الجيش السوري يتقدّم بدعم روسي... هل تخلّى "العم سام" عن حلفائه في الجبهة الجنوبية؟

الجيش السوري يتقدّم بدعم روسي... هل تخلّى "العم سام" عن حلفائه في الجبهة الجنوبية؟

"ينبغي ألا تسندوا قراركم على افتراض أو توقع بتدخل عسكري من قبلنا". بهذه العبارات راسلت واشنطن الفصائل المعارضة المنتشرة في "الجبهة الجنوبية" في سوريا، المنطقة التي تحظى بأهمية استراتيجية كبرى لقربها من حدود الأردن ومرتفعات الجولان المحتلة ومن العاصمة السورية دمشق.

أنهت الرسالة المذكورة آمال هؤلاء المعارضين بالاعتماد على الولايات المتحدة لوقف الحملة العسكرية التي يشنها النظام بمساعدة الطيران الروسي في محافظة درعا منذ نحو أسبوع، برغم تحذيرات واشنطن للرئيس السوري بشار الأسد من مغبة انتهاك منطقة "خفض التصعيد"، وحديثها عن "تبعات خطيرة" لذلك، وتعهدها باتخاذ "إجراءات حازمة وملائمة".

بعد غارات بدأ الطيران السوري بشنّها على المنطقة منذ نحو أسبوع، وأثارت تساؤلات كثيرة عن أسباب السماح له بذلك في منطقة اتفقت موسكو وواشنطن على اعتبارها منطقة خفض تصعيد في يوليو 2017، أتى بدء المساندة الجوية الروسية المباشرة للعملية منذ 23 يونيو ليفتح الحديث عن قرار أمريكي بالتخلي عن المنطقة.

أهداف الحملة العسكرية

"الحدود الأردنية هي الهدف"، يقول لرصيف22 قائد فصيل "أسد الله الغالب" الذي يقاتل بجانب قوات النظام السوري عقيل الموسوي، مشيراً إلى أن الحملة العسكرية تسعى للوصول إلى معبر نصيب.

ويعتبر أبو حسام، رئيس المجلس العسكري لحركة شباب السنة، أحد أهم الفصائل العاملة في درعا، أن حملة النظام العسكرية تهدف إلى إخضاع الجنوب السوري لحملة المصالحات التي سبق أن نفّذها في الغوطة الشرقية وريفي حماة وحمص.

وفي ظل ما يصفه بـ"تخاذل الدول الموقعة على اتفاق خفض التصعيد"، يقول إن "فصائل الجنوب لم تعد تثق بالمجتمع الدولي أو بهيئات التفاوض، وتتعامل مع الواقع الميداني".

وبرغم صدمة المعارضين، إلا أن أبو حسام يهدد بـ"كسر الأسطورة التي حققوها في الغوطة" مشيراً إلى أن فصائل الجيش السوري الحر "استوعبت الصدمة الأولى للقصف الهمجي وبعدها ستبدأ بالعمليات القتالية وستكبد النظام خسائر فادحة".

ويشير القيادي في غرفة البنيان المرصوص أبو محمد أبا زيد إلى أن النظام يستخدم في المرحلة الحالية من المعارك جميع أنواع القصف، من طيران حربي ومروحي، بالإضافة إلى قصف بصواريخ أرض-أرض (صواريخ فيل)، عدا مدافع الهاون والمدافع ميدانيه.

ويلفت المتحدث باسم غرفة عمليات الجنوب المركزية رائد الراضي إلى أن روسيا "تحججت بذرائع غير حقيقية لقصف درعا وهي أن جبه‍ه النصرة خرقت اتفاق خفض التصعيد في اللجاة، لكي تشنّ غارات وتقتل مدنيين للضغط على الحاضنة الشعبية للثوار".

ومهّد القصف الجوي العنيف لتقدّم قوات النظام السوري في المنطقة، إذ حققت في ليل 25-26 يونيو تقدماً بارزاً وسيطرت على بلدتي بصر الحرير ومليحة العطش، في شرق محافظة درعا، بعد أن سيطرت قبل ذلك بقليل على منطقة اللجاة، ولا تزال تتقدم باتجاه الجنوب.

وتوضح الناشطة السورية، من درعا، أم زين الرفاعي أن خطة النظام تكمن في تقطيع أوصال درعا كما فعل في الغوطة، ولذلك يقصف درعا البلد، وهي بلدة حدودية وفيها المعبر القديم، لفصل ريف درعا الشرقي عن ريفها الغربي، وتشتيت المعارضة.

وتشير إلى أن السطرة على بصر الحرير تمكّنه من فصل الريف الشمالي الشرقي عن الريف الجنوبي.

بتقدمها، نجحت قوات النظام في تقسيم مناطق سيطرة المعارضة في ريف درعا الشرقي إلى قسمين شمالي وجنوبي، ما يمكنها من وصل مدينة إزرع بمحافظة السويداء، بالإضافة إلى عزل الريف الشمالي الشرقي لدرعا.

وتستخدم قوات النظام استراتيجية عزل مناطق سيطرة المعارضة وتقسيمها إلى جيوب عدة، ما يحقق إضعاف الفصائل وتشتيت جهودها، وبالتالي يسهّل مهمة استعادة السيطرة عليها.

وتسيطر الفصائل المعارضة على 70% من محافظتي القنيطرة ودرعا، ويقتصر تواجدها في السويداء على أطراف المحافظة الغربية، وترتبط هذه الفصائل بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة وترعى شؤونها المالية والتسليحية غرفة عمليات قائمة في الأردن.

