حركات استلهمت نموذجاً مصرياً

حشود غفيرة من البشر ملأت ميدان التحرير في 30 يونيو 2013 وأطلقت شعارات ضد السلطة بحماسة، بعد أن ألهبت حماستها عريضة تطالب بسحب الثقة من الرئيس المصري حينذاك محمد مرسي، باسم حملة تمرد.

ولم تبقَ تلك التجربة حبيسة مصر، بل جابت دولاً عربية عدّة ووصلت إلى تونس والسودان وغزّة. فما هو مصير تلك الحركات بعد خمس سنوات على إطلاقها؟

تمرّد المصرية... البداية

"العريضة هي السر". بهذه الكلمات بدأ الثلاثي حسن شاهين، أحد مؤسسي حركة تمرّد، بسرد تجربته. كان هو صاحب فكرة العريضة التي أنهت حكم جماعة الإخوان في مصر.

بدأت القصة وسط جو مشحون بين مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين ومعارضيهم. ففكر شاهين في وسيلة سلمية للمطالبة بإنهاء حكم الجماعة عبر دعوة المصريين للتوقيع على عريضة لسحب الثقة من مرسي.

وكشف شاهين أن فكرة التسمية أتته من مجلة سورية، وبالتحديد من مقال حمل اسم "تمرد". لفتت نظره التسمية لأنها كانت جديدة ومختصرة وغامضة، فطرح الفكرة والاسم على بعض أصدقائه وكوّنوا مجموعة من خمسة أفراد من داخل حركة "كفاية".

ويقول شاهين لرصيف22 إن المجموعة بدأت بطباعة الاستمارات والإعداد لمؤتمر طرحها في 28 أبريل 2013، على نفقة أعضائها الخاصة، ثم تشكلت لجنة مركزية من 50 شخصاً للتنسيق على مستوى المحافظات.

وكان الاختبار العملي الأول في يوم عيد العمال، حينما بدأت المجموعة توزع الاستمارات وفوجئت بأنها نفذت، وبأن الناس طبعوا مجموعة أخرى.

يتحدث شاهين عن محاولة الاعتداء على أصحاب المبادرة، وعن محاولة حرق مقرها، وعن تلقيه تهديدات مباشرة في شارع شبرا، ولكن هذه الصعوبات زادت إصرار المجموعة، حسبما يروي.

وبحسب شاهين، تبنّت تمرد "إيديولوجية الهوية الوطنية المصرية"، ونحّت باقي الإيديولوجيات والصراعات جانباً، و"هذا كان من أسباب الانتصار".

ويشير شاهين إلى أنه كان يرى النجاح منذ اليوم الأول، خاصة مع الاستجابة الشعبية لفعاليات الحملة، "بل كان هناك مَن يقوم بفعاليات باسم تمرد ويصورها ويرسلها بالإيميل ولم تنظمها الحركة أو تعلم عنها شيئاً"، يقول.

وجرى فرز الاستمارات في مقرات الأحزاب والمقرات الرئيسية للحملة، وأظهرت وجود 20 مليون استمارة، و"هنا جنّ جنون الإخوان وحاولوا الهجوم على المقرات"، يضيف.

كان يوم 30 يونيو 2013 مفصلياً بالنسبة للحملة. "هدفت الحملة منذ إنشائها إلى نزول الناس في تظاهرات يوم 30 يونيو"، يقول شاهين، وما كانت الاستمارات سوى محاولة لتحفيز الشارع على النزول، ونجحت المجموعة في تحقيق ذلك.

وعن يوم الثالث من يوليو الذي شهد عزل محمد مرسي، يقول شاهين إنه "لم يكن أمراً مفاجئاً، وإنما سبقته اجتماعات ومفاوضات بين تمرد وجبهة الإنقاذ و المؤسسة العسكرية التي نفّذت ما أراده المصريون، وأقرّت خارطة الطريق".

بحسب شاهين، انتهى دور تمرد في ذاك اليوم، لأن اتباعها ينتمون إلى تيارات فكرية عدة ومن المستحيل أن يظلوا تحت مظلة واحدة، و"تحويل الحركة إلى حزب هو احتكار لإرادة المصريين الذين شاركوا في بناء تمرد".

رغم ذلك، بقيت حركة تمرّد ظاهرة لفترة في المشهد المصري قبل أن تختفي عملياً، وبدأت تظهر خلافات داخلها بسبب ممارسات السلطة المصرية الجديدة، كما ظهرت خلافات كبيرة بعد ترشح المشير عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية.

واختار قسم من الحملة، يقوده محمود بدر، المتحدث باسمها، متابعة العمل السياسي تحت اسم تمرد، كظهير شعبي داعم للرئيس السيسي، ودخلوا إلى البرلمان عبر قائمة في حب مصر.

تمرد السودان... ثورة لإسقاط النظام

"تمرّد السودان" التي طلقت استمارة لونها برتقالي للمطالبة بإسقاط الرئيس السوداني عمر حسن البشير، هي حركة تمرد الوحيدة الباقية بهيكلتها ونشاطها منذ إنشائها قبل نحو أربع سنوات.

"تختلف حالة السودان عن باقي الدول التي ظهرت فيها حركات تمرد"، يقول لرصيف22 رئيس حركة تمرد السودان بكري عبد العزيز.

ويضيف أن الحركة بدأت باسم الانتفاضة، في عامي 2011 و2012، قبل قيام تمرد المصرية، ولكن غيرت اسمها إلى "تمرد" تيمناً بما أحرزته نظيرتها المصرية من إنجازات.

وأكد عبد العزيز وجود علاقة بين الحركتين، ولا يزال مقر الحركة الكائن في شارع هدى الشعراوي شاهداً على اجتماعات أعضائهما، وعلى فعاليات تقاسموا التظاهر فيها معاً وكان آخرها التظاهر أمام أمام سفارة جنوب إفريقيا للمطالبة بمحاكمة البشير.

وعن اللون البرتقالي لاستمارات الحركة السودانية، فقد أتى تيمناً بالثورة البرتقالية في أوكرانيا، والتي دعت للسلمية ونادت بالحرية ودولة القانون.

وأكد عبد العزيز أن التضييق الأمني على الحركة بدأ منذ اليوم الأول لإطلاقها، وصدرت أحكام بالقبض على أعضائها، وداهمت الشرطة منزل عمار جبارة، منسق الحركة حينذاك وأودعته السجن، وأحرقت الاستمارات. وبالرغم من ذلك جمعت الحركة مليون توقيع، حسبما قال بكري.

وتوقفت حملة جمع الاستمارات عندما أعلن حزب الأمة "مذكرة التحرير" التي تحمل نفس فكرة استمارة تمرد، ما جعل الحركة تبحث عن شكل نضالي جديد وهو الحشد الجماهيري، وانقسم عملها إلى شقين: الأول هو توعية الناس بحقوقهم وواجباتهم؛ والثاني الخروج لإسقاط النظام.

وكانت أكبر الفعاليات التي نظمتها هي تظاهرات سبتمبر 2013 التي جوبهت بتوجيه الرصاص إلى صدور المتظاهرين، فسقط قتلى واعتُقل نائب رئيس الحركة محمد هاشم.

أقوال جاهزة

شارك غردلم تبقَ تجربة "حركة تمرّد" حبيسة مصر، بل جابت دولاً عربية عدّة ووصلت إلى تونس والسودان وغزّة. فما هو مصير تلك الحركات بعد خمس سنوات على إطلاقها؟

شارك غردفكرة تسمية "حركة تمرّد" المصرية أتت من مقال حمل عنوان "تمرّد" ونشرته مجلة سورية... التسمية كانت جديدة ومختصرة وغامضة، يقول حسن شاهين

ويروي عبد العزيز أن بطش النظام في تظاهرات سبتمبر جعل الحركة تتجه لتجميع أكبر قدر من الحركات الشبابية والأحزاب، في محاولة لتوحيد المعارضة حول فكرة حكومة ائتلافية، مبيناً أن علاقة الحركة جيدة بالشخصيات السياسية الكبيرة كالصادق المهدي وياسر عرمان وإبراهيم الشيخ.

