درعا مهد الثورة "السلمية" تواجه نار "الأسد" مرتين

درعا مهد الثورة "السلمية" تواجه نار "الأسد" مرتين

"هنا ولدت الفتنة وهنا سنوءدها"، عبارة لم تخلُ من خطأ لغوي في ورقة يمسكها طيار سوري داخل طائرته الحربية لدى مشاركته في ضربات جوية على قرى في ضواحي مدينة درعا، حاضرة حوران التي كانت مهدًا لانطلاق شرارة الثورة "السلمية" في البلاد قبل نحو 8 سنوات.

التطورات في درعا تأتي مع شن النظام السوري هجومًا بريًا وجويًا واسعًا، مدعومًا بالقوات "الحليفة والرديفة" على فصائل المعارضة المسلحة، بعد أسبوع من التصعيد العسكري في المحافظة الجنوبية الحدودية مع الأردن.

وتعدٰ محافظات الجنوب المثلث الجنوبي الغربي على الحدود مع إسرائيل والأردن. وقد أُعلن فيها وقف لإطلاق النار برعاية روسية أميركية أردنية في 7 يوليو الماضي.

"لا تتوقعوا تدخلًا عسكريًا من قبلنا"

تسيطر الفصائل المعارضة على 70% من محافظة درعا والقنيطرة المجاورة، فيما تسيطر قوات النظام على محافظة السويداء حسب تقديرات وكالة الأنباء الفرنسية.

وتسبب التصعيد الأخير في حركة نزوح واسعة قوامها  ألفاً وربما أكثر في درعا، وفق المتحدثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الانسانية التابع للأمم المتحدة، ليندا توم.

"شهدنا خلال الأيام الماضية فرار عدد كبير جدًا من الأشخاص بسبب استمرار أعمال العنف والقصف والقتال في هذه المنطقة"، مضيفةً "لم نرَ من قبل نزوحًا ضخمًا بهذا الشكل في درعا".

وأمام القصف الصاروخي ومئات الضربات الجوية، يفر غالبية النازحين من ريف درعا الشرقي إلى المنطقة الحدودية مع الأردن جنوباً، فيما تحذيرات أممية من تداعيات التصعيد على نحو 750 ألف شخص في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في المنطقة الجنوبية التي تشمل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء.

في درعا، كان ميلاد ثورة عفوية "سلمية" قوبلت بالنار، وهذه الأيام تواجه مصيرها وحدها بالنار أيضًا، بعدما توقفت قوى إقليمية ودولية عن مساعدة الفارين والضغط لوقف القتال في منطقة الهدنة، تزامنًا مع تقدم قوات بشار الأسد.

وأغلقت الأردن، التي ينتشر فيها نحو مليون لاجىء سوري، حدودها في وجه الفارين من أتون القتال، بدعوى عدم قدرتها على استيعاب موجة جديدة من اللاجئين.

وكتب وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي تغريدة في حسابه على تويتر: "لا تواجد للمشردين على حدودنا، والتحرك السكاني نحو الداخل، حدودنا ستظل مغلقة ويمكن للأمم المتحدة تأمين السكان فى بلدهم، نساعد الأشقاء ما نستطيع ونحمي مصالحنا وأمننا".

وفي سياق متصل، بعثت السفارة الأمريكية في الأردن، الأحد الماضي، برسالة نصية إلى قادة الفصائل تنصحهم فيها بضرورة اتخاذ قراراتهم حول مواصلة القتال على أساس مصالح فصائلهم وعائلاتهم وليس "على افتراض أو توقع التدخل العسكري من قبلنا".

وهو ما أكدته صحيفة "واشنطن بوست" عبر مصدر مطلع، بينما رفضت الخارجية الأمريكية التعليق على ذلك، واكتفت بالقول إنها "تتابع عن كثب الوضع وتؤكد لروسيا أهمية الالتزام المتبادل باتفاق وقف إطلاق النار".