هل تخلت واشنطن عن حلفائها؟

"الأخبار صحيحة، وأمريكا تخلت عن الجنوب السوري". بهذه الكلمات يلخّص المتحدث باسم غرفة عمليات الجنوب المركزية رائد الراضي ما يحدث لرصيف22، مضيفاً أن واشنطن تخلت عن اتفاقية خفض التصعيد التي رعتها، و"لكن الجبهة الجنوبية اختارت الصمود والدفاع عن الأرض والعرض، بعد أن تركهم العالم ليواجوا مصيرهم".

ويتهم الأمين العام لمجلس علماء حلب زهير ناعورة أمريكا بالتخلي عن الجنوب السوري لصالح النظام في إطار "تفاهم تام مع الإسرائيليين يشترط إبعاد الايرانيين عن الحدود الإسرائيلية".

ويقول لرصيف22 إن "أمريكا لم يعد لها مبدأ في سياستها تجاه العالم عامة وتجاه سوريا خاصة، فسياسة (الرئيس الأمريكي الأسبق باراك) أوباما كانت تسليم الملف السوري للروس، أما (الرئيس الحالي دونالد) ترامب فليس له مبدأ في السياسة إلا المال وملء الخزانة الأمريكية".

أقوال جاهزة

شارك غرد"الأخبار صحيحة، وأمريكا تخلت عن الجنوب السوري"... بهذه الكلمات يلخّص معارض سوري ما يحدث في الجبهة الجنوبية

شارك غردمعارضون سوريون يتهمون أمريكا بالتخلي عن الجنوب السوري لصالح النظام في إطار "تفاهم تام مع الإسرائيليين يشترط إبعاد الايرانيين عن الحدود الإسرائيلية"

وبرأي ناعورة، فإن "خطة تقسيم الكعكة السورية تبدو واضحة: النفط في الشرق السوري لأمريكا، والغاز في الغرب السوري للروسي، وإيران تحقق ضمان تواجدها غير المسلح في سوريا، ويُقضى على التهديد الكردي لتركيا في الشمال السوري، ويعود النظام لبسط سيطرته، مع ضمان حقوق الدول الكبرى ومصالحها وبالذات إسرائيل من خلال تأمين حدودها".

أما السياسي السوري وعضو حزب اليسار السوري الديمقراطي زكي الدروبي، فيقول لرصيف22 أن "أمريكا مثلها مثل روسيا أو أية دولة إمبريالية في العالم، لا مصلحة لها بأن ينال السوريون حقوقهم ويعيشون في دولة ديمقراطية".

وبرأي الدروبي، "لن تجد إسرائيل أفضل من نظام الأسد لحماية حدودها، فوالده حمى حدودها طوال أربعين سنة، ولم يطلق رصاصة واحدة تجاهها".

ولكن الناشطة أم زين الرفاعي تقول إنه "بالرغم من تشدق أمريكا بإبعاد إيران عن جنوب سوريا، إلا أن الحقيقة هي أن المليشيات الموالية لإيران تشارك في العملية الأخيرة بجانب قوات النظام".

موجة نزوح جديدة

تتهم النازحة السورية من ريف درعا الشرقي لجين المليحان الطيران الروسي باتباع "سياسة الأرض المحروقة"، وتقول إنها تركت منزلها بسبب القصف العشوائي، لافتةّ إلى أن عدد السيارات التي يمكن أن تقل النازحين قليل بسب استهدف الطيران لأي رتل سيارات متحرك، وبسبب الارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات.

وروت المليحان لرصيف22 أن الناس استخدمت الطرق الالتفافية والريفية الترابية، "والمسافة التي كانت تحتاج نصف ساعة لقطعها أصبحت تتطلب نصف يوم".

وتصف الرفاعي الموقف الأردني مما يجري بـ"المخزي"، إذ أعلنت الأردن أنها لن تتدخل في ما يجري، ونشرت دباباتها على الحدود، رافضةً استقبال لاجئين جدد.

وقال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في 26 يونيو: "حدودنا ستظل مغلقة ويمكن للأمم المتحدة تأمين السكان في بلدهم. نساعد الأشقاء ما استطعنا ونحمي مصالحنا وأمننا".

وبحسب رئيس غرفة الطوارئ في درعا وريفها موسى الزعبي، نزح خلال يومين حوالي 75 ألف سوري و"هو عدد مخيف وينذر بكارثة إنسانية"، موضحاً لرصيف22 "أن حركة النزوح سريعة الوتيرة وهناك قرى بأكملها أخليت من سكانها، وبات الريف الشمالي والغربي لدرعا بلا سكان تقريباً".

وتحدث الزعبي عن اختفاء مواد غذائية، إلا في السوق السوداء، وارتفاع جنوني للأسعار، مشيراً إلى تشكيل لجنة طوارئ تتولى عملية نقل النازحين إلى القرى الأكثر أماناً على الحدود الأردنية.

وأعلنت الأمم المتحدة في 26 يونيو، أن القتال دفع ما لا يقل عن 45 ألف شخص للنزوح من منازلهم في جنوب غرب سوريا والاتجاه صوب الحدود مع الأردن، وحذّرت من تداعيات التصعيد على نحو 750 ألف شخص في مناطق سيطرة الفصائل في الجنوب.

وينفي الزعبي ما أشيع عن تدافع آلاف السوريين نحو الأردن، ويشير إلى أن القرى الآمنة لا تبعد سوى كيلومترين عن الحدود الأردنية، موضحاً أن المعابر الإنسانية مع الأردن موجودة وهناك تعاون كبير في إغاثة النازحين، ولكن الأردن لن يستطيع استقبال لاجئين جدد.


سيد مصطفى

صحافي مصري متخصص في الشؤون الخارجية، وعمل في عدد من الصحف المصرية.

التعليقات

المقال التالي