سر استمرارية الحركة السودانية هو أنها عبارة عن اندماج حركات شبابية أصغر، منها على سبيل المثال "غاضبون بلا حدود"، "شباب لأجل التغيير"، "أنا طالع الشارع"، و"قوى شباب السودان"...

ويرجع عبد العزيز استمرار تمرد السودانية إلى عدم وجود أيديولوجية لها، رغم أن بعض أعضائها منخرطون في أحزاب. أما عن تمويل نشاطاتها فيقول إنه من أعضاء الحركة ميسوري الحال.

واشتركت الحملة في تحالفات أكبر كقوى الإجماع الوطني السودانية، ومؤتمر شباب السودان الأحرار.

ويوضح عبد العزيز أن النظام السوداني لم ينفك عن محاربة الحركة، إذ صدرت أحكام بالإعدام ضد أربعة من قياداتها منهم رئيس الحركة، ورئيس المكتب السياسي علاء الدين عبد الرحمن، والمنسق السابق عمار جبارة، ونائب المنسق السابق محمد هاشم، مبيناً أن أهم إيجابية لتمرد السودان هي أنها أوصلت صوت المعارضة السودانية إلى الإعلام العربي.

تمرد تونس... أبطال اعتصام باردو

شهد مهد ثورات الربيع العربي اعتراضات على حكم الإخوان المسلمين في البلاد، أي حركة النهضة، رغم أنها دائماً تتحدث عن الديمقراطيه والتعددية.

"كنّا ثائرين على تواطؤ حركة النهضة في الاغتيالات السياسية التي طالت الجيش والشرطة لإرباك وإسقاط مؤسسات الدولة"، يقول لرصيف22 المتحدث باسم تمرد تونس محمد بن نور في إجابة على سؤال عن الأهداف التي قامت الحركة من أجل تحقيقها، مكرراً اتهامات سياسية للحركة لم تثبت صحتها.

ويشير بن نور إلى مساعي الحركة لأخونة الدولة من خلال توظيف الآلاف من أتباعها، وحتى بعض مَن تجاوزوا سن التقاعد، ما شل عمل العديد من الإدارات و"جعل الحركة تكسب شوطاً هاماً في الاندساس في المؤسسات الحكومية للسيطرة على دواليب الدولة"، حسب تعبيره.

ويروي أنه ما أن دعت الحملة التونسيين لملء الاستمارات، حتى فوجئوا بوصول عددها إلى مليون و800 ألف توقيع، ما جعل حزب النهضة يوجّه بشنّ ملاحقات أمنية ضدها، وتلقى أعضاء الحملة تهديدات بالقتل المباشر وغير المباشر، وتعرّضوا لمطاردات ليلية عن طريق سيارات مجهولة الهويّة.

ويوضح بن نور أن الملاحقات الأمنية كانت تتخذ شكل إيقافات لم تدم طويلاً، ومسَّت بعض المنسقين الجهويين، مبيناً أنه تم الاعتداء على مراكز جمع التوقيعات في عدد من الولايات.

"هُددت يوميّاً عن طريق عملي، كما هُددت عائلتي"، يقول بن نور، راوياً أنه تم تجميد ترقيته في شركة اتصالات معروفة كان يعمل فيها، وأن كوادر أمنية زارت عائلته "تحت غطاء النصح بأن لا أواصل المشوار حتى لا ألقى مصير الشهيد شكري بلعيد".

وأضاف المتحدث باسم الحركة أن ما فجّر الأوضاع هو اغتيال السياسي المعارض محمد البراهمي أمام منزله في 25 يوليو 2013. حينذاك دعت تمرد الموقعين على الاستمارات إلى اعتصام مفتوح في ساحة باردو، في العاصمة التونسية.

استمر الاعتصام لمدة شهر ونصف، وكان يتوافد التونسيون من كافة الولايات التونسية عليه، وتصدّرت تمرد المشهد، وأسفر تحركها عن تقديم حركة النهضة التنازلات في اللجنة التأسيسية للدستور، حسب بن نور.

ويقول بن نور إنه مع مشارفة الاعتصام على الانتهاء، عملت الأحزاب القديمة على استقطاب بعض كوادر الحملة، "وبدأ التعتيم الإعلامي المبرمج عليها".

كانت حركة تمرد تونس تتكون من لجنة تأسيسية في العاصمة ومسؤولين جهويين عن الولايات. وبعد الاعتصام، لم تكن هناك طريقة لاستمرارها أو لتأمين دعم مادي لتحويلها إلى حزب سياسي.

ويوضح بن نور أن كوادر الحركة تفرّقوا بين الحركات والأحزاب، فذهب عدد كبير من المؤسسين إلى ائتلاف صمود، ومنهم هو، بينما ذهب عدد من المنسقين الجهويين إلى حزبي الجبهه الشعبيه ونداء تونس، والبعض لا يزال مستقلاً.

عن تأثيرات الحركة في تونس، يرى بن نور أنها نجحت إلى حد بعيد ولكن "لا يزال مخطط تمكين جماعة الإخوان مستمراً من خلال توظيف أتباعها".

ويشير إلى أن ترشّح رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي للانتخابات الرئاسية التي ستجري عام 2019 قد ينذر بعودة تمرّد ونزولها إلى الشارع من جديد.

تمرد على الظلم في غزة

مرتدين أقنعة سوداء وملابس بيضاء، قرأوا بيانهم الأول. هم أعضاء حركة تمرد على الظلم في غزة. خرجوا في الأساس ضد ما قالوا إنه "انتهاكات" تمارسها حركة حماس المسيطرة على القطاع المحاصَر.

وقالت هند العربي، العضوة في تمرد غزة، إن الفكرة بدأت بعد أن رأوا تمرد المصرية، وانطلقوا قبل 30 يونيو 2013.

وتصف المؤسسين بأنهم مجموعه من الشباب الفلسطينيين الأحرار الذين أرادوا الدفاع عن أهالي غزة وإيصال صوتهم إلى العالم، وتقول لرصيف22 إنه لم يساندهم أي فصيل.

وتؤكد العربي أنه، رغم ظهورهم ملثمين في أول بيان لهم، إلا أنهم بعدها اضطروا إلى كشف وجوههم، بعد أن استغلت حماس ذلك لتشويه الحركة وكيل الاتهامات لأعضائها.

لاحقت حماس أعضاء الحركة، وصدرت أحكام غيابية بالإعدام ضد قياداتها في الخارج، وأحكام بالحبس تصل إلى 15 عاماً للأعضاء في الداخل، بحسب العربي التي تقول: "كلنا حكم علينا بالإعدام وحاولوا قتل القيادات في الخارج، ومنهم الأخ أحمد الحمامره في إسبانيا وحاولوا خطف أولاده فاضطر للانسحاب من الحركة، كما حاولوا اغتيال الأخ أبو عرب".

تجربة تجميع استمارات "كانت فصول حزينة في حياة أفراد الحركة"، تعلّق العربي. تعقبت حماس الشباب واعتقلت عدداً كبيراً منهم، وصادرت استمارات، و"هناك شباب حتى الآن لم يعرف ذووهم عنهم أي شيء. اختفوا"، حسبما تقول.

العربي التي انسحبت من تمرد في يناير 2014 لاختلافها مع باقي الأعضاء على جدوى تعريض الغزيين للبطش تقول مبتسمة: "يكفي ما قدمته تمرد للضغط على حماس لتذهب نحو المصالحة".


كلمات مفتاحية
30 يونيو

التعليقات

المقال التالي