درعا مهد الثورة "السلمية"

بعد أيام من تنحي الرئيس المصري حسني مبارك في 11 فبراير 2011، كان صدى الثورة المصرية بلغ مداه في بقية المنطقة العربية، فتحسس حكامها مكانهم من احتمالات الهبات الشعبية.

وقد خط مراهقون على جدران درعا عبارة معترضة عدة، من بينها "الشعب يريد إسقاط النظام، إجاك الدور يا دكتور".

وأثارت هذه الكتابات غضب قوى الأمن، فألقت القبض على هؤلاء المراهقين في نهاية فبراير، وسريعًا ما جرى تناقل خبر تعرضهم للتعذيب.

وحسب وليد الشيخ مراسل صحيفة "المصري اليوم" المصرية، الذي دخل المدينة في عداد بعثة إعلامية دولية في يناير 2012، يقول أهل درعا إن مكالمة هاتفية تسببت في الشرارة الأولى لاندلاع الثورة، وكانت جرت بين طبيبة سورية وصديقتها وقالت الأولى فيها: "مبارك اتنحي.. عقبال عنّا".

وقتذاك اعترضت المخابرات السورية المكالمة، ولم تمر ساعة حتى اعتقلت الطبيبة وعذبتها، فذهب شيوخ درعا للمطالبة بالإفراج عنها، لأن المساس بأعراض النساء خط أحمر في تلك المدينة، التي يمتزج فيها البعد القبلي المحافظ بالديني السلفي.

لكن في اليوم التالي، حاول بعض الفتيان الثأر لها متأثرين بثورات تونس ومصر وليبيا، فكتبوا عبارات على الجدران، وعندما ألقي القبض عليهم أيضًا ذهب شيوخ درعا مجددًا لقائد الأمن في درعا، ابن خالة الرئيس بشار، العميد عاطف نجيب، الذي قيل إنه أسقط عمامة أكبر الشيوخ وداسها بقدميه، وهي إهانة كبيرة في العرف القبلي.

ونقل المراسل عن معارض سوري قوله: "الأمر وصل لدرجة أن قائد الأمن قال لوفد الشيوخ إنه لن تتم إعادة هؤلاء الأطفال واعتبروا أنهم ماتوا. يمكنكم أن تنجبوا غيرهم، وإذا كنتم غير قادرين على الإنجاب، يمكننا إرسال رجال يقومون عنكم بالمهمة".

كانت تظاهرات عفوية خرجت في دمشق احتجاجًا على اعتداءات رجال شرطة على مواطنين في منطقة الحريقة بالعاصمة، وسط هتافات "الشعب السوري ما بينذل". حينذاك فُضت المظاهرة، إلا أن دعوات على فيسبوك حشدت الناس للخروج من جديد.

واكب ذلك غليان بعدما رفضت السلطات الإفراج عن المراهقين، وأطلقت النار على المتجمهرين، فسقط قتلى، وقد شنت قوات الأمن هجومًا على جنازتهم، لترفع غضب سكان المدينة، الذين انتهوا إلى تحطيم تمثال الرئيس السوري السابق حافظ الأسد.

وعلى الفور، انتقل الغضب إلى مدن أخرى خرجت اعتراضًا على عمليات الاعتقال العشوائية والقتل، دعمها من عُرفوا بـ"الشبيحة" أو البلطجية حسب التسمية المصرية.

وفي الأشهر الماضية، كانت قوات النظام فد سيطرت على منطقتي الغوطة الشرقية وريف حمص (وسط سوريا) الشمالي، ولم يبق بين المناطق الأربع سوى جنوب البلاد ومحافظة إدلب (شمال غرب البلاد).

وكانت قوى المعارضة المسلحة ستشن هجومًا وشيكًا على المدينة التي تسيطر عليها منذ العام 2014، لقطع الطريق بين مدينة درعا والحدود الأردنية، وفصل مناطق سيطرة المعارضة في المحافظة بعضها عن بعض.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي